فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

قيس بن المكشوح المرادي :

        وهنا يأتي ذكر قيس بن هبيرة بن المكشوح المرادي ، وأوّل ما نرى ذكره في السيرة : أنّ عمرو بن معديكرب الزُبيدي كان صاحبه فقال له يوما : يا قيس قد ذُكر لنا أنّ رجلاً من قريش قد خرج بالحجاز يقول : انّه نبيّ ، يقال له محمد ، وأنت سيّد قومك ، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه ، فان كان غير ذلك علمنا علمه ، وإن كان نبيّا كما يقول فإذا لقيناه اتّبعناه . فأبى عليه قيس وسفّه رأيه . وقدم عمرو عليه فأسلم ، فلما بلغ قيسا أوعده وتشدّد عليه(2) .



(1) الطبري 3 : 229 ـ 231 ، عن سيف بن عمر التميمي .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4: 230 .

(670)

        هذا كلّ ما رواه ابن اسحاق وعنه ابن هشام في السيرة ، والطبري في تاريخه ، ثم لم يذكر عنه إسلاما حتى روى عن فيروز الديلمي : أ نّه وثب ـ متزامنا مع الأسود العنسي ـ على فروة بن مسيك المرادي فأجلاه ونزل منزله(1) ولما توجّه العنْسي الى صنعاء أسند أمر جنده الى قيس بن عبد يغوث ، فكان قوّاده يومئذٍ هو ويزيد بن الافكل الأزدي ويزيد بن الحصين الحارثي ويزيد بن محرّم . فلما أثخن في الأرض واستغلظ أمره وثبت ملكه استخفّ بدادويه الاصطخري وفيروز الديلمي وقيس بن المكشوح المرادي وتغيّر له .

 

        فلما بلغ كتاب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى فيروز الديلمي ورأى أن الأسود العنسي قد تغيّر لقيس حتى أمسى يخاف على دمه ، أبلغوه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ودعوه فأجابهم إلى ذلك .

        وكتب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى ذي ظُليم وذي الكلاع وذي مُزان وعامر بن شهر ( بن بادان ) فتهيّجوا لذلك واعترضوا على العنسي وكاتبوا فيروز الديلمي وبذلوا له النصر ، وكاتبهم وأمرهم أن لا يحرّكوا شيئا حتى يبرموا الأمر .

        وكتب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى ساكني نجران من العرب وغيرهم من أبناء الفرس ، فانضمّ بعضهم الى بعض وتنحّوا عن غيرهم ناحية . وكاتب فيروز الناس ودعاهم . وارتاب العنسي من قيس وفيروز وهم منه في ارتياب وعلى خطر عظيم(2) .

 

فيروز وابنة عمّه آزاد :

        ودخل فيروز الديلمي على ابنة عمّه آزاد أرملة شهر بن بادان التي تملكها الأسود ، فقال لها : يا ابنة عمّ ، إنّ هذا لرجل قتل زوجك وأسرع القتل في قومك ،


(1) الطبري 3 : 185 ، عن سيف التميمي .

(2) الطبري 3 : 230 ـ 231 ، عن سيف التميمي .

(671)

واهان من بقي منهم وفضح نساءهم ، فهل عندك من ممالأة عليه ؟ ! فقالت : على أي أمر ؟ قال فيروز : على إخراجه . قالت : أو قتله ! قال فيروز : أو قتله . قالت : نعم ، واللّه ما خلق اللّه شخصا أبغض إليّ منه ، ما يقوم للّه على حق ولا ينتهي له عن حُرمة ، فإذا عزمتم فأعلموني اُخبركم بمنفذ هذا الأمر .

 

        ثم أجمع ملأهم أن يعود الى المرأة فيخبرها بعزيمتهم لتخبرهم برأيها . فعاد إليها لذلك فقالت : هو متحرّز متحرّس ، وليس من القصر شيء إلاّ والحرس محيطون به غير هذا البيت فإنّ ظهره الى مكان كذا في الطريق ، فإذا أمسيتم فنقّبوا عليه فإنّكم من دون الحرس وليس دون قتله شيء ، وستجدون فيه سراجا وسلاحا .

        وخرج فيروز من عند ابنة عمّه ورآه الأسود فوجأ رأسه وقال له : ما أدخلك منزلي ؟ ! فصاحت آزاد : ابن عمّي جاءني زائرا ، فوهبه لها .

        فلما أمسوا واطؤوا أشياعهم وعجّلوا فلم يُراسلوا الحميريين والهمدانيين ، ونقّبوا خارج البيت حتى دخلوه فوجدوا جَفنة وتحتها سراج ، وهم قيس ودادويه الاصطخري وجُشيش ( = كشايش ) وفيروز الديلميان ، وفيروز أشدّهم وأنجدهم ، فقدّموه فخرج من ذلك البيت الى بيت الأسود ، فلما دنا من باب البيت سمع غطيطا شديدا وهو جالس والمرأة جالسة تنتظر ، فوضع فيروز ركبته في ظهر الأسود وأخذ برأسه فدقّ عنقه ، ثم أخبر أصحابه قيسا ودادويه وجشيش فقاموا معه ليحتزّوا رأسه فصاح فألجمه فيروز بثوب وأمرّ الشفرة على حلقه ، فخار خوار الثور ، فسمعه الحرس حول المقصورة فابتدروا الباب وسألوا : ما الخبر ؟ فقالت آزاد : النبيّ يُوحى اليه ! حتى خمد .

        وكانوا قد اجتمعوا من قبل على شِعار بينهم وبين أشياعهم ، فلما طلع الفجر نادى دادويه بالشعار ، فتجمع الحرس وأحاطوا بهم ، فنادى جُشيش بالأذان فقال : أشهد أنّ محمدا رسول اللّه وان عَبهلة كذّاب ! وألقوا رأسه اليهم ، وتنادوا : يا أهل صنعاء ، من كان عنده منهم أحد فتعلّقوا به ، ومن دخل عليه داخل فتعلّقوا

(672)

به . فانتهب الحرس ما انتهبوا ومضوا خارجين ما بين صنعاء ونجران ، وأسر أهل الدور والطرق منهم سبعين فارسا ، وهم اختطفوا معهم سبعمئة من الصبيان والعيال فتراسلوا أن يتبادلوا ما في أيديهم .

 

        وأعزّ اللّه الإسلام وأهله ، وخلصت صنعاء والجنَد ، وتراجع أصحاب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فاصطلحوا على مُعاذ بن جبل يصلي بهم ، وكتبوا الى رسول اللّه بالخير .

        وأتى النبي الخبر من السماء بقتل الأسود ليلة قُتل فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في صبيحتها لأصحابه : قُتل العنسي البارحة ، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين . قيل : ومَن هو : قال : فيروز ، فاز فيروز(1) إنّ اللّه قد قتل الأسود الكذّاب العنْسي ، قتله بيد رجل من إخوانكم من قوم أسلموا وصدّقوا(2) .

        ونقل ابن حجر عن أبي عبيدة في مناقب الفرس : أنّ الفرس لما قتلوا الأسود العنسي بعثوا برأسه مع نفر منهم : زُرعة بن عُريب ، وعبداللّه بن الديلمي وغيرهما ، فأنذر النبي بقدومهم وأوصى بهم وبمن في اليمن منهم خيرا(3) .

 

        وفي تاريخ مقتله : روى الطبري عن الضحّاك بن فيروز الديلمي قال : كان العنسي مستسرا بأمره حتى خرج ، وكان ما بين خروجه في كهف خَبّان الى مقتله في صنعاء نحو من أربعة أشهر(4) .

 



(1) الطبري 3 : 232 ـ 236 ، عن سيف التميمي .

(2) الطبري 3 : 239 ، عن سيف التميمي ، وفي هذا الخبر أن رهائن القوم ثلاثون غلاما من أبناء الفرس ، وهذا أولى وأقرب . والمرحوم المجلسي نقل مختصر خبر الأسود العنسي عن المنتقى للكازروني في بحار الأنوار 21 : 411 ، 412 .

(3) الاصابة 1 : 578 ح 2973 ، وانظر مكاتيب الرسول 3 : 432 ، ولكنّهم وصلوا المدينة بعد وفاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلا يصحّ كتابه لهم . وانظر وقارن : عبد اللّه بن سبأ 2 : 134 ـ 141 .

(4) الطبري 3 : 240 .

(673)

        وفي اُخرى : كان من أوّل أمره إلى آخره ثلاثة أشهر(1) .

 

        وفي بدايته : روى عن أبي مويهبة مولى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : لما قضى رسول اللّه حجة التمام ورجع الى المدينة تحلّل به السير ... فطارت الأخبار بتحلّل السير بالنبي وأ نّه قد اشتكى ( من المرض ) فجاء الخبر عن مسيلمة باليمامة والأسود باليمن(2) .

 

        وعليه فقد يستبعد ما نقله الطبري عن الواقدي : أنّ في النصف من المحرم من السنة الحادية عشرة قدم زرارة بن عمرو النخعي بوفد النخع من همدان اليمن على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) مقرّين بالإسلام وقد بايعوا من قبل مُعاذ بن جبل ، وهم مئتا رجل(4) ثم لم يذكروا أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طلب منهم جهاد المرتدّين في اليمن .

 

        اللهم إلاّ أن يقال بأ نّهم من همْدان التي أسلمت على يد علي عليه‏السلام ، فكانوا حديثي عهد بالاسلام .

 

 

فتنة طُليحة في بني أسد :

        روى الطبري عن ابن عامر الأسدي قال : جاء الينا الخبر عن وجع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة ، وأنّ الأسود قد غلب على اليمن ، فلم نلبث إلاّ قليلاً حتى ادّعى طليحة بن خُويلد الفقعُسي الأسدي النبوّة واتّبعه العوام واستكثف أمره وعسكر في سَميراء .


(1) الطبري 3 : 239 .

(2) الطبري 3 : 147 و 184 ونحوه في 186 .

(3) الطبري 3 : 240 .

(4) المنتقى للكازروني وعنه في بحار الأنوار 21 : 409 .

(674)

        فكان أول من كتب الى النبي بخبر طليحة ، عامل الرسول على بني مالك : سنان بن أبي سنان .

        وبعث طليحة اليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ابن أخيه حبال يخبره بخبره وأنّ الذي يأتيه ملك سمّاه : ذا النون . فقال له النبي : قتلك اللّه(1) .

        واجتمع على طُليحة عوام أسد وطيّئ وغطَفان وأشجع فبايعوه(2) إلاّ بعض خواصّهم . فاجتمعت بنو أسد في سَميراء ، وغطفان وفِزارة في جنوب المدينة ، وطيّئ في أرضهم ، وبنو ثعلبة وعبْس ومُرّة في الأبرق من الربذة ، وافترقت منهم فرقة سارت الى ذي القَصّة من بني أسد ومن انضمّ اليهم من بني الدُّئِل وليث ومُدْلج وعليهم حبال أخو طُليحة(3) . وذو القَصّة على بريد ( = 22 كم ) من المدينة تُجاه نجد وارتحل طُليحة من سَميراء فنزل في بُزاخة(4) . فوجّه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ضرار بن الأزور الى عُمّاله على بني أسد ، وأمرهم بالقيام على كل من ارتدّ منهم . فلما نزل طُليحة والمرتدون في سَميراء نزل المسلمون في واردات ، وما زال المسلمون في نماء والمشركون والمرتدون في نقصان حتى أتى الخبر بوفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأمسى المسلمون في نقصان وارفضّ الناس الى طليحة واستطار أمره ، حتى ارفضّ المسلمون !(5) .

 

 

وسمّى اُسامة لبَلقاء الشام :

        لم يشغل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما كان عليه من الألم والمرض والوجع عن أمر اللّه


(1) الطبري 3 : 186 ، 187 ، عن سيف .

(2) الطبري 3 : 242 و 244 ، عن سيف .

(3) الطبري 3 : 244 ، عن سيف .

(4) الطبري 3 : 248 و 254 عن سيف .

(5) الطبري 3 : 257 عن سيف ، وانظر الترديد في ذلك في كتاب عبد اللّه بن سبأ 2 : 26 ـ 56 .

(675)

عزّ وجل والذبّ عن دينه أمام المرتدّين عنه على عهده في اليمن واليمامة وغيرهما ، ولكنّه إنّما حاربهم بالرُسل والمراسلات ، فبعث وَبَر بن يُوحنّس رسولاً الى فيروز الديلمي وساعد جُشيش الديلمي ودادويه الاصطخري من الأبناء في صنعاء وكتب اليهم أن يستنجدوا برجال سمّاهم من بني تميم وقيس ، وأرسل الى أُولئك أن ينجدوهم(1) وفعل مثل ذلك بشأن مسيلمة وطُليحة ، ولم يجهّز لهم جيشا إلاّ أ نّه سمّى اُسامة لبلقاء الشام .

 

        جاء خبره في « مغازي موسى بن عقبة » عن الزهري قال : قدم رسول اللّه المدينة من حجة الوداع فعاش بها في المحرم واشتكى في صفر ... وكان رسول اللّه قد أمّر اُسامة بن زيد على جيش عامّتهم المهاجرون ، وفيهم عمر بن الخطاب(2) ، أمره رسول اللّه أن يغير على مؤتة حيث اُصيب زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد اللّه بن رواحة . وكان اُسامة بن زيد قد تجهّز للغزو وخرج في ثَقَله الى الجُرْف(3) ثم أقام تلك الأيام لشكوى رسول اللّه ... حتى كانت ليلة الاثنين من شهر ربيع الأوّل ( ؟ ) فأقلع الوعك عن رسول اللّه وأصبح مفيقا ، فغدا الى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل بن عباس ... وجلس رسول اللّه الى الجذع ، واجتمع اليه المسلمون يسلمون عليه ويدعون له بالعافية .

        ودعا رسول اللّه اُسامة بن زيد فقال له : اغد على بركة اللّه والنصر والعافية ، ثم أغِر حيث أمرتك أن تُغير . فقال اُسامة : يا رسول اللّه ، قد أصبحتَ مفيقا ،


(1) الطبري 3 : 187 عن سيف .

(2) ولم يذكر أبا بكر ، ولكن المعتزلي قال : ذكر موسى بن عقبة أنّ أبا بكر لم يكن في جيش اُسامة . شرح النهج 17 : 183 .

(3) الجُرْف : موضع على ثلاثة أميال ( = 6 كم ) من المدينة نحو الشام . معجم البلدان 2 : 128 .

(676)

وأرجو أن يكون اللّه عزّ وجل قد عافاك ، فأْذن لي فأمكث حتى يشفيك اللّه ، فإنّي إن خرجت وأنت على هذه الحال خرجتُ وفي نفسي منك قرحة ، وأكره أن أسأل عنك الناس . فسكت عنه رسول اللّه ( كذا )(1) .

 

    وابن اسحاق فرق خبره على ثلاث فرق من القول ، فقال أوّلاً ـ بعد حجة الوداع ـ وبغير رواية : ثم قفل رسول اللّه فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرّم وصفر ، وضرب على الناس ـ من المهاجرين الأولين ـ بعثا الى الشام ، أمّر عليهم مولاه اُسامة بن زيد بن حارثة ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين(2) .

 

        وقال ثانيا قبل شكوى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كذلك بغير رواية : وبعث ( كذا ) رسول اللّه اُسامة بن زيد بن حارثة الى الشام وأوعب معه المهاجرين الأولين ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين .

 

        فبينا الناس على ذلك إذ ابتدأ رسول اللّه بشكواه الذي قبضه اللّه فيه ... في أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول(3) هكذا أرّخ للخبر ابن اسحاق هذه المرّة .

        وفي الثالثة روى عن عروة بن الزبير وغيره : أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله استبطأ الناس في بعث اُسامة بن زيد وهو في وجعه ، وقد كان الناس قالوا في امرة اُسامة : إ نّه أمّر غلاما حَدثا على جِلّة المهاجرين والأنصار ( كذا لأول مرة في سياق قول ابن اسحاق بزيادة الأنصار مع المهاجرين الأولين ) .

 


(1) عن دلائل النبوة للبيهقي 7 : 198 ـ 201 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 253 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 291 ، ونقله عنه الطبري 3 : 184 ، ولكنّه عنونه : ثم ضرب في المحرم ! وعنه في الكامل !

(677)

        فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثـم قـال : « أيها الناس ، أنفذوا بعث اُسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله ، وإنّه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها » ثم نزل صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

        فخرج اُسامة وخرج معه جيشه حتى نزلوا الجُرْف على فرسخ من المدينة فضرب عسكره هناك وتتام إليه الناس . واستعزّ برسول اللّه وجعه وثقل ، فأقام اُسامة والناس لينظروا كيف يكون .

        ثم روى عن اُسامة قال : لما ثقل رسول اللّه رجعت ورجع الناس معي الى المدينة ، فدخلت عليه وقد اُصمِت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده الى السماء ثم يصبّها علي ، فعرفت أ نّه يدعو لي(1) .

        وقال الواقدي : أمر رسول اللّه الناس ( كذا ) بالتهيّؤ لغزو الروم ، وأمرهم بالاسراع في غزوهم ، فتفرّق المسلمون ( ! ) من عند رسول اللّه وهم مجدّون في الجهاد . ثم لم يخص المهاجرين ولم يصرح بالأنصار مع عموم الكلام . بل أولى عنايته بذكر تفاصيل الأخبار ولا سيما في تواريخها ، فبدأ الخبر بقوله : لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من شهر صفر سنة إحدى عشرة ... فلما أصبح رسول اللّه من الغد : يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر ، دعا اُسامة بن زيد فقال له : يا اُسامة ، سِر على اسم اللّه وبركته حتى تنتهي الى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد ولّيتك على هذا الجيش ، فأغر صباحا على أهل اُبنى وحرّق عليهم ، وأسرع السير تسبق الخبر ، فإن أظفرك اللّه فأقلل اللبث فيهم ، وخُذ معك الأدلاّء وقدّم العيون أمامك والطلائع .

 


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 299 ، 300 و 301 .

(678)

        قال الواقدي : فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيَتا من صفر بُدئ برسول اللّه فصُدِّع وحُمّ . فلما أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد رسول اللّه بيده لواءً لاُسامة وقال له : اغزُ بسم اللّه في سبيل اللّه فقاتلوا من كفر باللّه ، اغزوا ولا تغدروا ، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ... فإن لقوكم قد أجلبوا وصيّحوا فعليكم بالصمت والسكينة « وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ »(1) وقولوا : اللهم نحن عبادك وهم عبادك ، نواصينا ونواصيهم بيدك ، وانّما تغلبهم أنت . واعلموا أنّ الجنة تحت البارقة ، ثم قال لاُسامة : امضِ على اسم اللّه فعَسكر بالجرف .

        فأخذ اُسامة اللواء ودفعه الى بُريدة بن الحُصيب الأسلمي ، فخرج به الى بيت اُسامة .

        وأخبر الواقدي : أن الجرف في عهده ، كان يعرف بسقاية سليمان ، وجعل الناس ( كذا ) يجدّون بالخروج ، فمن فرغ من حاجته خرج وبقي من لم يقض حاجته ليفرغ فيخرج . ثم نصّ على المهاجرين الأولين فقال : ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلاّ انتدب ( ؟ ) في تلك الغزوة . فذكر منهم أربعة : عمر بن الخطاب ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد العدوي . ثم زاد رجلين من الأنصار : سلمة بن أسلم ، وقَتادة بن النعمان .

        ثم ذكر اعتراضهم على ذلك فقال : قال رجال من المهاجرين أشدّهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة المخزومي : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين ؟ ! وكثرت القالة في ذلك ! وجاء عمر بن الخطاب الى رسول اللّه فأخبره بذلك ... وذلك يوم السبت لعشر من ربيع الأول .


(1) الأنفال : 46 .

(679)

        فخرج وعليه قطيفة وقد عصّب رأسه بعصابة حتى صعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا أيها الناس ! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اُسامة بن زيد ؟ ! واللّه لئن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله .

        وايم اللّه إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة ... فاستوصوا به خيرا فإنّه من خياركم ! ثم نزل فدخل بيته .

        وجاء المسلمون يودّعون رسول اللّه ليخرجوا مع اُسامة فيهم عمر بن الخطاب ، ورسول اللّه يقول لهم : انفذوا بعث اُسامة !

        ودخلت عليه اُم أيمن ( اُم اُسامة ) فقالت : أي رسول اللّه ، لو تركت اُسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل ( للشفاء ) فإن اُسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه . فقال رسول اللّه : أنفذوا بعث اُسامة !

        فمضى الناس الى المعسكر ، فباتوا ليلة الأحد هناك مع اُسامة . فلما أصبح يوم الأحد نزل الى المدينة فدخل على رسول اللّه وهو يبكي ، ورسول اللّه ثقيل مغمور بالمرض وعنده عمّه العباس ، وحوله نساؤه ، وهو لا يتكلّم ، فطأطأ عليه اُسامة فقبّله فرفع رسول اللّه يده الى السماء ثمّ يقلب كفّه على اُسامة كأ نّه يدعو له ، فرجع اُسامة الى معسكره فبات فيه ليلة الاثنين ، ثم غدا من معسكره يوم الاثنين الى رسول اللّه مرّة اُخرى ، فجاءه اُسامة وهو مفيق مُريح ، فودّعه اُسامة وهو يقول له : اغد على بركة اللّه ! وركب اُسامة الى معسكره ، وصاح بأصحابه باللحوق بالعسكر ، فانتهى الى معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل من الجُرف . فبينا هو كذلك إذ أتاه رسول اُمه اُمّ أيمن يخبره أنّ رسول اللّه في حال الموت ، فرجع اُسامة الى المدينة ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجرّاح .

        أما أبو بكر فإنّه كان قد دخل عليه لما كان مفيقا فقال له : يا رسول اللّه إنّك

(680)

أصبحت مفيقا بحمد اللّه ، واليوم يوم ابنة خارجة ( زوجته ) فأذن لي ! فأذن له فذهب الى السُنح في عوالي المدينة(1) .

 

        قلنا مع أنّ الواقدي كان متوقّد الذهن والذكاء منتبها لجمع التفاصيل عن الأخبار والأحاديث والروايات ، لكنّه لم ينتبه للتركيز على من اشتمل عليه هذا الجيش المؤكّد عليه من رسول اللّه بهذا التأكيد الشديد ، فجاء في نصّه السابق لفظ الناس ست مرّات . والمسلمين ثلاث مرات ، والمهاجرين الأولين كذلك ، وعطف عليهم الأنصار مرة واحدة بعبارة : في رجال من المهاجرين والأنصار عدّة ، ذكر من الأنصار رجلين كما مرّ ، وقد مرّ أن ابن عقبة وابن اسحاق ووافقه ابن هشام ركّزوا على المهاجرين الأوّلين وانّما زاد ابن اسحاق الأنصار مرة في رواية عروة .

 

        ويقصر قول الواقدي عن النصّ بشمول الأنصار عدا عدّة منهم لم يذكر سوى اثنين منهم ، بينما اليعقوبي قال باختصار : عقد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاُسامة بن زيد بن حارثة على جلّة المهاجرين والأنصار ... وكان في الجيش أبو بكر وعمر ... وتكلّم قوم فقالوا : حدث السن ابن تسع عشرة سنة ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لئن طعنتم عليه فقبله طعنتم


(1) فلما توفي رسول اللّه عند زوال الشمس في ذلك اليوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول وبلغ ذلك الذين بالجرف حمل بُريدة بن الحصيب لواء اُسامة معقودا وأتى به الى باب رسول اللّه فغرزه عنده ، ورجع معه من كان معه بالجرف . مغازي الواقدي 3 : 117 ـ 120 ، فالواقدي يرى أبا بكر مستأذنا ، بينما رواه ابن عقبة عن الزهري : أن أبا بكر دخل فقال لعائشة : قد أصبح رسول اللّه مفيقا ، وأرجو أن يكون اللّه قد شفاه . ثم ركب فلحق بأهله بالسُنح : حبيبة بنت خارجة الخزرجي ، كما في دلائل النبوة 7 : 201 من دون استيذان . وكذاك ابن اسحاق في السيرة 4 : 302 ، عن الزهري عن انس بن مالك ، اخصر منه وبلا استيذان أيضا ، وإن كان روى الاستيذان بعده ! عن غير الزهري 4 : 303 ، 304 مناقضا لما مرّ .

(681)

على أبيه وإن كانا لخليقين بالإمارة . فكان اُسامة مقيما بالجـرف إذ اشتكى رسول اللّه قبل أن ينفذ الجيش ، فقال مِرارا : أنفذوا جيش اُسامة . واعتلّ أربعة عشر يوما الى ليلتين خلتا من شهر ربيع الأول(1) فهو يرى أن البدء بذلك كان في النصف من صفر تقريبا ، خلافا للواقدي في ذلك ، موافقا له في مدة التخلف اُسبوعين قبل الوفاة .

 

        والطبري مع ذكره لخبر ابن اسحاق : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ابتدأ شكواه في ليال بقين من صفر ، وتأييده بما عن الواقدي : بُدئ وجعه لليلتين بقيتا من صفر ، وذكره لخبر عن سيف بن عمر عن عروة : انه اشتكى وجعه في عقب المحرّم ، مما يجتمع مع ما مرّ ، ذكر خبرا آخر عن سيف أيضا عن ابن الجذع أو الجزع(2) الأنصاري ، قال بعد تأمير اُسامة : ثم اشتكى في المحرم ، وكأ نّه أهمل القول السابق المتأيّد واعتمد هذا الخبر الأخير المنفرد في عنوانه فقال : ثم ضرب في المحرم بعثا الى الشام وأمّر عليهم مولاه اُسامة ، فتبعه ابن الأثير .

        هذا ، وقد روى لاحقا عن الكلبي عن أبي مخنف عن فقهاء الحجاز : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وجع لأيام بقين من آخر شهر صفر ، في بيت زينب بنت جحش(3) .

        وروى خبرا عن سيف عن ابن عباس : أنّ الناس ( كذا ) أنشؤوا في العسكر ولكنّه لم يستتم الأمر وذلك لأ نّه ثقل رسول اللّه فتمهّل الناس ينظر أوّلهم آخرهم حتى توفي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (4) .

 



(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 113 .

(2) تاريخ الطبري 3 : 147 و 184 و 185 .

(3) الطبري 3 : 187 .

(4) الطبري 3 : 186 .

(682)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y11-p02.htm