فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
وفاة إبراهيم ابن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اسلام سائر العرب بنجران
اسلام بني نُمير
و قاتل خالد في البحرين
سريّة علي عليه‏السلام الى اليمن
اسلام همدان
و بنو زُبَيْد بأرض مَذحِج
من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن
وفد بني غامد من الأزد
و وفد الرهاويّين من مذحج
و فروة بن مُسيك المرادي
بعث معاذ الى اليمن
إرسال عمرو بن حزم الى اليمن
الإعداد لحجّة الوداع
وصول الرسول الى مكة
حجّ علي عليه‏السلام من اليمن
خطبته بعد طوافه وسعيه
و خرج لمناسك الحج
و في المشعر الحرام
و انتهى الى منى
خطبته بمنى
خطبته في مسجد الخَيف
متى و كيف نزلت سورة المائدة ؟
الآيات الثلاثة الاُول
خبر نزول آية الولاية في مكة
الموضع و النداء و المنبر
عدد الجمع
هنئوني و سلموا على علي و له
آية الاكمال، و شعر حسّان
و سأل سائل
و كفروا بعد إسلامهم
و همّوا بما لم ينالوا
ساير آيات المائدة
و آية الوضوء
اثنا عشر نقيبا
نبأ ابني آدم
حدّ المحارب و المفسد
حدّ السارق و السارقة
أهل الكتاب و المنافقون و المرتدّون
آيتا الولاية و التبليغ و ما بينهما
لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم
تأكيد تحريم الخمر
لا تسألوا عمّا يسوؤكم
الجزية من أهل الكتاب دون الأعراب
و شهادة أهل الكتاب في السفر
رجوع الرسول الى المدينة
الإسلام و بنو حنيفة
ثم عظمت الفتنة
أخبار اليمن بعد الحج
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

حدّ المحارب والمفسد :

        وفي الآيتين ( 33 و 34 ) جاء حدّ المحارب والمفسد .

        وروى العياشي في تفسيره عن أبي صالح عن الصادق عليه‏السلام قال : قدم على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قوم من بني ضَبّة ، فقال لهم رسول اللّه : أقيموا عندي فإذا قويتم بعثتكم في سريّة . فقالوا : أخرجنا من المدينة . فبعث بهم الى إ بل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها .

        وكان في الإ بل ثلاثة نفر يحرسونها ، فلما برئ بنو ضبّة واشتدّوا قتلوا الثلاثة وساقوا الإ بل الى واد قريب من أرض اليمن . وبلغ ذلك الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فبعث عليهم عليّا عليه‏السلام فأخذهم فجاء بهم الى رسول اللّه ونزلت فيهم : « إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أوْ يُنْفَوا مِنَ الأرْضِ ... » فاختار رسول اللّه أن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف(1) .

        وفي الخبر ذكر إ بل الصدقة ، وقد مرّ أن أخذ الصدقات كان في التاسعة للهجرة ، والآيتان من المائدة النازلة في حجة الوداع ، فيقتضي أنّ ذلك كان بالمدينة في أواخر العاشرة للهجرة ، وأنّ هذه الآيات نزلت بعد فترة فاصلة ، وعليه فالآيتان ليستا من آيات الأحكام التشريعية ، وإنما هما تأكيد لحكم النبيّ بذلك من قبل .

 

 

حدّ السارق والسارقة :

        وفي الآية ( 38 ) جاء حدّ السرقة ، وقد روى السيوطي في « الدر المنثور »


(1) تفسير العياشي 1 : 314 ح 90 ، وقبله الكليني في فروع الكافي 7 : 245 ح 1 عن الأحمر البجلي ، والطوسي في التبيان 3 : 505 ، عن سعيد بن جبير والسدّي وقتادة عن أنس وعنه في مجمع البيان 3 : 291 ، وقد مرّ خبرهم في سرية بني ضبّة 2 : 596 ـ 598 .

(640)

عن عبد اللّه بن عمر : أنّ امرأة سرقت ، فأمر رسول اللّه بقطع يدها الُيمنى فقطعت ، فقالت : يا رسول اللّه هل لي من توبة ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أُمك ! فنزلت : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »(1) .

 

        وعليه فحدّ السرقة لم يكن إلاّ في أواخر العاشرة للهجرة بسنّته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وعليه فالآية هنا ليست من آيات الاحكام التشريعية وإنّما نزلت تأكيدا لذلك وتأييدا لجواب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بشأن توبتها .

 

        وفي الآية ( 41 ) : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ... » قال القمي في تفسيره في سبب نزولها إ نّها نزلت في شكوى بني قريظة من بني النضير في ديات قتلاهم وفيه ذكر عبد اللّه بن اُبي(2) وأشار اليه الطوسي في « التبيان » ناسبا له الى الإمام الباقر عليه‏السلام (3) ثم روى عنه عليه‏السلام أيضا : أ نّها نزلت في زنا امرأة منهم من أهل خيبر وتبديلهم حد الرجم الى الجلد وفيه ذكر عبد اللّه بن صوريا(4) وسبق منه ذكر


(1) انظر الميزان 5 : 336 ، عن الدر المنثور . والواحدي في أسباب النزول : 159 نقل عن الكلبي أ نّها نزلت في طعمة بن ابيرق . وقد مرّ خبره في السنة الرابعة بآيات من سورة النساء .

(2) تفسير القمي 1 : 168 .

(3) التبيان 3 : 523 .

(4) التبيان 3 : 525 ، وعنه في مجمع البيان 3 : 299 .

(641)

مختصر خبره في سورة البقرة(1) وذلك أولى ، فإن نزول المائدة كان بعد أخبار قريظة والنضير وخيبر جميعا .

 

 

أهل الكتاب والمنافقون والمرتدّون :

        وتستمر الآيات من الأربعين الى الخمسين في سياق واحد يلوح منه أ نّها تذكّر بجمع من أهل الكتاب اليهود حكّموا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في بعض أحكام التوراة ، وهم يرجون أن يحكم لهم بما يستريحون اليه تخفيفا مما حكمت به التوراة ، وقال بعضهم لبعض : إن اُتيتم ما يوافقنا فخذوه وإن لم تؤتوه واُتيتم حكم توراتكم الشديد فاحذروه ! وأنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ردّهم الى حكم توراتهم ، فتولوا عنه . وأ نّه كان هناك طائفة من المنافقين يميلون لمثله يريدون أن يفتنوه فيحكم بينهم بالهوى ورعاية الأقوياء ، وهو حكم الجاهلية(2) .

        ثم الآيات الأربع بعدها الى ( 54 ) تنهى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ، وتذكّر بمسارعة مرضى القلوب منهم في اللجوء الى اليهود خوفا من الدوائر ، هذا وهم يقسمون باللّه أ نّهم مع المؤمنين . وهنا الآية ( 54 ) تتنبّأ بارتداد بعض الذين آمنوا عن دينهم وتقول : « ... فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » .

 

        قال الطبرسي : واختُلف في مَن وُصف بهذه الأوصاف منهم ، وروى أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله


(1) التبيان 3 : 363 ، وعنه في مجمع البيان 1 : 325 .

(2) انظر الميزان 5 : 338 و 339 .

(642)

سُئل عن هذه الآية ، فضرب بيده على عاتق سلمان وقال : هذا وذووه ، ثم قال : لو كان الدين معلّقا بالثُريّا لتناوله رجال من أبناء فارس(1) .

 

        وفي تفسير العياشي عن بعض أصحاب الصادق عليه‏السلام قال : سألته عن هذه الآية فقال عليه‏السلام : هم الموالي(2) .

 

        وأفاد المفيد في « الجمل » عن عمار بن ياسر أ نّه قال يوم الجمل : واللّه ما نزل تأويل هذه الآية ... إلاّ اليوم(3) هذا ، ورفعه الطوسي الى علي عليه‏السلام وعمار وابن عباس وحذيفة والباقر والصادق عليهماالسلام (4) بلا رواية ، فهما مصداقان للآية . وتفيد الآية أوصاف من يجب عليهم أن يتولونه وتجعل ذلك علامة عليه ، فهي أيضا ترتبط بموضوع الولاية ، وهي مناسبة النزول .

 

 

آيتا الولاية والتبليغ وما بينهما :

        وهنا في الآية ( 55 ) كأ نّه آن الأوان ليشير القرآن الى ذلك الوليّ بتلك الأوصاف مضيفا صفة خاصّة تخصّه وتعيّنه فقال : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ » .

        وقد مرّ إ يراد ما أفاد إعطاء علي عليه‏السلام خاتمه زكاة أي صدقة مطلقة للسائل وهو راكع في صلاته في المسجد الحرام بمكة ونزول الآية ضمن آي السورة هناك قبل الغدير تمهيدا له .


(1) مجمع البيان 5 : 321 .

(2) تفسير العياشي 1 : 327 ح 136 .

(3) الجمل : 366 .

(4) التبيان 3 : 555 .

(643)

        والآيات العشر التالية من ( 57 ) الى ( 66 ) ذات سياق واحد يُقصد به بيان وظيفة المؤمنين في علاقاتهم مع غيرهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى ، فتنهاهم عن اتّخاذ المستهزئين باللّه وآياته من أهل الكتاب والكفّار أولياء ، وتعد أُمورا من مساوئ صفاتهم ونقضهم مواثيقهم مع ربّهم وعهودهم ، وما يلحق بذلك مما يناسب غرض سورة المائدة من الترغيب في حفظ العقود والعهود ، والترهيب عن نقضها . ومن الاحتمال الراجح أن يكون لبعض أجزائها أسباب مستقلّة نزولاً ، وقد رووا بالفعل لها أسبابا ، إلاّ أ نّها لا تلائم الموقع المكاني والزماني لنزول المائدة في حجة الوداع .

        أما الآية ( 67 ) فهي المعروفة بآية التبليغ : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ » فقد سبق القول المفصّل عنها وأخبارها في حديث الغدير ، وبناءً على ذلك لا يبقى ريب في أنّ الآية لا تشارك الآيات السابقة واللاحقة لها في سياقها ، ولا تتصل بها في سردها ، وإنّما هي آية مفردة عنها(1) .

        والآيات بعدها الى ( 86 ) تعود جارية على سياق الآيات السابقة من أوائل السورة الى هنا ، فإنّها يجمعها أ نّها كلام في أهل الكتاب خطابا وعتابا(2) .

 

 

لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم :

        والآيات الثلاث من ( 87 ) الى ( 89 ) من آيات أحكام الأيمان اللاغية


(1) وانظر الميزان 6 : 27 و 42 ـ 48 .

(2) انظر الميزان 6 : 64 .

(644)

والمعقودة وكفّارتها : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ... » وروى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه‏السلام وبلال وعثمان بن مظعون ، فأما أمير المؤمنين عليه‏السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبدا ، وأما بلال فإنّه حلف أن لا يُفطر بالنهار أبدا ، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا . فدخلت امرأة عثمان على عائشة ... فقالت لها عائشة : مالي أراك معطّلة ؟ ! فقالت : ولمن أتزيّن ؟ ! فواللّه ما قاربني زوجي منذ كذا ، فإنّه قد ترهّب ولبس المسوح وزهد في الدنيا .

 

        فلما دخل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أخبرته عائشة بذلك ، فخرج فنادى : الصلاة جامعة !

        فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « وما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيّبات ؟ ! ألا إنّي أنام الليل ، وأنكح ، وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول اللّه فقد حلفنا على ذلك ؟

        فأنزل اللّه تعالى : « لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللغوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »(1) .



(1) تفسير القمي 1 : 179 ، 180 ، وروى صدره الطبرسي في مجمع البيان 3 : 364 مُرسلاً ، والطوسي في التبيان 4 : 8 إنّما أجمل نقله عن إ براهيم وأبي مالك وأبي قلابة وعكرمة وقتادة والسدّي والضحاك عن ابن عباس وزاد فيهم ابن مسعود وابن عمر ، وان ابن مظعون استأذنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للاختصاء والسياحة والترهّب وجبّ ذكره ! عن السدي .

(645)

        وروى صدره الطبرسي في « مجمع البيان » ونقلهما الطباطبائي في « الميزان » واكتفى في التعليق عليه بقوله : في انطباق الآية : « لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللغوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... » على أيمانهم خفاء(1) .

 

        هذا ، ولا يخفى أن عثمان بن مظعون أوّل مهاجر مات بعد الهجرة سنة اثنين ، وهو أوّل من دُفن بالبقيع وثنّته رقية ابنة رسول اللّه فدفنها اليه وقال لها : الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون(2) أي كان ذلك قبل المائدة بثمان سنين ! فكيف التوفيق ؟ !

 

        وروى السيوطي في « الدر المنثور » عن الطبري وغيره : أن عبد اللّه بن رواحة كان عند النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم ودخل ضيف له على أهله ، فلما رجع اليهم وجدهم انتظروه ليطعموهم فقال لأهله : حبست ضيفي من أجلي ؟ ! هو حرام علي ! فقالت امرأته : هو علي حرام ! فقال الضيف : هو علي حرام ! فلما رأى ذلك وضع الطعام وقال كلوا باسم اللّه . ثم أخبر النبي بذلك ، فقال له : لقد أصبت ، فأنزل اللّه الآية .

        نقله عنه الطباطبائي واحتمله سببا آخر لنزول الآية(3) لا يرى تنافيا بين نزول المائدة في العاشرة وشهادة ابن رواحة في التاسعة في غزوة مؤتة .

        والآيات الثلاثة بناءً على هذين السببين في النزول كالمتخلّلة بين الآيات المتعرضة لقصص المسيح والمسيحيين(4) بينما في رواية أُخرى للطوسي في « التبيان » عن إ براهيم وأبي مالك وقتادة ومجاهد عن ابن عباس : أن ما اقتضى هنا ذكر


(1) الميزان 6 : 112 .

(2) قاموس الرجال 7 : 171 و 170 عن فروع الكافي 3 : 241 ، وراجع هذا الكتاب 2 : 321 .

(3) الميزان 6 : 115 عن الدر المنثور ، وذكر مختصر الخبر الطوسي في التبيان 4 : 6 ، وعنه الطبرسي في مجمع البيان 3 : 367 .

(4) الميزان 6 : 106 .

(646)

النهي عن تحريم الطيّبات هو حال الرهبان الذين كانوا يحرّمون على أنفسهم المطاعم الطيّبة والمشارب اللذيذة ، والنساء ، ويسيحون في الأرض ويحبسون أنفسهم في الصوامع ، وقد همّ قوم من الصحابة أن يماثلوهم ، فنهاهم اللّه عن ذلك(1) .

 

        وروى الواحدي في « أسباب النزول » بسنده عن عكرمة عن ابن عباس أيضا قال : إنّ رجلاً أتى النبيّ وقال : إنّي إذا أكلت اللحم انتشرت الى النساء فحرّمتُ عليّ اللحم ! فنزلت(2) .

 

        وهذان مما لا يتنافى مع موقع نزول المائدة بعد حجة الوداع ، وانّما يلائمانه وينسجمان معه .

 

 

تأكيد تحريم الخمر :

        تقدّم تحريم اثم الخمر بالآية ( 219 ) من سورة البقرة في الجزء الثاني في حوادث السنة الثانية : 185 ، ثم تشديد تحريمها بعد اُحد بل بعد غزوة بني النضير في شهر ربيع الأول للسنة الرابعة 2: 427، ولعلّها كانت بمناسبة نزول سورة النساء وفيها الآية ( 43 ) : « لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى » وكان فيه خبر سكب قِرَب الفضيخ من البُسر والتمر ، ولكن القمي نقله في تفسيره للآيات ( 90 ـ 93 ) من سورة المائدة .

        وقال الزمخشري في « ربيع الأبرار » اُنزل في الخمر ثلاث آيات : « يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ... »(3) ، فكان المسلمون بين شارب وتارك ، الى أن شربها رجل فدخل في صلاته فهجر ،


(1) انظر التبيان 4 : 7 .

(2) أسباب النزول للواحدي : 166 . ورواه في الميزان 6 : 114 ، 115 عن الدر المنثور .

(3) البقرة : 219 .

(647)

فنزل : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... » فشربها من شربها من المسلمين حتى شربها عمر فأخذ بِلحْي بعير فشجّ رأس عبد الرحمن بن عوف ، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر :

 

 وكاينْ بالقليب قليب بدر  من الفتيان والشرب الكرام
 وكاينْ بالقليب قليب بدر  من الشيزى المكلّل بالسنام
 أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا  وكيف حياة أصلاء وهام ؟ !
 أيعجز أن يرد الموت عنّي  وينشرني إذا بُليت عظامي ؟ !
 ألا من مبلغ الرحمن عنّي  بأ نّي تارك شهر الصيام !
 فقل للّه : يمنعني شرابي  وقل للّه : يمنعني طعامي !

        فبلغ ذلك رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم فخرج مغضبا يجرّ رداءه وكان في يده شيء فرفعها ليضربه فقال عمر : أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله ! فأنزل اللّه الآيات الى قوله سبحانه: « إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ » ؟ ! فقال عمر : انتهينا انتهينا !

        ورواه السيوطي في « الدر المنثور » بسنده عن سعيد بن جبير وفيه : قال عمر : يا ضيعة لك اليوم ! قُرنت بالميسر ! أو قال : اقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام ؟ ! بعدا لك وسحقا ! وتركها الناس(1) .



(1) الدر المنثور 2 : 315 و 317 ، 318 وهي رواية سعيد بن جبير عن علي عليه‏السلام كما في المستدرك على الصحيحين للحاكم الحسكاني 2 : 307 و 4 : 142 وروى معناه القرطبي في تفسيره جامع أحكام القرآن 5 : 200 ، والآلوسي البغدادي في تفسيره روح المعاني 7 : 17 ، عن عطاء بن رياح الخراساني عن ابن عباس ، والأبشيهي في المستطرف 2 : 499 ، والزمخشري في ربيع الأبرار كما عنه في الغدير 6 : 251 .

(648)

        وثنّاه بخبر آخر أسنده الى سعد بن أبي وقاص قال : إنّ رجلاً من الأنصار صنع طعاما ودعانا ، فأتاه ناس ـ وكان ذلك قبل أن يحرّم الخمر ـ فأكلوا وشربوا من الخمر حتى انتشوا ! فتفاخروا ، فقالت الأنصار : الأنصار خير ، وقالت قريش : قريش خير ، فأهوى رجل بِلحْي جزور على أنفي ففزره ، فأتيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم فذكرت ذلك له ، فنزلت الآية : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ »(1) .

 

        يظهر من الخبر أن سعدا كأ نّه أحسّ بسعادة الحظّ لحظر الخمر على أثر فرز أنفه بلحي جزور بيد رجل من الأنصار انتصارا لهم على المهاجرين من قريش ومنهم سعد ويقول : ذلك قبل أن تحرّم الخمر ... فنزلت الآية من سورة المائدة ، النازلة بعد حجة الوداع في العاشرة من الهجرة ، فهل كان كذلك ؟

 

        وقد أخرج الخطيب عن عائشة قالت : لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر ، فنهى رسول اللّه عن ذلك(2) وتعني الآية ( 219 ) : « يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ ... » .


(1) الدر المنثور 2 : 315 و 317 ، 318 ، واختصر خبره الطوسي في التبيان 4 : 18 ، ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن ابن عباس مختصرا ، وفي أسباب النزول للواحدي : 168 ، عن صحيح مسلم ، وفيه : المهاجرون بدل الأنصار .

(2) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 8 : 358 ، وعنه السيوطي في الدر المنثور 1 : 252 ، وبه قال الحسن البصري كما عنه في مجمع البيان 2 : 558 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 380 .

(649)

        وبمعناه خبر الكليني في « الكافي » عن علي بن يقطين عن الكاظم عليه‏السلام (1) .

        وروى الشوكاني في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : حُرّمت الخمر بعد اُحد(2) .

 

        وأخرج ابن شبة في « تاريخ المدينة المنوّرة » بسنده عنه أيضا أن ذلك كان بعد غزوة بني النضير في السنة الرابعة(3) وقال ابن هشام في شهر ربيع الأول(4) .

 

        وعليه فخبر سعد غير سعيد الحظ بالقبول ، وأولى منه الخبر السابق . وإنّ في الآيات إشعارا أو دلالة على أنّ رهطا من المسلمين ما تركوا شرب الخمر بعد نزول آية البقرة حتى نزلت هذه الآيات من المائدة ... وإن ما ابتلى به رهط منهم من شربها فيما بين نزول آية البقرة وآية المائدة إنّما كان كالذنابة لسابق العادة السيئة(5) ولم تنزل آية المائدة إلاّ تشديدا عليهم ، لتساهلهم في الانتهاء بهذا النهي الإلهي(6) .

 

        وعن الباقر عليه‏السلام قال : ليس أحد أرفق من اللّه تعالى ، فمن رفقه تبارك وتعالى أ نّه ينقلهم من خصلة الى خصلة ، ولو حمل عليهم جملة لهلكوا .

 

        وعنه عليه‏السلام قال : ما بعث اللّه نبيّا قط إلاّ وفي علم اللّه أ نّه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر ، ولم يزل الخمر حراما ، وإنّما يُنقلون من خصلة ثم خصلة ، ولو حمل ذلك عليهم جملةً لقطع بهم دون الدين(7) .



(1) فروع الكافي 2 : 213 .

(2) تفسير الشوكاني 2 : 71 .

(3) تاريخ المدينة المنوّرة 1 : 69 .

(4) ابن هشام في السيرة 3 : 200 .

(5) الميزان 6 : 133 .

(6) الميزان 6 : 135 .

(7) الكـافي 6 : 395 ح 1 و 2 و 3 والتهذيب 9 : 102 ح 179 و 180 ، والغـريب أنّ î؛ الطباطبائي أورد هذين الخبرين وقال : إنّ الشارع تدرّج في تحريم الخمر ولكن لا ... لمصلحة السياسة الدينية في إجراء الأحكام الشرعية ! الميزان 6 : 117 .

(650)

        وفي الآية الأخيرة : « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » ( 93 ) .

 

        وقال القمي في تفسيره للآية : فلما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرهما قال المهاجرون والأنصار للنبيّ : يا رسول اللّه ، قُتل أصحابنا وهم يشربون الخمر ، وقد سمّاه اللّه رجسا وجعله من عمل الشيطان وقلت فيه ما قلت ، أفيضرّ أصحابنا ذلك شيئا بعد ما ماتوا ؟ فأنزل اللّه الآية(1) .

        والآيات بعدها من ( 94 ) الى ( 99 ) عادت الى بيان أحكام صيد البرّ والبحر حال الاحرام ، مما يناسب نزول السورة في حجة الوداع .

 

        اما الآية المئة : « قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فقد روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري : أنّ اللّه حرّم شرب الخمرة وقال النبي فيها : إنّ اللّه لعن عاصرها وبائعها وآكل ثمنها ، فقام اليه أعرابي فقال : يا رسول اللّه اني اقتنيت من بيع الخمر مالاً ، فهل ينفعني إن عملت فيه بطاعة اللّه ؟ قال له النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إن اللّه لا يقبل إلاّ الطيّب فإن أنفقته في صدقة أو حجّ أو جهاد لم يعدل عند اللّه جناح بعوضة ! وأنزل اللّه تصديقا له الآية : « قُلْ لاَ يَسْتَوِي »(2) .



(1) تفسير القمي 1 : 181 ، 182 ورواه الطوسي عن ابن عباس 4 : 20 وعنه في مجمع البيان ونحوه في أسباب النزول للواحدي : 170 عن البخاري عن البراء بن عازب .

(2) أسباب النزول للواحدي : 171 .

(651)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y10-p09.htm