فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
وفاة إبراهيم ابن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اسلام سائر العرب بنجران
اسلام بني نُمير
و قاتل خالد في البحرين
سريّة علي عليه‏السلام الى اليمن
اسلام همدان
و بنو زُبَيْد بأرض مَذحِج
من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن
وفد بني غامد من الأزد
و وفد الرهاويّين من مذحج
و فروة بن مُسيك المرادي
بعث معاذ الى اليمن
إرسال عمرو بن حزم الى اليمن
الإعداد لحجّة الوداع
وصول الرسول الى مكة
حجّ علي عليه‏السلام من اليمن
خطبته بعد طوافه وسعيه
و خرج لمناسك الحج
و في المشعر الحرام
و انتهى الى منى
خطبته بمنى
خطبته في مسجد الخَيف
متى و كيف نزلت سورة المائدة ؟
الآيات الثلاثة الاُول
خبر نزول آية الولاية في مكة
الموضع و النداء و المنبر
عدد الجمع
هنئوني و سلموا على علي و له
آية الاكمال، و شعر حسّان
و سأل سائل
و كفروا بعد إسلامهم
و همّوا بما لم ينالوا
ساير آيات المائدة
و آية الوضوء
اثنا عشر نقيبا
نبأ ابني آدم
حدّ المحارب و المفسد
حدّ السارق و السارقة
أهل الكتاب و المنافقون و المرتدّون
آيتا الولاية و التبليغ و ما بينهما
لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم
تأكيد تحريم الخمر
لا تسألوا عمّا يسوؤكم
الجزية من أهل الكتاب دون الأعراب
و شهادة أهل الكتاب في السفر
رجوع الرسول الى المدينة
الإسلام و بنو حنيفة
ثم عظمت الفتنة
أخبار اليمن بعد الحج
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
 (1) سليم بن قيس 2 : 828 ، 829 ، وزاد عليه الأميني في الغدير 2 : 34 ـ 39 أكثر من عشرين مصدرا من الخاصة وأكثر من عشرة مصادر من غيرهم ، نعم لم يذكروها في ديوانه !

(2) روضة الكافي : 89 ح 75 . وعن الصادق عليه‏السلام في جامع الأخبار : 11 ، كما في بحار الأنوار 37 : 166 .

(3) الارشاد 1 : 177 وقال : انما اشترط في الدعاء له لعلمه بعاقبة أمره في الخلاف ، ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق . ونقله في الفصول المختارة : 291 .

(4) الاحتجاج 1 : 84 .

(631)

        قال النبي : الوحي من اللّه ، والسفير جبرئيل ، والمؤذن أنا ، وما آذنت إلاّ من أمر ربّي .

        قال الرجل : فأخبرني عن الصلاة والزكاة والحج والجهاد ، أمنك أم من ربّك ؟ فقال النبي مثل ما قال .

        فقال الرجل : فأخبرني عن هذا ـ وأشار الى علي عليه‏السلام ـ وقولك فيه : من كنت مولاه ... أمنك أم من ربّك ؟ فقال النبي مثل ما قال .

        فرفع المخزومي رأسه الى السماء وقال : اللهم إن كان محمد ( ! ) صادقا فيما يقول فأرسل عليّ شُواظا من نار ! وولّى ، فواللّه ما سار بعيدا حتّى أظلّته سحابة سوداء ، فأرعدت وأبرقت وأصعقت فأصابته صاعقة فأحرقته النار . فهبط جبرئيل وهو يقول : اقرأ يا محمد : « سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ »(1) .

 

وكفروا بعد إسلامهم :

        روى العياشي في تفسيره عن الصادق عليه‏السلام قال : لما قال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في غدير خم ما قال وانصرفوا الى أخبيتهم ، مرّ المقداد ( ابن الأسود الكندي ) بجماعة منهم فسمعهم يقولون : واللّه إن كنّا أصحاب كسرى وقيصر لكنّا في الخزّ والوَشْي


(1) جامع الأخبار : 11 كما عنه في بحار الأنوار 37 : 167 ، وروى نحوه فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره : 505 ح 663 ، عن الصادق عليه‏السلام عن ابن عباس واسم الرجل الحارث بن النعمان الفهري ، ولكن فيه أن ذلك كان بمكة بعد الغدير ! وروى قبله مثله عن ابن عباس بلا اشكال فيه واسم الرجل عمرو بن الحارث الفهري . وروى قبله مثله عن أبي هريرة ! في أعرابي غير مسمّى . وفي ما قدّمناه يقول : اقرأ يا محمد ... وليس نزل : سأل سائل ... وقد مرّ أ نّها مكّية . وانظر الغدير 1 : 239 ـ 247 ، عن ثلاثين مصدرا ، والمناقشة فيه وأجوبتها الى 266 ، وانظر كتاب آيات الغدير : 270 فما بعدها .

(632)

والديباج والنساجات ، وإنّا معه ( محمد ) في الاخشنَين : نأكل الخشن ونلبس الخشن ، حتى إذا دنا موته وفنيت أيامه وحضر أجله ولاّها عليّا من بعده ، أما واللّه ليعلمن !

 

        فمضى المقداد حتى أخبر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ... فجاؤوا حتى جثوا بين يديه وقالوا : يا رسول اللّه لا والذي بعثك بالحق ، والذي أكرمك بالنبوّة ما قلنا ما بلغك ، لا والذي اصطفاك على البشر . فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يحلفون باللّه ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ، وهمّوا بك يا محمد ليلة العقبة ( ما لم ينالوا ) وما نقموا إلاّ أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله .

        وروى قبله عن جابر بن الأرقم عن أخيه زيد بن الأرقم قال : كان الى جانب خبائي خباء لثلاثة نفر من قريش ، وأنا معي حذيفة بن اليمان ، فسمعنا أحدهم يقول : واللّه إن محمدا لأحمق إن كان يرى أنّ الأمر يستقيم لعلي من بعده ! وقال الآخر : ألم تعلم أ نّه كاد أن يصرع عند امرأة ابن أبي كبشة ؟ ! وقال الثالث : ادعوه مجنونا أو أحمق ، فواللّه ما يكون ما يقول أبدا !

        فرفع حذيفة جانب الخباء ومدّ رأسه إليهم وقال لهم : فعلتموها ورسول اللّه بين أظهركم ووحي اللّه ينزل عليكم ! واللّه لاُخبرنّه بمقالتكم ! فقالوا له : يا أبا عبد اللّه وإنّك لهاهنا وقد سمعت ما قلنا ؟ اكتم علينا فإنّ لكلّ جوار أمانة ؟ فقال حذيفة : ما هذا من مجالس الأمانة ولا من جوارها ، وما نصحت للّه ورسوله إن أنا طويت عنه هذا الحديث ! فقالوا له : يا أبا عبد اللّه فاصنع ما شئت ، فواللّه لنحلفنّ أ نّا لم نقل ، وأ نّك قد كذبت علينا ، أفتراه يصدّقك ويكذّبنا ونحن ثلاثة ؟ ! فقال لهم : أما أنا فلا أُبالي إذا أدّيت النصيحة للّه ولرسوله ، وقولوا أنتم مـا شئتم !

        ثمّ مضى الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخبره بمقالة القوم ، فبعث رسول اللّه عليهم فأتوه فقال لهم : ماذا قلتم ؟ قالوا : واللّه ما قلنا شيئا ، فإن كنت قد بُلّغت

(633)

عنّا شيئا فمكذوب علينا ! فهبط جبرئيل بقوله سبحانه : « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ »(1) .

 

 

وهمّوا بما لم ينالوا :

        قال القمي في تفسيره : اجتمع أربعة عشر نفرا من أصحابه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتآمروا على قتله ، وقعدوا له في عقبة هَرْشى بين الجحفة والأبواء(2) سبعة عن يمينها وسبعة عن يسارها ليُنفرّوا بناقة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

        فلما جنّ الليل تقدّم رسول اللّه العسكر في تلك الليلة ، فأقبل ينعس على ناقته فلما دنا من العقبة ناداه جبرئيل : إن فلانا وفلانا قد قعدوا لك ! فلما دنا رسول اللّه منهم ناداهم بأسمائهم ، فلما سمعوا نداء رسول اللّه فرّوا ودخلوا في غمار الناس .

        فلما نزل رسول اللّه من العقبة ، جاؤوا الى رسول اللّه فحلفوا أ نّهم لم يهمّوا بشيء من رسول اللّه . فأنزل اللّه ( كذا ) : « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ... »(3) .

        وروى السيّد ابن طاووس في « اليقين » بأسناده عن حذيفة بن اليمان : أن جمعا من الطلقاء من قريش والمنافقين من الأنصار أقبل بعضهم على بعض ... ودار


(1) تفسير العياشي 2 : 98 و 99 ، 100 ، والآية من سورة التوبة : 74 ، النازلة بعد حرب تبوك في أواخر السنة التاسعة وقبل حجة الوداع ، فهبوط جبرئيل بالآية إنما هو للتذكير بالآية لا إنزالها لأول مرة ، ولعلّ الصحيح أو الأصح ما مرّ في الخبر السابق .

(2) انظر الخريطة (40) في أطلس تاريخ الإسلام، بالفارسية، وفي القاموس : هرشى مثل سكرى.

(3) تفسير القمي 1 : 175 ومثله في الاقبال 2 : 249 عن كتاب النشر والطي ولعلّ الانزال بمعنى إنزال جبرئيل للتذكير بالآية السابقة نزولاً قبل الحج ، ولعلّ الأصحّ بل الصحيح ما مرّ عن تفسير العياشي : فقال النبي .. أي تلا الآية في المناسبة .

(634)

الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأجالوا الرأي فاتّفقوا على أن ينفروا بالنبي ناقته على عقبة هرشى ـ وقد صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف اللّه الشر عن نبيّه ـ وكانوا أربعة عشر رجلاً .

 

        وسار رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الغدير باقي يومه وليلته حتى إذا دنوا من العقبة تقدّمه القوم فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دبابا وطرحوا فيها الحصى .

        قال حذيفة : ودعاني رسول اللّه ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوق ناقته وأنا أقودها ، حتى إذا صرنا في رأس العقبة وكانت ليلة مظلمة ثار القوم من ورائنا ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة ، فذُعرت وكادت أن تنفر برسول اللّه ، فصاح بها النبي : أن اسكني وليس عليك بأس ... وتقدّم القوم الى الناقة ليدفعوها ، فأقبلت أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا ... فزالوا عنّا وأيسوا مما ظنّوا ودبّروا .

        فقلت : يا رسول اللّه ، ألا تبعث عليهم رهطا فيأتوا برؤوسهم ؟ ! فقال : إنّ اللّه أمرني أن أعرض عنهم ، وأكره أن يقول الناس إنّه دعا اُناسا من قومه وأصحابه الى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوّه ، ثم أقبل عليهم فقتلهم ! ولكن يا حذيفةدعهم فإن اللّه لهم بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلاً ثم يضطرّهم الى عذاب غليظ .

        وكان عدد القوم أربعة عشر رجلاً : تسعة من قريش منهم معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ، وخمسة من سائر الناس : أبو موسى الأشعري وأبو هريرة الدوسي وأبو طلحة الأنصاري وأوس بن الحدثان البصري والمغيرة بن شعبة الثقفي ، ثم تعاقد معهم عليه سالم مولى أبي حذيفة عبدٌ لامرأة من الأنصار شديد البغض والعداوة لعلي عليه‏السلام وقد عُرف منه ذلك .

        قال ابن اليماني : ثم انحدرنا من العقبة وقد طلع الفجر ، فنزل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فتوضأ ثم انتظر أصحابه حتى انحدروا من العقبة واجتمعوا ، فرأيتهم بين الناس ،

(635)

صلوا خلف رسول اللّه . ثم ارتحل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالناس من منزل العقبة ، فلما نزل المنزل الآخر ، وأراد المسير أتوه ، فقال لهم : فيم كنتم تتناجون في يومكم هذا ؟ فقالوا : يا رسول اللّه ، ما التقينا غير وقتنا هذا ! فنظر النبي اليهم مليا ثم قال لهم : « أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ »(1) .

 

 

ساير آيات المائدة :

        مرّ في الآية الثانية من المائدة أنّ اللّه حرّم الميتة ... فيبدو أن ممن حجّ مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عدي بن حاتم الطائي وزيد بن المهلهل الطائي ، وكان في قومهما رجلان من آل درع وآل جويرية لهما ستة أكلب يصيدان بهما حُمر الوحش وبقارها والظِباء والضبّ ، فمنها ما يُدرك ذكاته ومنها ما يموت ، وقد حرّم اللّه الميتة ! ( وكان قد حرّمها قبل ذلك كما مرّ ) فأتيا رسول اللّه وسألاه : ماذا يحلّ لنا منها ؟ فنزلت : « يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ »(2) .

        وقد مرّ الخبر : أن عدي بن حاتم كان نصرانيّا فأسلم ، وطبيعي أن ذلك لم


(1) اليقين لابن طاووس مسندا ، والعلاّمة الحلّي في كشف اليقين : 137 بطريق آخر ، والديلمي في ارشاد القلوب بلا إسناد 2 : 330 ـ 333 ، وعنه في بحار الأنوار 28 : 97 ـ 102 وليس فيه إلاّ تلاوة هذه الآية من البقرة : 140 وليس آية التوبة فضلاً عن القول بنزولها هنا ، وهذا هو الأولى .

(2) مجمع البيان 3 : 248 عن أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهيرة وأسباب النزول للواحدي : 156 ـ 157 عن سعيد بن جبير ، والدر المنثور عن الشعبي كما في الميزان 5 : 210 .

(636)

يكن حصرا عليه دون قومه من طيء بل كان كثير منهم مثله نصارى ، وطبيعي أن لم يسلم كلهم معه بل بقي العديد منهم كذلك . فبعد ما شاهد عديّ بن حاتم وزيد بن المهلهل ذلك « التشديد التام في معاشرتهم ومخالطتهم ومساسهم وولايتهم كان من الطبيعي أن لا تسكن نفوسهم من اضطراب لذلك »(1) وبالتأمّل في ذلك يظهر وجه متابعة الآية اللاحقة للسابقة : « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ » .

 

        فبعد بيان حلّية مواكلتهم ومحصناتهم أي عفيفاتهم بقيودها ، حذّرهم أن لا يسترسلوا في ذلك بما يؤدي الى الكفر بالايمان فذلك يُحبط العمل ويورث الخسران(2) .

 

وآية الوضوء :

        كما أنّ المحرّمات من اللحوم في الآية الثالثة من السورة كانت تكريرا للمرة الثالثة تأكيدا ، كذلك حكم الطهارات الثلاث : الوضوء وغسل الجنابة والتيمّم وبدلهما في الآية السادسة هنا تأكيد للآية المشابهة السابقة في سورة النساء ( : 43 ) إلاّ أ نّها أجملت الاشارة الى الوضوء وهنا فصّلت أفعاله : « ... فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... » وكان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يتخفّف أحيانا في مسح رجليه بمسح خُفيّه ،


(1) الميزان 5 : 203 .

(2) وانظر الميزان 5 : 208 .

(637)

فحين نزلت هذه الآية في المائدة « ترك المسح على الخُفّين »(1) ويكفي في مناسبة الآية كونهم على سفر وكثيرا ما لا يجدون ماءً .

 

 

اثنا عشر نقيبا :

        وفي الآية ( 12 ) يذكّر اللّه المسلمين بنقباء بني اسرائيل الاثني عشر إذ يقول : « وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبا ... » ونقل الطبرسي عن أبي مسلم المفسّر قال : بُعثوا أنبياء ليعلّموا الأسباط الاثني عشر التوراة وليقيموا لهم الدين ويأمروهم بما فرض اللّه عليهم وأمرهم به . وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكونوا رُسلاً ويجوز أن يكونوا قادة . وقال قَتادة البصري : شهداء على أقوامهم من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر(2) .

        وكأن التذكير بهم تمهيد لاعلان ميثاق الولاية في يوم الغدير ، وهي مناسبة النـزول . ثم تستمر الآيات خطابا وعتابا على أهل الكتابين اليهود والنصارى الى الآية العشرين .

 

 

يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا :

        ومن ( 20 ) الى ( 25 ) في التذكير بأمر موسى لقومه أن يدخلوا الأرض المقدسة : « قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدا مَا دَامُوا فِيهَا ... * قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » وكأن الآيات للتذكير بأن صحبة قوم موسى النبيّ من اُولي العزم له لم يورثهم عزما فقد بلاهم اللّه فلم يجد لهم عزما


(1) تفسير العياشي 1 : 302 ح 62 ، عن الصادق عن علي عليهماالسلام .

(2) مجمع البيان 3 : 265 ، وانظر الميزان 5 : 240 .

(638)

حتى قال موسى : « رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي » وقد سمع المسلمون من نبيّهم أنّ عليّا منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو اليوم يأمرهم أن يدخلوا في ولايته ، فمن الممكن للتاريخ أن يتكرّر ويقولوا كما قال قوم موسى له : « إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدا » وكأن هذا هو مناسبة التذكير بذلك هنا .

 

 

نبأ ابني آدم :

        وفي الآية ( 27 ) قال تعالى : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ... » الى آخر الآية ( 31 ) من دون إشارة الى باعث تقديمهما القربان المنتهي الى قتل قابيل لهابيل .

        وهنا روى العياشي في تفسيره عن سليمان بن خالد قال : قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه‏السلام : جُعلت فداك إنّهم يزعمون أنّ قابيل انما قتل هابيل لأ نّهما تغايرا على أُختهما ؟ فقال لي الصادق عليه‏السلام : يا سليمان ، تقول بهذا ؟ ! أما تستحي أن تروي هذا على نبي اللّه آدم ؟ ! فقلت : جُعلت فداك ، ففيم قتل قابيل هابيل ؟ فقال لي : يا سليمان ، إنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى الى آدم أن يدفع الوصيّة واسم اللّه الأعظم الى هابيل . فبلغ ذلك قابيل وكان أكبر من هابيل فغضب وقال : أنا أكبر منه فأنا أولى بكرامة الوصية ! فأمرهما بوحي اللّه إليه أن يقرّبا قربانا ، ففعلا ، فقبل اللّه قربان هابيل ، فحسده قابيل فقتله(1) .

        فكأنّ الآيات تريد التذكير بعاقبة الحسد على أمر اللّه بالوصية الإلهية من الأنبياء والمرسلين الى أوصيائهم من بعدهم ، وتلك هي مناسبة نزولها هنا في موقعة الغدير .

 


(1) تفسير العياشي 1 : 312 ح 83 .

(639)

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

آية الاكمال، و شعر حسّان :

        إنّ أقدم كتاب فيما بأيدينا مما سبق الى رواية نزول آية الإكمال في هذا المجال هو كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري ( م ق 80 ه ) عن أبي سعيد الخدري قال في حديثه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في يوم غدير خم : فلم ينزل حتى نزلت الآية : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلاَمَ دِينا » فقال رسول اللّه : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي وبولاية عليّ من بعدي(2) .



(1) الارشاد 1 : 176 . ولم أعثر على مصدر معتبر لخبر الطست وغمس ايديهن فيه .

(2) كتاب سليم بن قيس 2 : 828 ، وفي الطرائف من مذاهب الطوائف لابن طاووس : 35 ، مثله إلاّ أن فيه : فلم يتفرّقوا حتى نزلت الآية . وكذلك في المستدرك لابن بطريق الحلي ، كما عنه في بحار الأنوار 37 : 179 . ورواه الصدوق في الأمالي : 214 ، عن ابن عباس عن أبي ذر وسلمان وعمّار والمقداد قالوا : واللّه ما برحنا العرصة حتى نزلت الآية فكرّرها î؛ رسول اللّه ثلاثا ثم قال كما في بحار الأنوار 37 : 137 ، ورواه العياشي في تفسيره 1 : 292 و 293 ح 20 و 22 عن زرارة عن الباقر عليه‏السلام ، وفيه ح 21 عن الصادق عليه‏السلام : أنّ جبرئيل عليه‏السلام أتى رسول اللّه بها في عرفات يوم الجمعة ! ورواه الكوفي في تفسيره عن الباقر عليه‏السلام : 119 ح 124 و 125 وعن الصادق عليه‏السلام : 117 ح 121 و 122 و 123 وعن ابن عباس : 119 ح 126 و 127 وفيهما : بمكة في يوم عرفة يوم جمعة ! وقد مرّ محاسبة أن يوم عرفة لم يكن يوم جمعة وانما يوم الخميس ، فلو كان نزولها هناك كانت تلاوته لها يوم الغدير تفسيرا لها ، والسيوطي في الاتقان 1 : 19 ، وإن نقل عن الصحيح : عن عمر : أ نّها نزلت عام حجة الوداع عشية عرفة يوم الجمعة ، لكنّه روى عن محمد بن كعب قال : نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة ، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة : أ نّها نزلت يوم غدير خم ، وكذلك في الدر المنثور 2 : 259 ، كما في بحار الأنوار 37 : 189 و 248 . وانظر البحث في الآية عن ستة عشر مصدرا في الغدير 1 : 230 ـ 238 ، وفي كتاب آيات الغدير : 264 ـ 268 .

(629)

        فقال حسّان بن ثابت : يا رسول اللّه ، ائذن لي لأقول في عليّ أبياتا . فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : قل ، على بركة اللّه . فقال حسّان : يا مشيخة قريش ، اسمعوا قولي بشهادة من رسول اللّه :

 

 ألم تعلموا أنّ النبي محمدا  لدى دَوْح خُمٍّ حين قام مناديا
 وقد جاءه جبريل من عند ربّه  بأ نّك معصوم فلا تك وانيا
 وبلّغْهمُ ما أنزل اللّه ربّهم  وإن أنت لم تفعل وحاذرت باغيا
 عليك ، فما بلّغتهم عن إلههم  رسالته ، إن كنت تخشى الأعاديا
 فقام به إذ ذاك رافع كفّه   بيُمنى يديه معلن الصوت عاليا
 فقال لهم : من كنت مولاه منكم  وكان لقولي حافظا ليس ناسيا
 فمولاه من بعدي عليٌّ ، وإنّني  به لكمُ دون البريّة راضيا

(630)

 فياربّ مَن والى عليّا فواله  وكُن للذي عادى عليّا معاديا
 ويا ربّ فانصر ناصريه لنصرهم  إمام الهدى كالبدر يجلو الدياجيا
 ويا ربّ فاخذل خاذليه وكن لهم  إذا وقفوا يوم الحساب مكافيا(1)
        فروى الكليني في « روضة الكافي » عن الباقر عليه‏السلام قال : قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لحسّان بن ثابت : لا يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا(2) أو قال : يا حسّان لا تزال مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك(3) .

 

 

وسأل سائل :

        مرّ في خبر « الاحتجاج » عن الباقر عليه‏السلام قال : وتداكّوا على رسول اللّه وعلى علي عليهماالسلام وصافقوا بأيديهم ، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا(4) .

        وجاء مثله عن الصادق عليه‏السلام في « جامع الأخبار » قال : فلما كان بعد ثلاثة ، وجلس النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مجلسه ، أتاه رجل من بني مخزوم يُسمّى عمر بن عُتيبة فقال : يا محمد ( كذا ) أسألك عن ثلاث مسائل . فقال : سلّ عمّا بدا لك . فقال : أخبرني عن شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه ، أمنك أم من ربّك ؟

 


 
فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y10-p08.htm