فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
وفاة إبراهيم ابن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اسلام سائر العرب بنجران
اسلام بني نُمير
و قاتل خالد في البحرين
سريّة علي عليه‏السلام الى اليمن
اسلام همدان
و بنو زُبَيْد بأرض مَذحِج
من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن
وفد بني غامد من الأزد
و وفد الرهاويّين من مذحج
و فروة بن مُسيك المرادي
بعث معاذ الى اليمن
إرسال عمرو بن حزم الى اليمن
الإعداد لحجّة الوداع
وصول الرسول الى مكة
حجّ علي عليه‏السلام من اليمن
خطبته بعد طوافه وسعيه
و خرج لمناسك الحج
و في المشعر الحرام
و انتهى الى منى
خطبته بمنى
خطبته في مسجد الخَيف
متى و كيف نزلت سورة المائدة ؟
الآيات الثلاثة الاُول
خبر نزول آية الولاية في مكة
الموضع و النداء و المنبر
عدد الجمع
هنئوني و سلموا على علي و له
آية الاكمال، و شعر حسّان
و سأل سائل
و كفروا بعد إسلامهم
و همّوا بما لم ينالوا
ساير آيات المائدة
و آية الوضوء
اثنا عشر نقيبا
نبأ ابني آدم
حدّ المحارب و المفسد
حدّ السارق و السارقة
أهل الكتاب و المنافقون و المرتدّون
آيتا الولاية و التبليغ و ما بينهما
لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم
تأكيد تحريم الخمر
لا تسألوا عمّا يسوؤكم
الجزية من أهل الكتاب دون الأعراب
و شهادة أهل الكتاب في السفر
رجوع الرسول الى المدينة
الإسلام و بنو حنيفة
ثم عظمت الفتنة
أخبار اليمن بعد الحج
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

خطبته في مسجد الخَيف :

        قال القمي في تفسيره : فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل اللّه :


(1) عوانٍ هنا : جمع عانية من العَناء بمعنى التعب والمشقة .

(2) الخصال 2 : 486 . ورواها ابن اسحاق في السيرة 4 : 250 ـ 252 ، ولكنّه قال : إنها كانت في عرفات، والذي كان يصرخ بها للناس ربيعة بن اُمية بن خلف. ويلاحظ عليهما ( السيرة والخصال ) أ نّهما انّما ذكرا أحد الثقلين وأهملا الثاني ، وراجع التعليقة السابقة على مثلها في خطبة عرفات . وفي الكافي 1 : 69 الحديث 5 ، والعياشي 1 : 8 عن الصادق عليه‏السلام قال : خطب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمنى فقال ـ فيما قال ـ أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه‏ فأنا قُلته ، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه‏ فلم أقله .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1112 ـ 1113 .

(610)

« إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ »(1) فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : نُعيت إليّ نفسي . ثم نادى : الصلاة جامعة في مسجد الخيف .

 

        فلما اجتمع الناس حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « نضّر اللّه امرأً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربّ حامل فقه الى مَن هو أفقه منه ، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئٍ مسلم : اخلاص العمل للّه ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم ، والمؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمّتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم .

        أيها الناس ، إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا ولن تزلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أ نّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كاصبعتي هاتين » وجمع بين سبابتيه « ولا أقول كهاتين » وجمع بين سبابته والوسطى « فتفضل هذه على هذه »(2) .

        ثم أقام هو صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في منى حتى رمى الجمار ، ونفر الى الأبطح فأقام بها(3) . ولما نسكوا مناسكهم ، لم يكن ينقطع الدم عن أسماء بنت عميس من نفاسها بمحمد بن أبي بكر ، وقد أتى لها ثمانية عشر يوما ، فأمرها رسول اللّه أن تطوف بالبيت وتصلّي ،


(1) تفسير القمي 1 : 173 و 2 : 446 ، 447 بلا إسناد ، وجاء في صدر خبر الخصال باسناده عن ابن عمر . بينما هي السورة الثانية بعد المئة نزولاً قبل النور والحج وعشرة اُخرى ، وليست بعد البراءة ، وقد مرّ المختار عن مجمع البيان وغيره أنها نزلت بالمدينة ، وفيها بشارة من اللّه لنبيّه بالنصر والفتح قبل وقوعه .

(2) المصدر السابق بلا إسناد ، وأسندها النعماني في الغيبة : 27 ، 28 بأربعة طرق عن الأئمة الثلاثة : السجاد والباقر والصادق عليهم‏السلام ، والكليني في الكافي 1 : 403 عن الصادق عليه‏السلام ، وكذلك‏الصدوق في الخصال 1 : 149 والمفيد في أماليه 2 : 186 ، 187 بطريق آخر .

(3) بحار الأنوار 21 : 393 ، عن فروع الكافي 1 : 234 .

(611)

ففعلت ذلك(1)، وكذلك حجت عائشة بعد حيضها من دون أن تعتمر ، ولكنّها لم تكتف بذلك بل قالت له : يا رسول اللّه ، أترجع نساؤك بحجة وعمرة معا ، وأرجع بحجة ؟ !

 

        فبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر الى التنعيم ، فأهلّت بعمرة ، فطافت بالبيت وصلّت ركعتين عند مقام إ براهيم عليه‏السلام ، ثم سعت بين الصفا والمروة ( وقصّرت ) وأتت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فارتحل من يومه ، وخرج من ذي طوى من أسفل مكة(2) .

        فكان إذا علا مرتفعا من الأرض رفع صوته بالتكبير ثلاثا ثم قال : « لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حيّ لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون ، ساجدون عابدون ، لربّنا حامدون ، صدق اللّه وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، اللهم إنّا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال ، اللهمّ بَلّغنا بلاغا صالحا ، نبلغ ( به ) الى خير مغفرة ورضوان »(3) .

 

 

متى وكيف نزلت سورة المائدة ؟

        « لم يختلف أهل النقل أ نّها آخر سورة مطوّلة نزلت على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في أواخر حياته »(4) .



(1) بحار الأنوار 21 : 379 ، عن فروع الكافي 1 : 289 .

(2) بحـار الأنـوار 21 : 393 ، عن فـروع الكافي 1 : 234 . وفـي البداية والنهاية 5 : 207 : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بات في المحصّب ، وعند السحر أمرهم بالرحيل فدخل مكة وطاف طواف الوداع ، ثم اتّجه الى المدينة .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1114. ثم لم يذكر أي خبر عن رجوعه الى المدينة ، فلا الغدير ، ولا حتى الخطبة في منزل جحفة قرب الغدير في الثقلين ، والذي ذكره خطأ في عمرة الحديبية 2 : 579 .

(4) الميزان 5 : 157 .

(612)

        وروى العياشي في تفسيره عن علي عليه‏السلام قال : كان من آخر ما نزل على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سورة المائدة ، لقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء ، وثقُل عليه الوحي حتى وقفت وتدلّى بطنها حتى رأيت سُرّتها تكاد تمس الأرض ، واُغمي على رسول اللّه حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجُمحي(1) ، ثم رفع ذلك عن رسول اللّه فقرأ علينا سورة المائدة(2) .

 

        وروى فيه عن الباقر عن علي عليهماالسلام قال : نزلت المائدة قبل أن يُقبض النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بثلاثة أشهر(3) .

 

        وهذا الخبر من جانب يقتضي أن يكون وفاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، ومن جانب آخر يقتضي نزول سورة المائدة أو أوائلها في الثاني عشر من شهر ذي الحجّة الحرام بمنى ، فهل كان كذلك ؟

 

        وإذا كان كذلك فمن الطبيعي المتوقّع أن تكون السورة أو أكثرها أو كثير من آياتها حول الحج والعمرة ، وآياتها مئة وعشرون ، لا يناسب مناسك الحج والعمرة منها سوى ثماني آيات : آيتان في أوّلها ثم من الرابعة والتسعين الى المئة فقط !


(1) لم نجده في أعلام الرجال والتاريخ إلاّ هنا فقط !

(2) تفسير العياشي 1 : 288 ح 2 .

(3) تفسير العياشي 1 : 288 ح 1 ، وفيه : بشهرين أو ثلاثة ، ولكن الترديد من الإمام المعصوم بعيد جدا ، والأقرب أ نّه من الراوي : زرارة بن أعين ، ولا يستقيم الشهران ، والثلاثة تقتضي من جانب أن يكون نزول السورة أو أوائلها في منى في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة ، ومن جانب آخر أن يكون يوم وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما عليه عامة المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأوّل ، هذا إذا كان التحديد دقيقا وليس تقريبيا ، وسيأتي البحث عنه .

        وروى الطبرسي في مجمع البيان 3 : 231 عن العياشي ـ وليس في تفسيره ـ عن الصادق عليه‏السلام قال : نزلت المائدة كُملاً ومعها سبعون ألف ملك !

(613)

        ولهذا نظر الطباطبائي الى زمان نزول السورة من زاوية اُخرى هي أ نّها : نزلت على رسول اللّه في أواخر أيام حياته ، وقال : فالمناسب لذلك تأكيد الوصية بحفظ المواثيق المأخوذة للّه تعالى على عباده ، والتثبّت فيها ، فما يفيده التدبّر في عامة آياتها ، وفي الأحكام والقصص والمواعظ بها : أن الغرض الجامع في السورة هو الدعوة الى الوفاء بالعهود وحفظ المواثيق الحقة كائنة ما كانت ، والتحذير البالغ عن نقضها وعدم الاعتناء بأمرها ، وأنّ عادته تعالى جرت بالرحمة والتخفيف والتسهيل لمن اتقى وآمن ثم اتقى وأحسن ، وبالتشديد على من بغى واعتدى وطغى بالخروج عن ربقة العهد بالطاعة ، وتعدّى حدود المواثيق المأخوذة عليه في الدين ، فهي لهذا تشتمل على نبأ ابني آدم في قربانهما المتقي والطاغي ، والاشارة الى كثير من مظالم بني اسرائيل ونقضهم المواثيق المأخوذة منهم ، وسؤالهم المسيح المائدة ثم عدم الوفاء بمقتضاها ، وعلى كثير من الآيات التي يمتن اللّه بها على عباده من تحليل الطاهر وتشريع ما يطهّر بلا عسر ولا حرج ، ومن إكمال الدين واتمام النعمة(1) .

 

الآيات الثلاثة الاُول :

        مرَّ أن الآية الاُولى والثانية تناسب مناسك الحج فهما : « يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الاْءَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » .


(1) الميزان 5 : 157 بتصرف .

(614)

        وإذ وعد اللّه الحق في الآية الفاتحة أن يتلو عليهم ما يستثنيه من حلّ بهيمة الانعام ، وفى بهذا في الآية الثالثة إذ قال : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ ... فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .

        والمحرّمات الأربعة المذكورة في صدر هذه الآية ذُكرت هنا مكرّرا للمرة الرابعة : الاُولى في الآية ( 14 ) من الأنعام الخامسة والخمسين نزولاً ، والآية ( 115 ) من النحل السبعين نزولاً والآية ( 173 ) من البقرة السابعة والثمانين نزولاً ، وتماثلها حتى في ذيلها : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » فالآية لا تشتمل من المحرّمات على جديد ، إلاّ قوله هنا : « وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُع ... وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ... » فهي وإن ذُكرت لأول مرة هنا في هذه الآية لكنّها هي جميعا مصاديق الميتة .

 

فأين إكمال الدين ويأس الكفّار منه ؟

        وإذا تأمّلنا صدر الآية « ذلِكُمْ فِسْقٌ ... » ثم ذيلها : « فَمَنِ اضْطُرَّ غير باغٍ ... فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » وجدناها كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه وإفادة المراد منه على شيء مما جاء في وسط الآية : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلاَمَ دِينا » .

        وينتج من ذلك أنّ هذا كلام معترض موضوع في وسط تلك الآية ، غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها وبيانها ، سواء قلنا إنّ الآية نازلة في وسط الآية

(615)

فتخلّلت بينها من أول ما اُنزلت ، أو قلنا إنّها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها نزولاً ، أو قلنا إن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو الذي أمر كتّاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع انفصال الآيتين واختلافهما نزولاً ، كما روى ذلك السيوطي في « الدر المنثور » عن الشعبي قال: نزل على النبي هذه الآية « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...» وهو بعرفة ، وكان إذا أعجبته آيات جعلهنّ في صدر السورة(1) .

 

        وقد عرفنا أن يوم عرفة كان يوم السبت بحسب الحساب السابق ، ليس يوم الخميس ولا الجمعة كما عليه الجمهور رواية عن عمر بن الخطاب جوابا لليهودي(2) .

 

 

خبر نزول آية الولاية في مكة :

        نقل ابن طاووس عن كتاب « النشر والطيّ » عن حذيفة بن اليمان قال : كنّا مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذ وافى علي عليه‏السلام من اليمن الى مكة ، ثم توجّه علي عليه‏السلام يوما يصلّي الى الكعبة ، فلما ركع أتاه سائل فتصدّق عليه بحلقة خاتمه ، فكبّر رسول اللّه وقرأ علينا


(1) الميزان 5 : 163 ـ 168 بتصرّف وتلخيص ، والخبر عن الدر المنثور 2 : 258 ، 259 . وانظر كلاما للطباطبائي فيما يأتي .

(2) انظر البحث في ذلك في كتاب آيات الغدير : 264 ـ 268 وعليه يُحمل ما نُقل في تفسير الكوفي عن الباقر عليه‏السلام قال : نزل جبرئيل عليه‏السلام على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم الجمعة بعرفات بقوله سبحانه : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلاَمَ دِينا » كما في تفسير فرات الكوفي : 497 ح 652 ، وكذلك ما رواه العياشي في تفسيره عن الصادق عليه‏السلام قال : نزل رسول اللّه يوم الجمعة في عرفات فأتاه جبرئيل بقوله سبحانه : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاْءِسْلاَمَ دِينا » كما في تفسير العياشي 1 : 293 .

(616)

ما أنزل اللّه تعالى في ذلك من قوله سبحانه : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ »(1) ثم قال : قوموا نطلب هذه الصفة التي وصف اللّه . فلما دخل رسول اللّه المسجد استقبله سائل ، فسأله النبي : من أين جئت ؟ قال : من عند هذا المصلّي تصدّق عليّ بهذه الحلقة وهو راكع ، فكبّر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومضى نحو علي عليه‏السلام فقال له : يا علي ما أحدثت اليوم من خير ؟ فأخبره خبره ، فكبّر للمرّة الثالثة(2) .

 

        وقال الحلبي : روي أ نّه لما نزل « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ » اُمر النبي أن ينادي بولاية علي عليه‏السلام فضاق بذلك ذرعا(3) .

 

        وعن العياشي عن زيد بن أرقم قال : إن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دعا قوما أنا فيهم فقال لنا : إنّ الروح الأمين جبرئيل عليه‏السلام نزل عليه بولاية علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، فاستشارنا في ذلك ليقوم به في الموسم ، فلم ندر ما نقول له ، فلما رجعنا ونزلنا الجحفة وضربنا أخبيتنا ، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا رسول اللّه ينادي :

 

        أيها الناس ، أنا رسول اللّه فأجيبوا داعي اللّه ، فأتيناه مسرعين وذلك في شدة الحرّ ، ثم قال : يا أيها الناس ، إنه نزل عليّ عشيّة عرفة أمر ضِقتُ به ذرعا مخافة تكذيب أهل الافك ، حتى جاءني في هذا الموضع وعيد من ربّي إن لم أفعل ، وذلك قوله سبحانه : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... »(4) .



(1) المائدة : 55 .                    (2) الاقبال 2 : 242 .

 

(2) مناقب آل أبي طالب 3 : 33 ، ولعلّ منه ما رواه العياشي في تفسيره عن عمّار بن ياسر أ نّه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قرأها علينا ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه 1 : 327 .

(3) عنه في بحار الأنوار 37 : 151 ، 153 ، لم نجده في تفسير المنثور ، ونقله المحقق عن البرهان 2 : 145 .

(617)

        وروى الطبرسي في « الاحتجاج » بسنده عن الطوسي عن الباقر عليه‏السلام قال : لما وقف رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالموقف أتاه جبرئيل عن اللّه تعالى فقال له : يا محمد ، إنّ اللّه عزّ وجل يقرئك السلام ويقول لك : إنه قد دنا أجلك ومُدّتك ، وأنا مستقدمك على ما لا بدّ منه ولا محيص عنه ، فاعهد عهدك وقدّم وصيّتك ، واعمد الى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك ، والسلاح والتابوت ( كذا ؟ ) وجميع ما عندك من آيات الأنبياء ، فسلّمه الى وصيّك وخليفتك من بعدك ، حجتي البالغة على خلقي : علي بن أبي طالب ، فأقمه للناس علما ، وجدّد عهده وميثاقه وبيعته ، وذكّرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم ، وعهدي الذي عهدت اليهم : من ولاية وليي ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة : علي بن أبي طالب ، فإنّي لم أقبض نبيّا من الأنبياء إلاّ من بعد إكمال ديني وحجّتي وإتمام نعمتي بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي ، وذلك كمال توحيدي وديني وتمام نعمتي على خلقي باتّباع وليّي وطاعته وذلك أني لا أترك أرضي بغير وليّ ولا قيم ، ليكون حجة لي على خلقي ، فأقم ـ يا محمد ـ عليا علما ، وخذ عليهم البيعة ، وجدّد عهدي وميثاقي لهم الذي واثقتهم عليه ، فإني قابضك إليّ ومستقدمك عليّ .

 

        قال الباقر عليه‏السلام : فخشي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من قومه ، وأهل النفاق والشِقاق أن يتفرّقوا ويرجعوا الى الجاهلية ، لما عرف من عداوات وما تنطوي عليه أنفسهم من العداوة والبغضاء لعلي عليه‏السلام . فسأل جبرئيل أن يسأل ربّه له العصمة من الناس ، وأخّر ذلك وانتظر أن يأتيه جبرئيل عن اللّه جلّ اسمه بالعصمة من الناس ، الى أن بلغ مسجد الخيف .

        فأتاه جبرئيل عليه‏السلام في مسجد الخيف فأمره أن يعهد عهده ويقيم عليا علما للناس يهتدون به من دون أن يأتيه بالعصمة من اللّه جلّ جلاله بالذي أراد .

(618)

        حتى بلغ موضع كُراع الغميم فأتاه جبرئيل بالذي أتاه فيه من قبل اللّه ولم يأته بالعصمة ، فرحل ، فلما بلغ غدير خم أتاه جبرئيل عليه‏السلام على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والعصمة من الناس : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... »(1) .

        وروى العياشي عن الصادق عليه‏السلام قال : كانت ولاية علي عليه‏السلام قد نزلت بمنى ، وامتنع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من القيام بها ، لمكان الناس ، ورجع من مكة وقد شيّعه خمسة آلاف من أهل مكة(2) ، فلما انتهى الى الجُحفة نزل جبرئيل عليه‏السلام فقال : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... » أي مما كرهت بمنى .

 

        وبمعناه ما رواه قبله عن أبيه الباقر عليه‏السلام قال : نزل جبرئيل عليه‏السلام على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بإعلان أمر علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، فلم يأخذ بيده فرَقا من الناس ومكث ثلاثا حتى أتى الجحفة ، فلما نزل المهيعة من الجحفة يوم الغدير نادى : الصلاة جامعة(3) .



(1) الاحتجاج 1 : 69 ، 70 وعليه يحمل ما في كشف اليقين عن كتاب ابن أبي الثلج البغدادي عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ اللّه أنزل على نبيّه بكُراع الغميم : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَـا أُنـزِلَ إِلَيْكَ مِـنْ رَبِّكَ ... » في علي ، أي بدون ذكـر العصمة . بحـار الأنـوار 37 : 137 . وبه يصحّح ما رواه القمي في تفسيره عن الصادق عليه‏السلام عن أبيه الباقر عليه‏السلام : أ نّه نزل في كُراع الغميم : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... » .

(2) هذا بعد أن قال : تبعه من أهل المدينة خمسة آلاف ، فكان له عشرة آلاف شاهد . وأشار اليه الحلبي في المناقب 3 : 35 وسيأتي البحث في عدد الجمع .

(3) تفسير العياشي 1 : 332 ح 154 و 153 .

(619)

        وفي « جامع الأخبار » بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : لما انصرف رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من حجة الوداع ، جاءه جبرئيل في الطريق وقرأ عليه هذه الآية : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... » فقال رسول اللّه : يا جبرئيل إنّ الناس حديثو عهد بالإسلام ، فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا . فعرج جبرئيل .

 

        ونزل عليه‏السلام في اليوم الثاني ورسول اللّه نازل بالغدير ( كذا ) فقال له : يا محمد « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ ... » فقال له : يا جبرئيل ، أخشى من أصحابي أن يخالفوني ! فعرج جبرئيل .

        ونزل عليه في اليوم الثالث ورسول اللّه بالغدير وقال له : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... » فلما سمع رسول اللّه هذه المقالة قال للناس : واللّه ما أبرح هذا المكان حتى أُبلّغ رسالة ربّي(1) .

        وهنا كلام آخر للعلاّمة الطباطبائي قال فيه : غير أن ها هنا أمرا يجب التنبّه له ، وهو أن التدبّر في الآيتين الكريمتين الثالثة : « اليوم أكملت لكم دينكم » والسابعة والستين : « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » والأحاديث فيهما من طرق الفريقين ، وأخبار الغدير المتواترة ، ودراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخلية في أواخر عهد رسول اللّه والبحث العميق فيها ، يفيد القطع بأن : أمر الولاية كان نازلاً قبل يوم الغدير بأيام ، وكان النبي يتّقي الناس في إظهاره يخاف أن لا يتلقوه بالقبول ، أو يسيئوا القصد اليه فيختلّ أمر الدعوة ، فكان لا يزال يؤخّر تبليغه الناس من يوم الى غد حتى نزلت الآية ( 67 ) فأنجزه .

 


(1) جامع الأخبار : 10 ـ 13 ، وعنه في بحار الأنوار 37 : 165 ، 166 ح 44 .

(620)

        وعلى هذا ، فمن الجائز أن يكون اللّه قد أنزل معظم السورة وفيها أمر الولاية يوم عرفة ( أو عشيّتها ) وتلاها النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولكن أخّر بيان الولاية الى الغدير ، فلا يبعد أن يكون ما اشتمل عليه بعض الأخبار من نزولها يوم الغدير انّما لتلاوته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الآية بعد تبليغ أمر الولاية لبيان شأن نزولها ، فقيل : إنها نزلت يؤمئذٍ . وعليه فلا تنافي بين الفريقين من الأخبار(1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y10-p06.htm