فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
وفاة إبراهيم ابن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اسلام سائر العرب بنجران
اسلام بني نُمير
و قاتل خالد في البحرين
سريّة علي عليه‏السلام الى اليمن
اسلام همدان
و بنو زُبَيْد بأرض مَذحِج
من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن
وفد بني غامد من الأزد
و وفد الرهاويّين من مذحج
و فروة بن مُسيك المرادي
بعث معاذ الى اليمن
إرسال عمرو بن حزم الى اليمن
الإعداد لحجّة الوداع
وصول الرسول الى مكة
حجّ علي عليه‏السلام من اليمن
خطبته بعد طوافه وسعيه
و خرج لمناسك الحج
و في المشعر الحرام
و انتهى الى منى
خطبته بمنى
خطبته في مسجد الخَيف
متى و كيف نزلت سورة المائدة ؟
الآيات الثلاثة الاُول
خبر نزول آية الولاية في مكة
الموضع و النداء و المنبر
عدد الجمع
هنئوني و سلموا على علي و له
آية الاكمال، و شعر حسّان
و سأل سائل
و كفروا بعد إسلامهم
و همّوا بما لم ينالوا
ساير آيات المائدة
و آية الوضوء
اثنا عشر نقيبا
نبأ ابني آدم
حدّ المحارب و المفسد
حدّ السارق و السارقة
أهل الكتاب و المنافقون و المرتدّون
آيتا الولاية و التبليغ و ما بينهما
لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم
تأكيد تحريم الخمر
لا تسألوا عمّا يسوؤكم
الجزية من أهل الكتاب دون الأعراب
و شهادة أهل الكتاب في السفر
رجوع الرسول الى المدينة
الإسلام و بنو حنيفة
ثم عظمت الفتنة
أخبار اليمن بعد الحج
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وصول الرسول الى مكة :

        وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم الاثنين في مرّ الظّهْران فلم يبرح منها حتى غربت الشمس فرحل إلى الثنيتين : كُدى وكداء ، فصلى المغرب والعشاء وتعشى وبات بينهما(1) وكان ذلك في آخر اليوم الرابع من ذي الحجة(2) فلما أصبح اغتسل ودخل مكة نهارا(3) وذلك من العقبة في أعلاها ( كُدى الى الابطح ) فلما انتهى الى باب المسجد ـ باب بني شيبة ـ استقبل الكعبة فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على أبيه إ بـراهيم(4) ، ثم دخل بناقته العضباء واستلم الركن ( الحجر الأسود ) بمحجنه ( عصا قصيرة معوجة الرأس ) وقبّل المحجن(5) ثم طاف بالبيت سبعة أشواط ثم صلّى ركعتين خلف مقام إ براهيم عليه‏السلام (6) قرأ في الاُولى بعد الفاتحة سورة الكافرون ، وفي الثانية التوحيد(7) ثم دخل زمزم ( كذا ) فشرب منه ثم استقبل الكعبة وقال : اللهم إني


(1) مغازي الواقدي 2 : 1097 .

(2) بحار الأنوار 21 : 390 ، عن فروع الكافي 4 : 245 ، وكذلك فيه 21 : 395 ، عن فروع الكافي 1 : 234 ، وفيه 21 : 389 ، عن السرائر عن ابن محبوب . بل هو كالكافي عن معاوية بن عمار 3 : 551 .                                    (3) مغازي الواقدي 2 : 1097 .

 

(3) بحار الأنوار 21 : 396 ، عن فروع الكافي 4 : 249 ، الحديث 7 ، ومغازي الواقدي 2 : 1097 ، وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابةً وبرّا .

(4) المصدر السابق 21 : 402 عن فروع الكافي 1 : 283 ، ومغازي الواقدي 2 : 1098 وقال باسم اللّه واللّه أكبر .

(5) المصدر السابق 21 : 390 ، عن فروع الكافي 1 : 223 و 21 : 395 ، عن فروع الكافي 1 : 234 و 21 : 367 ، عن فروع الكافي 1 : 234 .

(6) المصدر السابق 21 : 404 ، ما في صحيح مسلم 4 : 36 عن الصادق عن الباقر عليهماالسلام وفي مغازي الواقدي 2 : 1098 : ثم عاد الى الركن فاستلمه .

(591)

اسألك علما نافعا ورزقا واسعا ، وشفاءً من كل داء وسقم . ثم رجع الى الحجر الأسود ليستلمه وقال لاصحابه : ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر ، ثم استلمه فخرج الى الصفا وقال لأصحابه : ابدؤوا بما بدأ به اللّه تعالى إذ قال : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه‏ِ » حتى صعد على الصفا فقام عليه(1) واستقبل القبلة فوحّد اللّه وكبّره قال : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلاّ اللّه وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . قال مثل هذا ثلاث مرّات ، ودعا بين ذلك ، ثم نزل الى بطن الوادي ومشى حتى صعد الى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا(2) .

 

        وفي « الكافي » عن الصادق عليه‏السلام قال : كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يلبّي كلما علا أكمةً أو هبط واديا أو لقي راكبا ، وفي آخر الليل ، وفي أدبار الصلوات(3) .

 

        وكان الذي يُرحّل لرسول اللّه معمّر بن عبد اللّه العدوي ، فقال له رسول اللّه ذات ليلة : يا معمّر ، إن الرحل لمسترخ الليلة ، فقال معمّر : بأبي أنت وأمّي لقد شددته كما كنت أشدّه ، ولكن بعض من يحسدني على مكاني منك أراد أن تستبدل بي ! فقال : ما كنت لأفعل ذلك(4) .

 

 

حجّ علي عليه‏السلام من اليمن :

        وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد كاتب عليّا عليه‏السلام بالتوجّه الى الحجّ من اليمن ، ولم يذكر له نوع الحجّ الذي قد عزم عليه ، فخرج أمير المؤمنين بمن معه من العسكر الذي صحبه الى


(1) المصدر السابق 21: 396، عن فروع الكافي 4: 249، ح 7، ومغازي الواقدي 2: 1098.

(2) المصدر السابق 21 : 404 ، ما في صحيح مسلم 4 : 36 ، ومغازي الواقدي 2 : 1099 .

(3) بحار الأنوار 21 : 396 ، عن فروع الكافي 4 : 249 ، ح 7 .

(4) المصدر السابق 21 : 400 ، عن فروع الكافي 1 : 235 .

(592)

اليمن ، وساق معه أربعا وثلاثين بدنة هدْيا ، ومعه الحُلل(1) ولما بلغ يَلمْلَم عقد نيّته بنيّة النبي وقال : اللهم إهلالاً كإهلال نبيّك .

 

        فلما قارب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين عليه‏السلام من طريق اليمن ، ( فلما كان بالفُتق قرب الطائف خلّف على أصحابه أبا رافع القبطي(2) ) وتقدمهم للقاء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فأدركه وقد أشرف على مكة ، فسلّم وأخبره بما صنع وأنه سارع للقائه قبل الجيش .

        فسُرّ رسول اللّه بذلك وابتهج بلقائه وكان محُرما فسأله : بمَ أهللت يا علي ؟ فقال عليه‏السلام : يا رسول اللّه ، إنك لم تكتب اليّ بإهلالك ولا عرفتنيه ، فعقدت نيّتي بنيّتك وقلت : اللهم إهلالاً كإهلال نبيّك . وسُقت معي من البدن أربعا وثلاثين بدنة .

        فقال رسول اللّه : اللّه أكبر ، فقد سُقت أنا ستا وستين ، وأنت شريكي في حجي ومناسكي وهدْيي ، فأقم على إحرامك ، وعُد الى جيشك ، فعجّل بهم إليّ حتى نجتمع بمكة إن شاء اللّه .

        فودّعه أمير المؤمنين عليه‏السلام وعاد الى جيشه . فوجدهم ( عند السدرة داخلين مكة(3) ) قد لبسوا الحُلل التي كانت معهم ، فقال للذي استخلفه عليهم ( أبي رافع ) : ويلك ما دعاك الى أن تعطيهم الحُلل قبل أن ندفعها الى النبي ولم أكن أذنت لك في ذلك ؟ فقال الرجل : سألوني أن يتجمّلوا بها ويُحرموا فيها ثمّ يردّونها علي .

        فانتزعها أمير المؤمنين عليه‏السلام من القوم وشدّها في الأعدال(4) .



(1) قال الواقدي: إنها كانت خمس الغنائم، وقال المفيد: كانت جزية نصارى نجران. وهو الحق.

(2) مغازي الواقدي 2 : 1080 .

(3) المصدر السابق 2 : 1081 .

(4) الأعدال : جمع عدل ، أحد جانبي حمل الحيوان . الارشاد 1 : 172 ، 173 ، ورواه ابن إسحاق في السيرة 4 : 250 إلاّ أ نّه قال : فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم .

(593)

 

خطبته بعد طوافه وسعيه :

        روى الكليني بسنده عن الصادق عليه‏السلام : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما فرغ من سعيه وهو على المروة أقبل على الناس بوجهه .

        فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن هذا جبرئيل ـ وأومأ بيده الى خلفه ـ يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يُحلّ ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم ، ولكنّي سُقت الهدي ، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل « حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ » .

        فقال رجل من القوم : أنخرجنّ حجاجا ورؤوسنا وشعورنا تقطر ؟ ! ( يعني من غسل الجنابة ) . فقال له رسول اللّه : أما إنك لن تؤمن بهذا أبدا ! فقال سُراقة بن مالك الكناني : يا رسول اللّه ، علّمنا ديننا كأ نّنا خلقنا اليوم ؛ فهذا الذي أمرتنا به ألِعامنا هذا ؟ أم لما يستقبل ؟ فقال له رسول اللّه : بل هو للأبد الى يوم القيامة ، وشبّك أصابعه وقال : دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة(1) .

        ثم أمر مناديه فنادى : من لم يَسُقْ منكم هدْيا فليُحلّ وليجعلها عمرة ، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه . فأطاع بعض الناس في ذلك وخالف بعض ، فأنكر رسول اللّه على من خالف في ذلك وقال : لولا اني سقت الهدْي لأحللت وجعلتها عمرة ، فمن لم يَسُقْ هدْيا فليُحلّ . فرجع قوم وأقام آخرون على الخلاف ، وقال بعضهم : إنّ رسول اللّه أشعث أغبر ونلبس الثياب ونقرب النساء ونُدْهِن ؟ !


(1) بحار الأنوار 21 : 391 ، عن فروع الكافي 4 : 245 ، 246 ، الحديث 4 . وفيه 21 : 395 ، عن فروع الكافي 4 : 246 ، الحديث 5 ، وفيه 21 : 404 ، ما في صحيح مسلم 4 : 36 عن الصادق عن الباقر عن جابر ، ولفظه : فمن كان منكم ليس معه هدْي فليُحلّ وليجعلها عمرة . ونقلها المجلسي عن المنتقى للكازروني .

(594)

وقال آخرون : أما تستحيون أن تخرجوا ورؤوسكم تقطر من الغسل ورسول اللّه على إحرامه ؟ !

 

        وكان فيمن أقام على الخلاف للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عمر بن الخطاب ، فاستدعاه رسول اللّه وقال له : مالي أراك يا عمر محرما أسقت هديا ؟ ! قال : لم أسق ! قال : فلِمَ لا تحل وقد أمرت من لم يسق الهدي بالاحلال ؟ فقال : يا رسول اللّه ، واللّه لا أحللت وأنت محرم ! فقال له النبي : إنك لن تؤمن بها حتى تموت(1) .

        وروى ابن اسحاق بسنده عن عائشة قالت : أمر الناس أن يحلوا بعمرة الاّ من ساق الهدي ... فحلّ كل من لا هدي معه وحل نساؤه ، وروى بسنده عن حفصة بنت عمر قالت : وأمر رسول اللّه نساءه أن يحللن بعمرة ، فقلن له : يا رسول اللّه فما يمنعك أن تحلّ معنا ؟ ! فقال : إني أهديت ولَبّدْت(2) فلا اُحل حتى أنحر هديي(3) .

 

        ثمّ لم ينزل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمكة ، فقالت له اُم هانئ بنت أبي طالب : يا رسول اللّه ، ألا تنزل في بيوت مكة ؟ فأبى(4) وخرج منها الى الأبطح بين مكة ومنى فنزل بها هو وأصحابه ، حتى يوم التروية(5) أي بقية يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة(6) .

 



(1) الارشاد 1 : 173، 174. وانظر الغدير 6: 198 ـ 218 ومعالم المدرستين 2: 188 ـ 232 .

(2) كان الحجّاج إذا كان يطول مكثهم في إحرامهم يلبّدون شعور رؤوسهم بشيء من الصمغ أو الخطمي ( طين طيب الرائحة ) عن الغبار والشعث والقمل .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 248 و 249 ، ورواه الواقدي في المغازي 2 : 1092 . وفيه قال : لما قدم مكة صلى بهم رسول اللّه ركعتين ثم قال : يا أهل مكة أتمّوا صلاتكم فإن سَفْراي مسافرون .

(4) مغازي الواقدي 2 : 1100 .

(5) المصدر الأسبق 21 : 392 ، عن فروع الكافي 1 : 233 .

(6) مغازي الواقدي 2 : 1100 .

(595)

        وقدم علي عليه‏السلام من اليمن فطاف وصلى وسعى ( ولم يقصر ) والتقى بالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ورآه كذلك لم يقصّر ، ثم دخل على فاطمة وهي لم تسُق هدْيا فأحلّت كما أمر رسول اللّه ، فوجد عليها ثيابا مصبوغة ووجد ريحا طيّبا ، فقال لها : ما هذا يا فاطمة ؟ فقالت : بهذا أمرنا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        فخرج علي عليه‏السلام الى رسول اللّه مستفتيا فقال : يا رسول اللّه ، إني وجدت فاطمة قد أحلت وعليها ثياب مصبوغة ؟ ! فقال له رسول اللّه : أنا أمرت الناس بذلك ، وأنت قرّ على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي(1) .

        ورواه ابن اسحاق وزاد : أن جيش علي عليه‏السلام أظهر الشكوى منه لما صنع بهم فروى بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : فقام رسول اللّه فينا خطيبا فسمعته يقول : أيها الناس ، لا تشكوا عليّا ، فواللّه انه لأحسن في سبيل اللّه من أن يشكى(2) .

 

        ورواه الواقدي عن أبي سعيد الخدري وكان معه في تلك الغزوة قال : إنهم لما قدموا على رسول اللّه شكوه إليه ، فدعا عليّا فقال له : ما لأصحابك يشكونك ؟ فقال : قسمت عليهم ما غنموا وحبست الخمس حتى يُقدم عليك وترى رأيك فيه ، وقد كان الاُمراء ينفِّلون من الخمس من أرادوا ، فرأيت أن أحمله اليك لترى رأيك فيه . قال : فسكت النبي(3) .

 



(1) المصدر الأسبق 21 : 391 ، عن فروع الكافي 1 : 233 ، وفيه 21 : 396 ، عن السابق 1 : 234 ، وفيه 21 : 383 ، عن أمالي الطوسي مختصرا ، وفيه 21 : 404 عن المنتقى ، وهو في صحيح مسلم 4 : 36 ، عن الصادق عن الباقر عن جابر . وابن اسحاق في السيرة 4 : 249 ، عن عبد اللّه بن نجيح وفي مغازي الواقدي 3 : 1087 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 250 .

(3) مغازي الواقدي 3 : 1081 هكذا بتر الخبر .

(596)

        وزاد المفيد : ثم أمر مناديه فنادى في الناس : ارفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنه خشن في ذات اللّه عزّ وجل ، غير مداهن في دينه(1) .

 

        ويبدو أن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد كسا الكعبة بتلك الحبرات من برود وكانت الكعبة على عهده ثمانية عشر ذراعا(2) أي نحوا من تسعة أمتار ، فأصبح ذلك سنّة من بعده .

 

        ومكث النبي في بطحاء مكة يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وهو يوم التروية(3) .

 

 

وخرج لمناسك الحج :

        روى الكليني بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : لما كان زوال الشمس من يوم التروية أمر رسول اللّه الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ . ثم خرج النبيّ وأصحابه مهلّين بالحج ملبّين حتى أتى منى فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر(4) ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ، ثم أمر أن تضرب له قبّة من شعر بنمرة من موقف عرفات ، ثم سار رسول اللّه(5) ولم يأخذ بين المأزمين بل أخذ طريق ضبّ الى عرفات(6) .



(1) الارشاد 1 : 173 .

(2) مغازي الواقدي 3 : 110 .

(3) المصدر السابق .

(4) بحار الأنوار 21 : 392 عن فروع الكافي 1 : 233 . ومغازي الواقدي 2 : 1101 وقال : ونزل بموضع دار الامارة اليوم .

(5) المصدر السابق 21 : 405 عن المنتقى وهو في صحيح مسلم 4 : 36 ، عن الصادق عن الباقر عن جابر . وفي مغازي الواقدي 2 : 1101 .

(6) المصدر السابق 21 : 395 عن فروع الكافي 1 : 234 .

(597)

        وكانت قريش تُفيض من طريق المزدلفة ويمنعون الناس أن يفيضوا منها ، فكانوا يرجون أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون ... وقال اللّه تعالى : « ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا اللّه »(1) .

 

        وفي خبر جابر الأنصاري : أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام ولا تجوزه ، فلم تكن تشك في ذلك منه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فأجاز رسول اللّه حتى أتى عرفة(2) فلما رأت قريش أن قبّة رسول اللّه مضت كأ نّه دخل في أنفسهم شيء من ذلك .

 

        وانتهى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى نمرة بحيال شجر الأراك من بطن عُرنة من عَرفة(3) فوجد قبته قد ضربت هناك فنزل بها حتى زاغت الشمس .

        فلمّا زاغت الشمس أمر بناقته القصواء فرُحِّلت له(4) فخرج وقد اغتسل(5) فقال : أيها الناس ، إن اللّه باهى بكم في هذا اليوم ليغفر لكم عامة ! ثمّ التفت الى علي عليه‏السلام فقال : ويغفر لعلي خاصة ، ثم قال : ادن مني يا علي . ودنا منه فأخذ بيده وقال : إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أطاعك وتولاّك من بعدي ، وإنّ الشقي كل الشقي حقّ الشقي من عصاك ونصب لك عداوة بعدي(6) ثم ركب وسار حتى وقف حيث المسجد اليوم(7) في بطن الوادي ، فخطب الناس(8) فقال :



(1) البقرة : 199 . ولفظ الخبر : فأنزل اللّه ، وعليه فالنزول في العاشرة وفي المصحف في أوائل ما بعد الهجرة . والخبر من المصدر الأسبق .

(2) من المصدر الأسبق ، ومغازي الواقدي 2 : 1102 .

(3) المصدر الأول في هذا العنوان .

(4) المصدر الثاني من هذا العنوان ، ومغازي الواقدي 2 : 1101 .

(5) المصدر الأول في هذا العنوان .                        (6) أمالي المفيد : 161 .

 

(6) بحار الأنوار 21 : 392 ، عن فروع الكافي 1 : 233 .

(598)

        « الحمد للّه ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب اليه ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا من يهد اللّه فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله .

 

        اُوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، وأحثّكم على العمل بطاعته ، واستفتح اللّه بالذي هو خير .

        أيها الناس ! اسمعوا منّي ما اُبيّن لكم فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا .

        أ يّها الناس ! إنّ دماءكم وأعراضكم عليكم حرام الى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا . ألا هل بلّغت ؟ اللهم اشهد . فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها الى من ائتمنه عليها .

        وإنّ ربا الجاهلية موضوع ، وإنّ أوّل ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلّب .

        وإنّ دماء الجاهلية موضوعة ، وإنّ أول دم أبدأ به(1) دم ابن ربيعة بن الحارث ( بن عبد المطلب ) كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل(2) .

        وإنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية(3) .

 

        والعمد قود(4) وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر ، وفيه مئة بعير ، فمن ازداد فهو من الجاهلية .

 


(1) المصدر السابق 21 : 405 . ما فـي صحيح مسلم 4 : 36 عن الصادق عن الباقـر î؛ عن جابر ، وعليه فالخطبة الاُولى كانت في عرفات .

(2) تحف العقول : 29 .

(3) المصدر الأسبق .

(4) المآثر : المفاخر ، والسدانة : خدمة البيت ، والسقاية : سقاية زمزم للحجّاج .

(5) القود : القصاص .

(599)

        أيها الناس ! إن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم هذه ، ولكنه قد رضى بأن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون من أعمالكم .

        أيها الناس : « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاما وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ ... »(1) وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض و « إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ... »(2) : ثلاثة متوالية وواحدٌفرد : ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، ورجب بين جُمادى وشعبان . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

        أيها الناس : إنّ لنسائكم عليكم حقّا ولكم عليهن حقا ، حقكم عليهن : أن لا يوطئن أحدا فرشكم ، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلاّ بإذنكم ، وأن لا يأتين بفاحشة ، فإن فعلن فإنّ اللّه قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مُبْرِح ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللتم فروجهنّ بكتاب اللّه ، فاتقوا اللّه في النساء واستوصوا بهنّ خيرا .

        أيها الناس : « إنَّما المُؤْمِنونَ إخْوَةٌ »(3) ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلاّ عن طيب نفس منه ـ ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ـ فلا ترجعنّ كُفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي(4) . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .



(1) التوبة : 37 .

(2) التوبة : 36 .

(3) الحجرات : 10 .

(4) الباب 36 والأخير من الجزء 21 من بحار الأنوار في حجة الوداع وما جرى فيها من 378 إلى 413 روى فيه المجلسي الخطبة في خبرين الأول عن الخصال للصدوق î؛ عن عبد اللّه بن عمر : 380 ، والثاني عن المنتقى : 402 ، وهو خبر صحيح مسلم 4 : 36 ، عن الصادق عن الباقر عن جابر الأنصاري ، وليس فيها سوى كتاب اللّه فحسب وكذلك في مغازي الواقدي 2 : 1103 . ورواها ابن اسحاق مرسلاً في السيرة 4 : 250 وفيها : كتاب اللّه وسنّة نبيّه ! وانظر رسالة حديث الثقلين للشيخ قوام الدين الوشنوي القمي المنشور من قبل دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة . ط . 1374 ه ، و ط . 1416 ه ، نشر مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران .

(600)

        أيها الناس ! إنّ ربّكم واحد ، وإنّ أباكم واحد ، كلّكم لآدم وآدم من تراب ، « إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ »(1) وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

 

        أيها الناس ! إنّ اللّه قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ، ولا يجوز لوارث ( كذا ) وصية في أكثر من الثلث .

        والولد للفراش وللعاهر الحجر ، ومن ادّعى الى غير أبيه وتولّى غير مواليه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ، ولا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلاً . والسلام عليكم ورحمة اللّه »(2) .

        فلما كان آخر الخطبة وسكت رسول اللّه من كلامه وفرغ من ذلك أذّن بلال ، فلما فرغ بلال من أذانه أناخ راحلته ، وأقام بلال(3) فصلّى الظهر ، ثم أقام فصلّى العصر ولم يصلّ بينهما شيئا .

 

        ثم ركب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات ، وجعل جبل المشاة ( كذا ) بين يديه واستقبل القبلة ، فلم يزل


(1) الحجرات : 13 .

(2) تحف العقول : 29 ، 30 ، ونحوه في تاريخ اليعقوبي 2 : 111 ، بمافيه من حديث الثقلين .

(3) مغازي الواقدي 3 : 1102 .

(601)

واقفا(1) وجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون الى جانبها ، فنحاها ، ففعلوا مثل ذلك فقال : ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف ولكن هذا كله ، وأومأ بيده الى الموقف فتفرّق الناس(2) .

 

        وقال : إنّ أفضل دعائي ودعاء من كان قبلي من الأنبياء : « لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير » ووقف رسول اللّه على راحلته وهو مادّ يديه يدعو ويمسح براحتيه على وجهه ، حتى غربت الشمس .

 

        وكان أهل الجاهلية يفيضون من عرفة وقد بقي من الشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رؤوس الرجال ، فظن قريش أن رسول اللّه يفعل كذلك ، ولكنّه أخّر ذلك حتى غربت الشمس(3) .

        ثم لم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً ، فأردف اُسامة خلفه ودفع رسول اللّه وقد شنق زمام القصواء حتى أنّ رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول للناس وهو يشير بيده : أيها الناس ! السكينة السكينة(4) أو : أيها الناس ، على رسْلكم وعليكم بالسكينة وليكفِ قويّكم عن ضعيفكم . وكانت قريش توقد نارا على جبل قُزح ، فكانوا قد أوقدوها ، فسار النبي من يسار الطريق بين المأزمين وهو شِعب الإذخر يؤم تلك النار حتى نزل قريبا منها(5) وفي المأزمين


(1) بحار الأنوار 21 : 405 عن المنتقى ، ما في صحيح مسلم 4 : 36 عن الصادق عن الباقر عن جابر .

(2) المصدر السابق 21 : 392 ، عن فروع الكافي 1 : 233 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1104 .

(4) المصدر الأسبق .

(5) مغازي الواقدي 2 : 1105 .

(602)

نزل فبال هناك ، لأ نّه أول موضع عُبد فيه الصنم في العرب بالحجاز ، ومنه اُخذ الحجر الذي نُحت منه هُبل(1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y10-p04.htm