فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
وفاة إبراهيم ابن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اسلام سائر العرب بنجران
اسلام بني نُمير
و قاتل خالد في البحرين
سريّة علي عليه‏السلام الى اليمن
اسلام همدان
و بنو زُبَيْد بأرض مَذحِج
من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن
وفد بني غامد من الأزد
و وفد الرهاويّين من مذحج
و فروة بن مُسيك المرادي
بعث معاذ الى اليمن
إرسال عمرو بن حزم الى اليمن
الإعداد لحجّة الوداع
وصول الرسول الى مكة
حجّ علي عليه‏السلام من اليمن
خطبته بعد طوافه وسعيه
و خرج لمناسك الحج
و في المشعر الحرام
و انتهى الى منى
خطبته بمنى
خطبته في مسجد الخَيف
متى و كيف نزلت سورة المائدة ؟
الآيات الثلاثة الاُول
خبر نزول آية الولاية في مكة
الموضع و النداء و المنبر
عدد الجمع
هنئوني و سلموا على علي و له
آية الاكمال، و شعر حسّان
و سأل سائل
و كفروا بعد إسلامهم
و همّوا بما لم ينالوا
ساير آيات المائدة
و آية الوضوء
اثنا عشر نقيبا
نبأ ابني آدم
حدّ المحارب و المفسد
حدّ السارق و السارقة
أهل الكتاب و المنافقون و المرتدّون
آيتا الولاية و التبليغ و ما بينهما
لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم
تأكيد تحريم الخمر
لا تسألوا عمّا يسوؤكم
الجزية من أهل الكتاب دون الأعراب
و شهادة أهل الكتاب في السفر
رجوع الرسول الى المدينة
الإسلام و بنو حنيفة
ثم عظمت الفتنة
أخبار اليمن بعد الحج
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

من قضايا علي عليه‏السلام في اليمن :

        قال المفيد في « الارشاد » : لما استقرت به الدار باليمن ونظر فيما ندبه إليه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من القضاء والحكم بين المسلمين ، رُفع اليه رجلان بينهما جارية يملكان رقّها على السواء ، فلقرب عهدهما بالاسلام وقلّة معرفتهما بما تضمّنته الشريعة من الأحكام جهلا حَظْرَ وطئها بل ظنّا جواز ذلك ، فوطئاها معا في طهر واحد ، فحملت الجارية ووضعت غلاما ، فاختصما فيه الى علي عليه‏السلام .

        فقال عليه‏السلام لهما : لو علمت أ نّكما أقدمتما على ما فعلتماه بعد الحجة عليكما بحظره ، لبالغت في عقوبتكما ! ثم قرع على الغلام باسميهما ، فخرجت القُرعة لأحدهما ، فألحق الغلام به وألزمه نصف قيمته لشريكه ؛ لأ نّه عبدٌ له .

        ولما بلغ ذلك رسول اللّه قال : الحمد للّه الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داوود وسبيله في القضاء . يعني القضاء بالالهام(2) .

        ثم رُفع اليه عليه‏السلام وهو باليمن : خبر زُبية ( حُفرة بمكان عالٍ ) حُفرت للأسد فوقع فيها ، فغدا الناس ينظرون اليه ، فوقف على شفير الزُبية رجل فزّلت قدمه فتعلّق بآخر وتعلّق الآخر بثالث وتعلّق الثالث بالرابع فوقعوا في الزُبية فهلكوا جميعا .

 


(1) مغازي الواقدي 2 : 1085 .

(2) الارشاد 1 : 195 والخبر عن الباقر عليه‏السلام في فروع الكافي 5 : 491 وكتاب من لا يحضره الفقيه 3 : 54 وتهذيب الأحكام 6 : 238 .

(570)

        فقضى عليه‏السلام : أن الأول فريسة الأسد وعليه ثلث الدية للثاني ، وعلى الثاني ثلثا الدية للثالث ، وعلى الثالث الدية كاملة للرابع .

        وانتهى الخبر بذلك الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فقال : لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء اللّه عز وجل فوق عرشه(1) .

        ثم رُفع إليه : خبر جارية حملت جارية على عاتقها في اللعب ، فقرصت اُخرى الحاملة فقفزت لذلك فوقعت الراكبة فاندقّ عنقها وهلكت . فقضى عليه‏السلام : على القارصة بثلث الدية ، وعلى القامصة ( القافزة ) بثلثها ، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة ( الواقعة ) عبثا .

 

        وبلغ الخبر بذلك الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فأمضاه وشهد له بالصواب(2) .

        ووقع حائط فقتل جمعا فيهم حرّة ولها طفل من حُرّ ، ومملوكة ولها طفل من مملوك ، فلم يعرف الحر من المملوك .

 

        فقرع بينهما وحكم بالحرّية لمن خرج له سهم الحرية ، وبالرق لمن خرج له سهم الرق ، وحكم في ميراثهما بالحكم في الحرّ ومولاه . فأمضى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هذا القضاء وصوّبه(3) .



(1) الارشاد 1 : 196 ، والخبر عن الصادق عليه‏السلام في فروع الكافي 7 : 286 ح 3 وكتاب من لا يحضره الفقيه 4 : 89 ح 278 ، وتهذيب الأحكام 10 : 239 ح 951 ، وفي مغازي الواقدي 3 : 1086 وفيه : أن عشرة منهم أتوا مع علي عليه‏السلام الى الحج فجلسوا بين يدي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقصّوا عليه خبرهم ، فقال : أنا أقضي بينكم إن شاء اللّه ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّ عليّا قد قضى بيننا ، فقال : فبم قضى بينكم ؟ فأخبروه بما قضى به فقال : هو ما قضى به ، فقال القوم : هذا قضاء من رسول اللّه ، وقاموا .

(2) الارشاد 1 : 196 ، وفي المقنعة : 750 ، وباختلاف في الفقيه 4 : 125 ، والتهذيب 10 : 241 ، وأشار الى الحديث ابن الأثير في النهاية 4 : 40 و 108 و 214 .

(3) الارشاد 1 : 197 .

(571)

        وروى الكليني في « فروع الكافي » بسنده عن الباقر عليه‏السلام قال : أفلت فرس لرجل من أهل اليمن ، ومرّ يعدو ، فمرّ برجل فنفحه برجله فقتله . فجاء أولياء المقتول الى الرجل فأخذوه ورفعوه الى علي عليه‏السلام ، فأقام صاحب الفرس البيّنة عند علي عليه‏السلام أنّ فرسه أفلت من داره ونفح الرجل . فأبطل علي عليه‏السلام دم صاحبهم .

 

        فجاء أولياء المقتول من اليمن الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقالوا : يا رسول اللّه ، إنّ عليّا ظلمنا وأبطل دم صاحبنا ! فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إنّ عليّا عليه‏السلام ليس بظلاّم ، ولم يُخلق للظلم ، إنّ الولاية لعلي من بعدي ، والحكم حكمه ، والقول قوله ، ولا يرد ولايته وقوله وحكمه إلاّ كافر ، ولا يرضى ولايته وقوله وحكمه إلاّ مؤمن .

        فلما سمع اليمانيون قول رسول اللّه في علي قالوا : يا رسول اللّه ، رضينا بحكم علي وقوله . فقال رسول اللّه : هو توبتكم مما قلتم(1) .

 

وفد بني غامد من الأزد :

        وحيث كان بعث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لعلي عليه‏السلام الى اليمن المرة الثانية في شهر رمضان للعاشرة ، ففي الشهر نفسه قدم وفد غامد من أزد اليمن على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهم عشرة ، فسلّموا عليه وأقرّوا بالإسلام ، وهدوا الى اُبي بن كعب فعلّمهم من القرآن ، وكتب لهم رسول اللّه كتابا فيه شرائع الإسلام ، ولم يروَ نصّ الكتاب(2) .

        وقد قسّم الجوهري الأزد الى ثلاثة أقسام : بنو نصر بن الأزد ، ولقب نصر شنوءة فهم أزد شنوءة ، ومنهم من سكن الشرارة بأطراف اليمن فسُمّوا أزد شرارة .


(1) فروع الكافي 7 : 352 ب 43 ح 8 ، والتهذيب 10 : 228 ب 18 ح 33 ، والراوندي في قصص الأنبياء : 286 ، وعنه في بحار الأنوار 21 : 362 ح 5 .

(2) الطبقات الكبرى 1 ( القسم الثاني ) : 76 و 77 و 1 : 345 ، ط . بيروت ، وانظر مكاتيب الرسول 1 : 304 .

(572)

والثالث : من سكن عُمان ثغر البحرين فسمُّوا أزد عمان . والأزد من أعظم الأحياء وأكثرها بطونا وأمدُّها فروعا(1) .

 

        وروى المتّقي الهندي في « كنز العمال » عن ابن عساكر بإسناده عن أبي راشد عبد الرحمن بن عُبيد قال : قدمت على النبي في مئة رجل من قومي ، فلما دنونا من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقفنا ، فتقدّمت قومي وأنا أصغرهم فقلت : أنعِم صباحا يا محمد ، فقال النبي : ليس هذا سلام المسلمين بعضهم على بعض ، إذا لقيت مسلما فقل : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ثم قال لي : ما اسمك ومن أنت ؟ قلت : أنا أبو معاوية عبد اللات والعزّى ! قال : بل أنت أبو راشد . ثم أجلسني وأكرمني فأسلمت . ثم كتب معه كتابا الى الأزد ؛ كتبه عمّه العباس بن عبد المطلب :

 

        « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه الى من يقرأ كتابي هذا ، من شهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمدا رسول اللّه ، وأقام الصلاة فله أمان اللّه وأمان رسوله ، وكتب هذا الكتاب العباس بن عبد المطلب » .

        وقدم منهم وفد سنة عشر في بضعة عشر رجلاً رأسهم صُرد بن عبد اللّه ، فأسلم وأسلموا، فأمّره رسول‏اللّه على من أسلم من قومه ، وأمره أن يجاهد المشركين . فسار الى مدينة جُرش وفيها قبائل من اليمن فيهم خثعم وغيرهم ، فحاصروهم قريبا من شهر فامتنعوا منه ، فرجع عنهم متوجها الى صنعاء اليمن حتى كان بجبلٍ يقال له كُثر من جُرش ، وخرج أهل جُرش في طلبه ، فعطف عليهم فقاتلهم قتالاً شديدا .

        وبعد ذلك خرج وفد أهل جُرش الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأسلموا(2) .



(1) راجع المصادر في مكاتيب الرسول 3 : 280 .

(2) انظر مكاتيب الرسول 3 : 278 ، 279 ، 280 ، 281 ، وابن اسحاق في السيرة 4 : 234 .

(573)

 

ووفد الرهاويّين من مذحج :

        وفي السنة نفسها ومن مذحج اليمن قدم المدينة خمسة عشر رجلاً من الرهاويّين ومعهم هدايا لرسول اللّه منها فرس يُدعى المرواح ، ونزلوا دار رملة بنت الحارث ، فأتاهم رسول اللّه فتحدّث عندهم طويلاً ، وكتب لهم كتابا بمئة وسق تُجرى لهم من محاصيل خيبر(1) .

 

وفروة بن مُسيك المرادي :

        ويُفهم من قول ابن اسحاق في سيرته : أن أول ملوك كِندة من بني مراد اليمن اسلاما هو فروة بن مُسيك المرادي رئيس مراد ، إذ قال : قدم ... مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم(2) ولعلّه لذلك تردّد ابن سعد أ نّه كان في سنة تسع أو عشر من الهجرة(3) بينما جزم ابن حبّان فقال : في سنة ( 10 ) قدم مراد ورأسهم فروة بن مسيك(4) .

        وقال ابن سعد : نزل على سعد بن عبادة يتعلّم القرآن وفرائض الإسلام . واستعمله النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على مراد ومذحج وزُبيد(5) .

 



(1) الطبقات الكبرى 1 ( القسم الثاني ) : 76 و 1 : 344 ، ط . بيروت ، وانظر مكاتيب الرسول 1 : 296 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 228 .

(3) الطبقات الكبرى 2 : 111 .

(4) الثقات لابن حبان 2 : 117 ، وانظر مكاتيب الرسول 1 : 253 ، 254 .

(5) الطبقات الكبرى 2 : 111 وقال : وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقات ولم يزل عليها حتى توفي النبي . وكأ نّه اُريد به معارضة خبره المعتبر مع علي عليه‏السلام ، وانظر مكاتيب الرسول 1 : 303 ، 304 ، وفروة هو الذي استشهد الحسين عليه‏السلام ببعض شعره في بعض خطبه في عاشوراء ، كما في مقتل الخوارزمي 2 : 7 ، ط . النجف الأشرف .

(574)

 

بعث معاذ الى اليمن :

        كان بنو سلمة من الخزرج بالمدينة من السابقين الأولين من المسلمين بها ، منهم مُعاذ بن جبل ، ولأول مرة نواجه اسمه مع ابن عمه مُعاذ بن عمرو بن الجموح من فتيان بني سلمة ممن أسلم وشهد العقبة كانوا يُدلجون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفر بني سلمة منكّسا على رأسه(1) .

        وآخر عهدنا به مرّ في الخبر : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خلّف أبا موسى الأشعري ومُعاذ بن جبل السلمي يعلّمان الناس القرآن وفقه الدين . ويبدو أ نّه انتدب لدعوة النبي مع مسلمي أهل مكة الى حرب تبوك عمّه العباس بن عبد المطلب ، كما مرّ ، فهو حاضر في أخبار تبوك .

 

        وذكر ابن اسحاق : أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أرسل الى زُرعة ذي يَزَن في اليمن : « ... أما بعد ، فان محمدا يشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأ نّه عبده ورسوله . ثم إن مالك بن مرّة الرهاوي قد حفظ الغيب وبلغ الخبر ... وقد حدّثني أ نّك أول حمير أسلمت وقتلت المشركين ، فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيرا ، ولا تخونوا ولا تخاذلوا ، فإنّ رسول اللّه هو ولي غنيّكم وفقيركم ... وإني قد أرسلت اليكم من صالحي أهلي واُولي دينهم واُولي علمهم ، فآمرك بهم خيرا فإنهم منظور اليهم ... فاُوصيكم بهم خيرا : عبد اللّه بن زيد ، ومالك بن عبادة ، وعُقبة بن نمر ، ومالك بن مرّة ... وإن أميرهم مُعاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلاّ راضيا ... وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي ... وإن الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لأهل بيته ، إنّما هي زكاة يُزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل »(2) .



(1) ابن اسحاق في السيرة 2 : 95 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 236 و 237 .

(575)

        هذا بعد أن بدأ الفصل بقوله : قدم على رسول اللّه كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك من ملوك معافر وذي رُعين وهمدان . وحيث كان الخبر المعتبر عندنا إسلام همْدان على يدي علي عليه‏السلام وكان ذلك في شهر رمضان من العاشرة للهجرة كما مرّ ، لذلك لم نعتبر هذا الخبر المرسل من ابن اسحاق ، مع استبعادات اُخرى في نصّ الرسالة ، مع اضطراب وتشويش في النصّ ـ عدّلناه فيما نقلناه ـ ومع خلط وخبط بين نصّين من كتابين الى أقيال اليمن : ابني عبد كُلال وذي يزن . وسيأتي أ نّه بُعث الى سواهم .

 

        وذكر ابن الأثير : أن مُعاذا كان من أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا وأسمحهم كفّا ، فاقترض دينا كثيرا حتى تغيّب عنهم في بيته أيّاما ... فأرسل عليه رسول اللّه ليبعث به الى اليمن وقال له : لعلّ اللّه يجبرك ويؤدّي عنك(1) .

        ورووا عنه قال : لما بعثني رسول اللّه الى اليمن خرج معي يوصيني يمشي تحت راحلتي وأنا راكب(2) الى أكثر من ميل !(3) وقال له :

 

        يا مُعاذ ، علّمهم كتاب اللّه ، وأحسِن أدبهم على الأخلاق الصالحة ، وأنزِل الناس منازلهم خيرهم وشرّهم ، وأنفذ أمر اللّه فيهم ولا تحاشَ في أمره ولا ماله أحدا فإنها ليست بولايتك ولا مالك ، وأدِّ إليهم الأمانة في كل قليل وكثير ، وعليك بالرفق والعفو ، في غير ترك للحق كي لا يقول الجاهل قد تركت من حق اللّه ، واعتذر الى أهل عملك من كل أمر خشيت أن يقع اليك منه عيب حتى يعذروك ، وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام ، وأظهر أمر الإسلام كلّه صغيره وكبيره ،


(1) اُسد الغابة 4 : 377 .

(2) تاريخ الخميس 2 : 142 .

(3) كنز العمّال 10 : 392 .

(576)

وليكن أكثر همّك الصلاة فانّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين ، وذكّر الناس باللّه واليوم الآخر . واتْبع الموعظة فانّه أقوى لهم على العمل بما يحبّ اللّه . ثم بُثّ فيهم المعلمين ، واعبد اللّه الذي اليه ترجع ، ولا تخف في اللّه لومة لائم .

 

        واُوصيك بتقوى اللّه ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ، وحبّ الآخرة ، والجزع من الحساب ، ولزوم الايمان ، والفقه في القرآن ، وكظم الغيظ ، وخفض الجناح .

        وإ يّاك أن تشتم مسلما ، أو تطيع آثما ، أو تعصي إماما عادلاً ، أو تكذّب صادقا ، أو تصدّق كاذبا . واذكر ربّك عند كل شجر وحجر ، واحدث لكل ذنب توبة : السرّ بالسرّ ، والعلانية بالعلانية .

        يا مُعاذ ، لولا أنني أرى أن لا نلتقي إلى يوم القيامة لقصرت في الوصية ، ولكنّني أرى أن لا نلتقي أبدا . ثم اعلم يا مُعاذ أن أحبّكم إليّ من يلقاني على مثل الحال التي فارقني عليها(1) .

        إنّك ستأتي قوما أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم الى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمدا رسول‏اللّه، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم‏أن‏اللّه فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإ يّاك وكرائم أموالهم ، واتّق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين اللّه حجاب(2) وكتب له في عهده :

 

        أن لا طلاق لامرئ فيما لا يملك ، ولا عتق فيما لا يملك ، ولا نذر في معصية ، ولا


(1) تحف العقول : 25 ، 26 .

(2) البداية والنهاية 5 : 100 .

(577)

في قطيعة رحم ، ولا فيما لا يملك . وعلى أن تأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر ( الثياب ) وعلى أن لا تمسّ القرآن إلاّ طاهرا ، وإنّك إذا أتيت اليمن يسألك نصاراها عن مفتاح الجنة فقل : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له(1) .

 

        إنّ طبيعة الاُمور بملاحظة خارطة اليمن تقتضي تقدم الاسلام في اليمن بترتيب نجران ثم همدان ثم صنعاء ثم زُبيد ثم الجنَد ثم عدن على منعطف البحر الأحمر نحو بحر عمان .

 

        وفي أكثر أخبار بعث مُعاذ إنّما جاء ذكر اليمن ، وإنّما جاء في بعضها ذكر مخلاف ( محافظة ) الجَند بعد صنعاء الى عدن : مرّ معاذ بصنعاء في طريقه الى الجند ، فصعد منبرا فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، وصلّى على نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم قرأ عليهم كتاب رسول اللّه


(1) كنز العمال 10 : 392 و 393 .

        وهنا في الايضاح لابن شاذان ( م 360 ه ) : 104 ، وقالوا فلا بدّ من النظر واستعمال الرأي فيما لم تأتنا به الرواية عنه لقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمُعاذ بن جبل لما وجّهه الى اليمن قاضيا : بم تقضي يا مُعاذ ؟ قال : أقضي بكتاب اللّه . قال : فما لم يكن في الكتاب ؟ قال : فبسنّة رسول اللّه . قال : فما لم يكن في السنّة ؟ قال اجتهد رأيي لا آلو ، قالوا : فضرب رسول اللّه على صدره وقال : الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يحب . ( الطبقات الكبرى 3 : 584 ) .

        وقال الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 439 ، الحارث بن عمرو عن رجال له عن معاذ بحديث الاجتهاد ... تفرّد به أبو عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخ المغيرة بن شعبة . وما روى عن الحارث غير أبي العون ، فهو مجهول . وقال البخاري : لا يصحّ حديثه . وقال الترمذي : اسناده عندي ليس بمتصل .

        وناقشه ابن حزم في المُحلّى 1 : 62 بقوله : وحديث مُعاذ اجتهد رأيي ولا آلو . لا يصح ، لأنه لم يروه أحد إلاّ الحارث بن عمرو ـ وهو مجهول ـ عن رجال من أهل حمص لم يسمعهم ! عن مُعاذ . وانظر : دروس في فقه الإمامية للشيخ الفضلي 1 : 82 ـ 86 .

(578)

الى أهل اليمن(1) ثم انتهى الى الجند وقبله جبل حوله من كندة السكون والسكاسك ، فأشرف معاذ على الجبل وأذّن ، فلما سمعوا صوت الأذان أقبلوا اليه سراعا ، فسألوا عنه ولما عرفوه أنه رسول نبي اللّه قالوا : بم أرسلك ؟ فقال : هذا عهد رسول اللّه إذ بعثني إليكم ، فأخرج عهده فقرأه عليهم ، وكان في عهده :

 

        « اُوصيك ـ يا مُعاذ ـ بتقوى اللّه ، وصدق الحديث ، ووفاء العهد ، وترك الخيانة ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، وتلاوة القرآن ، وإ يّاك ـ يا معاذ ـ أن تصدّق كاذبا ، أو تكذّب صادقا ، أو تعين ظالما ، أو تقطع رحما ، أو تشمت بمصيبة ... »(2) .

        ومن قضاياه في اليمن ما أرسله الصدوق عن أبي الأسود الدؤلي : أن جمعا جاؤوا الى معاذ بن جبل باليمن يسألونه عن ميراث يهودي مات وترك أخا مسلما ، فقال مُعاذ : سمعت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول : « الاسلام يزيد ولا ينقص » فورّث المسلم من أخيه اليهودي(3) .

 



(1) يظهر من الخبر سبق الاسلام الى صنعاء ، وذلك لإسلام باذان زعيم أبناء الفرس في اليمن وإسلام أكثرهم معه لعلمهم بصدقه فيما أخبر به من قتل خسرو پرويز ، وإقراره من قبله على حكمه على اليمن .

(2) انظر مكاتيب الرسول 2 : 597 ، 598 عن الوثائق السياسية : 216 عن أمالي الحوالي : 129 . وانظر من مكاتيب الرسول 2 : 600 ـ 602 حيث ترجم لخمسة ممن كانوا مع معاذ ، فلم يكن هو وحده .

(3) كتاب من لا يحضره الفقيه 4 : 334 ب 170 ح 5720 ، ورواه قبله أبو داود في سننه وابن حنبل في مسنده . وفي أيام مكثه باليمن رووا كتابا من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إليه لتعزيته بابنه ، رواه الحراني في تحف العقول : 47 ، وأبو نعيم ( م 430 ه ) في حلية الأولياء 1 : 232 ـ 243 وتكلم فـي صحـة الحـديث فقـال : هـذه الـروايات ضعيفة لا تثبت ، فـإنّ وفـاة î؛ (عبد الرحمن) بن مُعاذ كان بعد وفاة رسول اللّه بسنتين ، وإنّما كتب اليه بعض الصحابة فتوهّم الراوي فنسبها الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . وتبعه ابن الجوزي ( م 597 ه ) في الموضوعات ، ونقله عنه المتقي الهندي في كنز العمال 20 : 225 .

        وأضاف أبو نعيم : أن معاذا مكث في اليمن حتى قبض رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقدم الى المدينة ، فقال عمر لأبي بكر : دَع لهذا الرجل ما يُعيّشه وخذ سائره منه . فقال أبو بكر : إنّما بعثه النبي ليجبره ، فلستُ بآخذٍ منه شيئا إلاّ أن يعطيني هو ! وفي الاستيعاب بهامش الاصابة 3 : 358 ، وانظر مكاتيب الرسول 3 : 555 .

        ولا نرى أثرا لمُعاذ في حجة الوداع ، ولا في بعث جيش اُسامة ، ولا في مرض ووفاة رسول اللّه ، ولا في السقيفة ، وأوّل ما نرى أثره بعد السقيفة في أوائل بيعة أبي بكر ، كما في كتاب سليم بن قيس : 578 ح 4 : أنّ أوّل من بايعه المغيرة بن شعبة ثم ... ومعاذ بن جبل ، فهو سادسهم . وفي : 587 : أنه كان فيمن عليهم السلاح وهم جلوس حول أبي بكر حين انتهى بعلي عليه‏السلام الى أبي بكر للبيعة . وفي : 589 و 631 ، أنه كان ممّن صدّق أبا بكر في قوله : إنّه سمع رسول اللّه يقول : إنّا أهل بيت أكرمنا اللّه عزّ وجل واصطفانا ، واختار لنا الآخرة على الدنيا ، ولم يرض لنا بالدنيا ، وإن اللّه لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة . فصدّقه عمر وأبو عبيدة ومُعاذ بن جبل ... فقال لهم علي عليه‏السلام : لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة . وفي 590 : أنها كتبت باتفاق منهم في المحرم سنة عشرة من الهجرة . فهي قبل إرسال مُعاذ الى اليمن ، فلعلّه كان لإ بعاده عنهم والتفريق بينهم .

        ولعلّ إهمال أبي بكر للأموال معه كما مرّ كان لتأليفه اليهم . ومن تاريخ الصحيفة يبدو أن سفر معاذ لم يكن عند رجوع النبي من تبوك كما في ابن هشام ، وعليه فلم تكن سفرته أربعة عشر شهرا كما ذكره المحقّق الغفاري في تحف العقول : 26 وكرره في حاشية بحار الأنوار 77 : 126 .

(579)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y10-p02.htm