فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وفود الحضرمي من البحرين وعزله :

        روى ابن سعد في « الطبقات » : أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان قد كتب الى العلاء بن الحضرمي أن يقدم إليه بعشرين رجلاً من عبد القيس من البحرين .

        فاستخلف العلاء المنذر بن ساوى العبدي وقدم على النبي بعشرين رجلاً منهم يرأسهم عبد اللّه بن عوف الأشج ، ولكنّ هذا الوفد شكا إلى النبيّ من العلاء ، فعزله رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وولّى مكانه ( على البحرين وهجر ) أبان بن سعيد بن العاص ، وقال له : استوص بعبد القيس خيرا ، وأكرم سراتهم(3) .

        فسأله أبان أن يحالف عبد القيس فأذن له بذلك . وقال له : يارسول اللّه ، اعهد إليَّ عهدا في صدقاتهم وجزيتهم ومايتجرون به .

 

        فكتب له صدقات الإ بل والبقر والغنم على فرضها وسنّتها كتابا منشورا مختوما . وكتب معه إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، وقال له : فإن أبوا فأعرض عليهم الجزية ، من كل حالم مجوسي أو يهودي أو نصراني دينارا وأن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم(4) .

        ولعلّ هذا ونحوه هو الذي حمل أهل نجران النصارى على وفودهم إلى المدينة .

 


(1) القصص : 33 ـ 34 .

(2) مناقب آل أبي طالب 3 : 127 .

(3) الطبقات الكبرى 4 ق 2 : 77 ، وعنه في مكاتيب الرسول 3 : 202 .

(4) تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 2 : 120 ، وعنه في مكاتيب الرسول 2 : 389 .

(542)

 

مباهلة أساقفة نجران(1) :

        لاختلاف المواقيت والزمان ما بين السنة الشمسية والقمرية كان العرب في الجاهلية ينسئون الشهور القمرية العربية ، فكانوا بذلك يقاربون غيرهم من الاُمم في مدة زمان سنتهم الشمسية ، كانوا ينسئون في كل ثلاث سنين شهرا يسقطونه من السنة وينقلون اسمه الى الشهر الذي يليه ويسمّونه باسم الشهر المحذوف ، ويجعلون اليوم الثامن والتاسع والعاشر من ذلك الشهر أيام التروية وعرفة والنحر ، فيكون ذلك موجبا دائرا في كل شهور السنة ، لم يزالوا على ذلك حتى السنة التاسعة من الهجرة وهي آخر حجة حجّها المشركون ، فكان الحج في تلك السنة اليوم العاشر من ذي القعدة ، وكانت قد نزلت آيات ( أربعون ) من سورة براءة فبعث بها رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مع علي بن أبي طالب عليه‏السلام وأمره بقراءتها على الناس بمنى وفيها : « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... »(2) .

 



(1) الأساقفة جمع الاُسقف ، وهو معرّب من اليونانية : ايسكوپ ، كما في الوثائق السياسية : 582 ، أو هي : ايسكوپس ، ومعناها الرقيب الناظر ، كما في دائرة المعارف للبستاني ، أو هو بمعنى العالم المتخاشع في مشيته ، وهو فوق القسّيس ودون المطران ، كما في أقرب الموارد ، والقاموس ، ولسان العرب ، والنهاية .

        ونجران اليوم تقع في خريطة المملكة السعودية في حدودها قرب بلاد همدان من اليمن . وفي السيرة النبوية لزيني دحلان : نجران بلدة كبيرة واسعة تشتمل على ثلاث وسبعين قرية ، وهي بين عدن وحضرموت قرب صنعاء . فيها بنو الحارث بن كعب ، وبنو عبد المدان من بني الحارث بنوا بها بيعة على بناء الكعبة وسمّوها كعبة نجران ، وكان أساقفتها معتمّين كما في نجرمن تاج العروس ومعجم البلدان 5 : 268 ، وانظر مكاتيب الرسول 2 : 498 و 491 في الهامش .

(2) التنبيه والإشراف : 186 والآية 37 من السورة .

(543)

        ونقل الطوسي عن الجُبّائي قال : كان يوم النحر عشرين من ذي القعدة في تلك السنة وكان سبب ذلك : النسيء الذي كان في الجاهلية(1) .

 

        وعلى أي حال ، فإن عليّا عليه‏السلام قد قام بما بعثه به النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى مكة لموسم العام التاسع للهجرة ورجع الى المدينة لأوائل شهر ذي الحجة الحرام من ذلك العام .

 

        وفي « مسار الشيعة الكرام » قال : في اليوم الرابع والعشرين منه باهل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة صلى اللّه عليهم ، مع نصارى نجران ، وجاء ذكر المباهلة به وبزوجته وبولديه في محكم التبيان(2) وبه قال الشيخ الطوسي(3) ورواه السيّد ابن طاووس في « الاقبال » في مرفوعة الى علي بن محمد القمي أن يوم المباهلة يوم أربع وعشرين من ذي الحجة(4) .

        وأخصر خبر في ذلك : ما رواه العياشي في تفسيره : أ نّه سُئل علي عليه‏السلام عن بعض فضائله فقال ( فيما قال ) : أتى راهبان من رهبان النصارى(5) من أهل نجران ، فتكلّما في أمر عيسى ، فأنزل اللّه هذه الآية : « إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ... » إلى آخر الآية ، فدخل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخذ بيدي والحسن والحسين وفاطمة ، ثم خرج ودعاهم الى المباهلة ، ورفع كفّه الى السماء وفرّج بين أصابعه . فلمّا رآه الراهبان قال أحدهما لصاحبه : واللّه لئن كان نبيّا لنهلكنّ ، وإن كان غير نبيّ كفانا قومه ، فكفّا(6) .

 



(1) التبيان 5 : 196 ، وعنه في مجمع البيان 5 : 6 .

(2) مسارّ الشيعة الكرام : 58 ، 59 من المجموعة النفيسة .

(3) مصباح المتهجد : 704 .

(4) الاقبال 2 : 354 .

(5) لفظ الخبر : أتاه حبران من أحبار النصارى .

(6) تفسير العياشي 1 : 175 ، 176 .

(544)

        وبشيء من التفصيل : روى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان سيدهم الأيهم(1) والعاقب والسيّد ( ودخلوا مسجده ) وحضرت صلاتهم ( وكانوا يحملون ناقوسهم ) فضربوه واصطفوا لصلاتهم . فقال أصحاب رسول اللّه له : هذا في مسجدك ؟ فقال : دعوهم .

 

        فلما فرغوا دنوا من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فقالوا له : الى ما تدعو ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : الى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ، وأنّ عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويُحدث . فقالوا : فمن أبوه ؟ فنزل عليه الوحي قال : قل لهم : ما تقولون في آدم عليه‏السلام ؟ أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب وينكح ؟ فسألهم النبيّ ذلك ، فقالوا نعم ، فقال : فمن أبوه ؟ فبُهتوا وبقوا ساكتين .

        فأنزل اللّه : « إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ »(2) .

        فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : فباهلوني ، فإن كنت صادقا اُنزلت اللعنة عليكم ، وإن كنت كاذبا نزلت عليّ ، فقالوا له : أنصفت ! فتواعدوا للمباهلة ، ورجعوا إلى منزلهم .

 

        فقال رؤساؤهم : إن باهلَنا بقومه باهلناه فانه ليس بنبيّ ، وإن باهلَنا بأهل بيته خاصة فلا نباهله ، فإنه لا يقدم على أهل بيته إلاّ وهو صادق .

        فلما أصبحوا ( صباح اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة ) جاؤوا الى


(1) في المصدر : الأهتم ، وأثبتنا ما في سائر الأخبار .

(2) آل عمران : 59 ـ 63 .

(545)

رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وإذا معه أمير المؤمنين علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم ، فسأل النصارى : مَن هؤلاء ؟ فقيل لهم : هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه علي بن أبي طالب ، وهذه ابنته فاطمة ، وهذان ابناه الحسن والحسين . ففَرِقوا وقالوا لرسول اللّه : نعطيك الرضا فأعفنا من المباهلة . فصالحَهم رسولُ اللّه على الجزية(1) .

 

        وروى الطبرسي في « إعلام الورى » عن الأحمر البجلي الكوفي عن الحسن البصري قال : غدا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله آخذا بيد الحسن والحسين ، وبين يديه علي عليه‏السلام وتتبعه فاطمة عليهاالسلام . وغدا العاقب والسيّد بابنين لهما ، فقال أبو حارثة : مَن هؤلاء معه ؟ قالوا : هذا ابن عمّه زوج ابنته ، وهذان ابنا ابنته ، وهذه بنته أعزّ الناس عليه وأقربهم الى قلبه .

 

        وتقدّم رسول اللّه فجثا على ركبتيه ، فقال أبو حارثة : جثا ـ واللّه ـ كما جثا الأنبياء للمباهلة . فلم يقدم للمباهلة ، فقال له السيّد : يا أبا حارثة ادْنُ للمباهلة ، فقال : انّي لأرى رجلاً جريئا للمباهلة فأخاف أن يكون صادقا ، فلا يحول علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم . فقالوا لرسول اللّه : يا أبا القاسم ، إنّا لا نباهلك ولكن نصالحك .


(1) تفسير القمي 1 : 104 ، والكوفي في تفسيره : 87 ، روى خبرا عن علي عليه‏السلام في صفحة تقريبا ولكنّه ذكر فيه ابن صوريا وابن الأشرف اليهوديين ، والمشهور أن ابن الأشرف قتل قبل هذا بكثير فهذا مما يبعد صحته . وقبله نقل خبرين عن الباقر عليه‏السلام في مصاديق الآية فقط ، وروى خبرا عن أبي رافع وخبرين عن الشِعبي وعن شهر بن حوشب فيه : أ نّه كان معهم العاقب وأخوه قيس وعبد المسيح بن أبقى وابنا الحارث ومعهم أربعون راهبا .

        وروى المفيد في الفصول المختارة : 38 خبرا في مناقشة المأمون للرضا عليه‏السلام في دلالة الآية على أكبر فضيلة لعلي عليه‏السلام .

(546)

        فصالحهم النبي على ألفي حُلة قيمة كل حلة أربعون درهما جيادا ، وكتب لهم بذلك كتابا(1) .

        وروى في تفسيره كما في « التبيان » عن الحسن أيضا وقتادة عن ابن عباس : ان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما دعاهم الى المباهلة استنظروه الى صبيحة غد من يومهم ذلك . فلما رجعوا الى رحالهم قال لهم الاُسقُف : انظروا غدا الى محمد ، فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته ، وان غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء !

 

        فلما كان الغد جاء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله آخذا بيد علي بن أبي طالب ، والحسن والحسين يمشيان بين يديهما ، وفاطمة تمشي خلفهما .

        وخرج النصارى يقدمهم اُسقُفُهم ، فلما رأى النبيّ قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له : هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه ، وهذان ابنا بنته من علي ، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه وأقربهم الى قلبه .

        وتقدّم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فجثا على ركبتيه ، فقال الاُسقُف أبو حارثة : جثا ـ واللّه ـ كما جثا الأنبياء للمباهلة . ولم يقدم للمباهلة ، فقال له السيّد : يا أبا حارثة ادْنُ للمباهلة ، فقال : إنّي لأرى رجلاً جريئا على المباهلة فأخاف أن يكون صادقا ، ولئن كان صادقا فلا يحول علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم !

        وقال الاُسقُف لرسول اللّه : يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ، ولكن نصالحك ، فصالِحنا على ما ننهض به . فصالحهم رسول اللّه على :

        1 ـ ألفي حلة قيمة كل حلة أربعون درهما فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك .

        2 ـ وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين فرسا ، إن كان كَيدٌ باليمن ، ورسول اللّه ضامن حتّى يؤدّيها . وكتب لهم بذلك كتابا(2) .



(1) اعلام الورى 1 : 256 ولم أجده في تفسيره .

(2) مجمع البيان 2 : 762 ، وأشار إليه في التبيان 2 : 482 .

(547)

 

نزول آل عمران :

        وروى عن الربيع بن أنس وابن اسحاق والكلبي : أن سورة آل عمران الى نيف وثمانين آية منها ، نزلت في وفد نجران(1) ، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، وفي الأربعة عشر رجلاً ثلاثة نفر يؤول إليه أمرهم : العاقب عبد المسيح أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلاّ عن رأيه ، والسيّد الأيهم ثمالهم وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن علقمة إمامهم وجدهم وصاحب مدراسهم ، وكان قد درس كتبهم وشرّف فيهم ، فكان ملوك الروم قد شرّفوه وموّلوه وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده .

        قدموا على رسول اللّه المدينة في مسجده بعد صلاة العصر ، عليهم ثياب الحِبرات جُبب واردية في جمال رجال بني الحارث ، وحانت صلاتهم ومعهم ناقوسهم فأخرجوه يضربون به واصطفّوا ليصلوا في مسجد رسول اللّه ، فقالت الصحابة : يا رسول اللّه ، هذا في مسجدك ؟ ! فقال رسول اللّه : دعوهم . فصلوا الى المشرق أي الشام وفلسطين والقدس .

        ثم تكلم السيد والعاقب مع رسول اللّه ، فقال لهما رسول اللّه : أسلما ، فقالا : قد أسلمنا قبلك ! فقال : كذبتما ، يمنعكما من الاسلام دعاؤكما للّه ولدا ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ! فقالا : إن لم يكن عيسى ولد اللّه فمن أبوه ؟ فقال لهم النبيّ : ألستم تعلمون أ نّه لا يكون ولد إلاّ ويشبه أباه ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربّنا حيّ لا يموت ، وأنّ عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كل شيء ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يملك


(1) ابن اسحاق في السيرة 2 : 225 ، وحكاه الواحدي في أسباب النزول : 84 عن المفسرين .

(548)

عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا !

 

        قال : ألستم تعلمون أن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ؟ قالوا : بلى . قال : فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما عُلِّم ؟ قالوا : لا !

        قال : فإنّ ربّنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدث ، قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته اُمّه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غُذّي كما يُغذّى الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدث ؟ قالوا : بلى !

        قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ ! فسكتوا ، فأنزل اللّه فيهم سورة آل عمران الى بضع وثمانين آية منها(1) .

        وقال المفيد في « الارشاد » : قال الاُسقُف : يا محمد ، ما تقول في السيّد المسيح ؟ قال النبي : هو عبد للّه اصطفاه وانتجبه . فقال الاُسقُف : يا محمد ، أتعرف له أبا ولده ؟ فقال النبيّ : لم يكن من نكاح فيكون له والد . فقال الاُسقُف : فكيف قلت : إنّه عبد مخلوق وأنت لم ترَ عبدا مخلوقا إلاّ عن نكاح ؟ !

 

        فأنزل اللّه سورة آل عمران الى قوله : « إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ »(2) فتلاها عليهم ودعاهم الى المباهلة وقال : إن اللّه عزّ اسمه أخبرني : أ نّه يُنزل العذاب عقيب المباهلة على المُبطل وبذلك يبيّن الحق من الباطل .


(1) مجمع البيان 2 : 695 ، 696، وأشار اليه في التبيان 2 : 388 عن الربيع وابن اسحاق فقط ، وابن اسحاق في السيرة 2 : 222عن كرز بن علقمة أخي أبي حارثة ، وعن محمد بن جعفر بن الزبير ، ولم يذكر إقدام الرسول للمباهلة بأهل بيته عليهم‏السلام .

(2) آل عمران : 59 ـ 61 .

(549)

        فتشاوروا واجتمع رأيهم على استنظاره الى صبيحة غد من يومهم ذلك . فلما رجعوا الى رحالهم قال لهم الاُسقُف : انظروا محمدا في غدٍ فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء !

        فلما كان من الغد جاء النبي آخذا بيد علي ، والحسن والحسين يمشيان بين يديه وفاطمة تمشي خلفه . وخرج النصارى يقدمهم اُسقُفهم ، فلما رأى الاُسقُف النبي ومن معه سأل عنهم، فنظرالاُسقُف الى‏السيد والعاقب وعبدالمسيح وقال‏لهم : انظروا اليه قد جاء بخاصّته من ولده وأهله ليباهل بهم واثقا بحقّه ، واللّه ما جاء بهم وهو يتخوّف‏الحجة عليهم ، فاحذروا مباهلته ، واللّه لولا مكان قيصر لأسلمت له ! ولكن صالحوه على ما يتّفق بينكم وبينه وارجعوا الى بلادكم وارتؤوا لأنفسكم ! فتبعوه .

        فقال الاسقف : يا أبا القاسم ، إنّا لا نباهلك ولكنّنا نصالحك ، فصالحنا على ما ننهض به .

        فصالحهم النبي على ألفي حلة قيمة كل حلّة أربعون درهما جيادا فما زاد أو نقص كان بحساب ذلك ، وكتب لهم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كتابا بما صالحهم عليه .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p18.htm