فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة :

        روى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : كان في سنّة العرب في الحج أنه : من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحلّ له إمساكها ، فكانوا يتصدّقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف ( وإلاّ ) فمن يوافي مكة يستعير ثوبا فيطوف فيه ثم يردّه ، فمن لم يجد عارية اكترى ثيابا ، ومن لم يجد عارية ولا كراءً ولم يكن له إلا ثوب واحد طاف بالبيت عريانا .

        ولما فتح رسول اللّه مكة لم يمنع المشركين من الحج في تلك السنة ( الثامنة )(1) فكان المشركون يحجّون مع المسلمين ، فتركهم على حجّهم الأول في الجاهلية ، وعلى اُمورهم التي كانوا عليها : من طوافهم بالبيت عُراة ، وتحريمهم الشهور ( الحلال بدل ) الحرام ، والقلائد ، ووقوفهم بالمزدلفة .

        وأراد الحج ، فكره أن يسمع تلبية العرب لغير اللّه ، والطواف بالبيت عُراة(2) .

        هذا في حجّهم ، وأما في قتالهم :

 

        ففي الآية : 190 من سورة البقرة : « وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » روى الطبرسيّ عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قالا : هذه أول آية نزلت في القتال ، فلما نزلت كان رسول اللّه يقاتل من قاتله ، ويكفّ عمّن كفّ عنه(3) وقال في معنى : « وَلاَ تَعْتَدُوا » قيل : معناه : لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم(4) .

        وكان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد هادن بني ضمرة ووادعهم ، وكانت بلادهم على طريق مكة من المدينة ، وكان بنو الأشجع من بني كنانة قريبا من بلاد بني ضمرة ،


(1) تفسير القمي 1: 281.

(2) تفسير فرات الكوفي : 161 ح203 عن ابن عباس .

(3) و ( 4 ) مجمع البيان 2 : 510 .

 

(532)

وكان محالّهم البيضاء والجبل والمستباح ، وكان بينهم وبين بني ضمرة حلف في المراعاة والأمان ، وأخصبت بلاد بني ضمرة وأجدبت بلاد أشجع ، فأرادوا أن يصيروا الى بلاد بني ضمرة . . . فهابوا رسول اللّه أن يبعث اليهم من يغزوهم ، للموادعة التي كانت بينه وبين بني ضمرة . . . وخافهم رسول اللّه أن يصيبوا من أطرافه شيئا فهمّ بالمسير اليهم . . .

 

        فبينما هو على ذلك إذ جاءت أشجع وهم سبعمئة ورئيسهم مسعود بن دخيلة فنزلوا شعِب سَلْع ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ست . فدعا رسول اللّه اُسيد بن حُضير فقال له : اذهب في نفر من أصحابك حتى تنظر ما أقدم أشجع ؟

        فخرج اُسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم فقال : ما أقدمكم ؟ فقام إليه رئيسهم مسعود بن دخيلة فسلّم على اُسيد وأصحابه وقال : جئنا لنوادع محمّدا .

        فرجع اُسيد الى رسول اللّه فأخبره ، فقال رسول اللّه : خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا الصلح بيني وبينهم . ثم بعث إليهم بعشرة أحمال تمر فقدّمها أمامه ثم قال : نعم الشيء الهدية أمام الحاجة . ثم ذهب رسول اللّه اليهم فقال لهم : يا معشر أشجع ما أقدمكم ؟ قالوا : قربت دارنا منك ، وليس في قومنا أقلّ عددا منّا ، فضقنا بحربك لقرب دارنا منك ، وضقنا بحرب قومنا لقلّتنا فيهم ، فجئنا لنوادعك .

        فقبل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منهم ذلك ووادعهم ، فأقاموا يومهم ، ثم رجعوا الى بلادهم ونزلت فيهم هذه الآيات من سورة النساء : « اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثا * فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّا وَلاَ نَصِيرا * إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤوكُمْ حَصِرَتْ

(533)

صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً »(1) .

 

        وروى فيه بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : كانت سيرة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن لا يقاتل إلاّ من قاتله ، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده ، وكان قد نزل عليه في ذلك من اللّه عزّوجل : « ... فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً » فكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة وأمره اللّه بقتال المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلاّ الذين كان قد عاهدهم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم فتح مكة الى مدّة . فلما نزلت الآيات من أول براءة دفعها رسول اللّه الى أبي بكر وأمره أن يخرج الى مكة ، فإذا كان يوم النحر بمنى قرأها للناس . فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل عليه‏السلام على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال له : يا محمّد ، لا يؤدّي عنك إلاّ رجلٌ منك(2) .

 

        كذا رواه القمي بسنده عن الصادق عليه‏السلام ، فيما روى معاصره العياشي في تفسيره عن أبيه الباقر عليه‏السلام قال : ما بعث رسول اللّه أبا بكر ببراءة . . . ولكنّه استعمله على الموسم . . . وبعدما فصل أبو بكر عن المدينة(3) قال لعلي عليه‏السلام : انّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا وأنت ( ثم ) بعث بها عليا عليه‏السلام (4) .

 



(1) النساء : 87 ـ 90 والخبر في تفسير القمي 1 : 145 ـ 147 وذكر مختصره عنه الطبرسي في مجمع البيان 3 : 135 . وفي تفسير العياشي 1 : 262 عن الصادق عليه‏السلام أنهم بنو مُدلج .

(2) تفسير القمي 1 : 281 ، 282 وكان ذلك لأول ذي القعدة ، وذلك لأن الحج في تلك السنة كان في ذي القعدة بالنسيء ، كما يأتي .

(3) هنا في الخبر : عن الموسم ، بينما قال : فصل ابو بكر ، مرفوعا ، ولا يصحّ هذا ، فيبدو أن الموسم مصحّف عن المدينة فالأصل كما أثبتناه ، وفصل أي انفصل لا عَزَل .

(4) تفسير العياشي 2 : 74 ومثله في خبر ابن عباس في تفسير فرات : 161 ح 203 .

(534)

        وهذا يوافق أخبار الواقديّ بتفصيل جاء فيه : أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قلّد عشرين بدنة النعال وأشعرها بيده في الجانب الأيمن ، واستعمل عليها ناجية بن جُندب الأسلميّ ، واستعمل على الحج أبا بكر وعهد إليه أن يخالف المشركين فلا يقف يوم عرفة بجَمْع ـ اى المزدلفة ـ بل يقف يوم عرفة بعرَفة(1) . . . ثم لا يندفع من عرفة حتى تغرب الشمس . . . وكان مُفردا بالحج . وخرج معه ثلاثمئة من أهل المدينة من أهل القوة منهم عبد الرحمن بن عوف ، ومعه خمسة بدن . وأهلّ أبو بكر من ذي الحُليفة وسار حتى العَرْج(2) .

 

        فروى العياشي عن علي عليه‏السلام قال : لما ابتعثني النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ببراءة قلت له : يا نبيّ اللّه ، إني لست بلسِنٍ ولا بخطيب ! فقال : ما بُدٌّ أن أذهب بها أو تذهب بها أنت ! فقلت : فان كان لابدّ فسأذهب أنا . قال : فانطِلق ، فانّ اللّه يثبّت لسانك ويهدي قلبك . ثم وضع يده على فمي وقال لي : انطلِق فاقرأها على الناس . . . وسيتقاضى الناس إليك ، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضينّ لواحد حتى تسمع الآخر ، فانّه أجدر أن تعلم الحق(3) .

 



(1) ونحوه في خبر ابن عباس في تفسير فرات : 161 ح203 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1077 وكذلك المسعودي في مروج الذهب 2 : 290 والتنبيه والاشراف : 186 وفيهما : حجّ بالناس ، بلا عدد . وذكره الواقدي ثم ابن الأثير في « الكامل في التاريخ » وذكر البدن الخمسة لأبي بكر ، ولكنه قال : فعاد أبو بكر الى المدينة . ولم يذكر الطبري شيئا من ذلك ! ونقل المجلسي ما في الكامل في بحار الأنوار 35 : 309 والاعتبار يُساعد حجّ مثل هذا الجمع . فمن المستبعد جدّا أن يكون المبعوث أبا بكر وحده كما يبدو من سائر الأخبار ، أو عليا عليه‏السلام بعده كذلك بدون أن يحجّ أحد من المسلمين تلك الحجة بعد فتح مكة !

(3) تفسير العياشي 2 : 75 ح9 .

(535)

        وروى القمي عنه عليه‏السلام قال : إن رسول اللّه أمرني أن اُبلّغ عن اللّه :

 

        1 ـ أن لا يطوف بالبيت عريان .

        2 ـ ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام .

        3 ـ وأن أقرأ عليهم : « بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ... » فأحلّ اللّه للمشركين الذين حجّوا تلك السنة أربعة أشهر حتى يرجعوا الى مأمنهم ، ثم يُقتلون حيث وُجدوا(1) .

        وروى العياشي عنه عليه‏السلام قال : إنّ رسول اللّه . . . دعا عليا عليه‏السلام فأمره أن يركب ناقته العَضباء(2) فيلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة فيقرأها على الناس بمكة(3) فلحقه بالرّوحاء(4) .

 

        وروى الواقدي : أن الناقة كانت القَصواء ، وأن أبا بكر كان قد سار حتى العَرْج(5) فكان فيه في السحر إذ سمع رُغاء ناقة رسول اللّه القَصواء ! فقال : هذه هي القَصواء ! فنظر فإذا عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام عليها(6) .

 

        ورووا عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : كنّا معه بالعَرْج إذ ثوَّب ( أي أذّن ) للصبح ، فلما استوى للتكبير سمع رغوة ناقة من خلفه ( أي من جهة المدينة )


(1) تفسير القمي 1 : 282 ومثله عنه عليه‏السلام في مجمع البيان 5 : 7 عن الحاكم الحسكاني .

(2) الناقة العَضباء : القصيرة اليدين ، وكانت مشقوقة الاذن . مجمع البحرين .

(3) تفسير العياشي 2: 73، 74 ح4.

(4) تفسير القمي 1 : 282 وفي مسند أحمد : أنه سار بها ثلاثا ، كما في كشف الغمة 1 : 300 .

(5) وفي تفسير فرات الكوفي : 158 ح17 عن الصادق عليه‏السلام : بلغ الجحفة . وفي : 160 ح27 عن ابن عباس : بذي الحُليفة . وكذلك في خبرين عن مسند أحمد في الطرائف وعنه في بحار الأنوار 35 : 305 .

(6) مغازي الواقدي 2 : 1077 .

(536)

فقال : هذه رغوة ناقة رسول اللّه الجدعاء . . . فلعلّه يكون رسول اللّه فنصلّي معه . فإذا عليّ عليها ، فقال أبو بكر : أميرٌ أم رسول ؟ قال : لا ، بل رسول ، أرسلني رسول اللّه ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج(1) .

 

        وقال المفيد في « الارشاد » : فلما رآه فزع من لحوقه به ، فاستقبله وقال له : يا أبا الحسن ، فيم جئت ؟ أسائر معي أنت ؟ ! أم لغير ذلك ؟ فقال علي عليه‏السلام : إن رسول اللّه أمرني أن الحقك فأقِبض منك الآيات من براءة وأنبِذ بها عهد المشركين إليهم ، وأمرني أن اُخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه . فقال أبو بكر : بل أرجع إليه . وعاد الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        فلما دخل عليه قال له : يا رسول اللّه ، إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق فيه إليّ ، فلما توجّهت له رددتني عنه ، مالي ؟ أنزلَ فيّ قرآن ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا ، ولكنّ الأمينَ هبط إليّ عن اللّه جلّ جلاله ، بأ نّه : لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك ، وعلي منّي ، فلا يؤدّي عنّي إلاّ علي(2) .

        وفيما عدا « الارشاد » جاء رجوع أبي بكر الى المدينة في خبر القمي في تفسيره بسنده عن أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه‏السلام مثله تقريبا ، وفي خبر فرات الكوفي في تفسيره عن ابن عباس بزيادة : وأنا وعلي من شجرة واحدة والناس من شجر شتى(3) .

 

        وكذلك جاء ذلك فيما رواه السيد في « الاقبال » عن كتاب « عمل ذي الحجة » للحسن بن اُشناس البزّاز ، من نسخة عتيقة بخطه بتاريخ 437ه . بسنده عن


(1) الغدير 6 : 344 عن الخصائص للنسائي : 92 بتحقيق الأميني ، وعن مصادر اُخرى .

(2) الارشاد 1 : 65 ، 66 ، ومناقب الحلبي عن ابن عباس 2 : 126 .

(3) تفسير فرات الكوفي عن ابن عباس : 161 ح203 .

(537)

الباقر عليه‏السلام وفيه قال : فلحقه وأخذها منه وقال له : ارجع الى النبيّ . فقال أبو بكر : هل حدث فيّ شيء ؟ فقال علي عليه‏السلام : سيخبرك رسول اللّه .

 

        فرجع ابو بكر الى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال له : يا رسول اللّه ، ما كنتَ ترى أ نّي مؤدٍ عنك هذه الرسالة ؟ ! فقال له النبيّ : أبى اللّه أن يؤدّيها إلاّ علي بن أبي طالب ! فأكثر أبو بكر عليه من الكلام فقال له النبيّ : كيف تؤدّيها وأنت صاحبي في الغار(1) .

 

إعلان البراءة في الموسم :

        قال : فانطلق علي عليه‏السلام حتى قدم مكة ، ثم وافى عرفات ، ثم رجع الى جَمْع المزدلفة ثم الى منى ، فذبح وحلق ، ثم صعد على الجبل المُشرف المعروف بالشِعب فأذّن ثلاث مرات : يا أيها الناس ، ألا تسمعون ، إني رسول رسولِ اللّه اليكم ، ثم قرأ : « بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَ نَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ... » الى تسع آيات من أوّلها الى قوله « إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم » .

        ثم لمع بسيفه فكرّرها وأسمع الناس . فقال الناس : من هذا الذي ينادي في الناس ؟ فقال من عرفه من الناس : ما كان ليجترئ على هذا غير عشيرة محمّد ، وهذا ابن عمّ محمّد علي بن أبي طالب ! فناداه بعضهم : أبلغ ابن عمك : أن ليس له عندنا إلاّ ضربا بالسيف وطعنا بالرمح(2) .



(1) الاقبال 2 : 34 و38 وفي 41 : قال بعض نقلَة هذا الحديث : إن قول النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الحديث لأبي بكر لما اعتذر عن انفاذه الى الكفار : أنت صاحبي في الغار معناه : انك كنت معي في الغار فجزعت ذلك الجزع حتى أني سكّنتك وقلت لك : لا تحزن ، وما كان قد دنا شرّ لقاء المشركين ، وما كانت لك اُسوة بنفسي ، فكيف تقوى على لقاء الكفّار بسورة براءة وما أنا معك بل أنت وحدك ؟ !

(2) الاقبال 2 : 39 .

(538)

        وفي كتابه عن رجال العامة قالوا : إن عليا عليه‏السلام كان قد قتل يوم الخندق عمرو بن عبد اللّه ، فلما أعلن البراءة لقيه اخوا عمرو : خراش وشعبة ، فقال له شعبة : ليس بيننا وبين ابن عمك إلاّ السيف والرمح ، وان شئت بدأنا بك ! وقال له اخوه خراش : علي، ما تسيرُنا أربعة أشهر، بل برئنا منك ومن ابن عمك إلاّ من الطعن والضرب(1) . فأقام أيام التشريق ثلاثة ينادي بذلك ويقرأ براءة غدوة وعشية(2) .

 

        وروى العياشي عن حريز عن الصادق عليه‏السلام قال : لما كان يوم النحر ـ وهو يوم الحج الأكبر ـ وكان بعد الظهر(3) وفرغ الناس من رمي الجمرة الكبرى قام علي عليه‏السلام عندها ثم اخترط سيفه وقال : لا يطوفنّ بالبيت عُريان ، ولا يحجنّ بالبيت مشرك ولا مشركة ، ومن كانت له مدة فهو الى مدّته ، ومن لم تكن له مدة فمدّته أربعة أشهر(4) فقال له رجل : فمن أراد منا أن يلقى محمّدا في بعض الاُمور بعد الأشهر الأربعة فليس له عهد ؟ ! قال علي عليه‏السلام : بلى ، إن اللّه قال : « وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ... »(5) وفي أيام التشريق ( 11 و 12 و 13 )(6) وفي أيام الموسم كلها ينادي : لا يطوفنّ عريان ، ولا يقربنّ المسجد الحرام بعد عامنا مشرك(7) .

 



(1) الاقبال 2 : 41 .

(2) الاقبال 2 : 39 .

(3) تفسير العياشي 2 : 74 ح4 .

(4) تفسير العياشي 2 : 74 ح7 .

(5) مناقب آل أبي طالب عن تفسير القُشيري 2 : 127 .

(6) تفسير العياشي 2 : 74 ح 5 .

(7) تفسير العياشي 2 : 75 ح8 . وعنه في مجمع البيان 6 : 706 . وروى فيه الصدوق في علل الشرائع 1 : 224 ، 225 أربعة أخبار عن سعد بن أبي وقاص ، وأنس بن مالك ، وابن î؛ عباس وابن عمر . وروى الخبر الواقدي في المغازي 2 : 1078 والمسعودي في مروج الذهب 2 : 290 والتنبيه والاشراف : 186 .

(539)

        وقال المسعودي : كان المتولّون للنسيئة من العرب في الجاهلية من بني الحارث بن كِنانة . . . وكانوا يُنسِئون في كل ثلاث سنين شهرا يسقطونه من السنة ويسمّون الشهر الذي يليه باسمه ، ويجعلون اليوم الثامن والتاسع والعاشر من ذلك الشهر : يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ، ثم يديرون ذلك في سائر الشهور .

 

        فكان النحر في آخر حجّة حجّها المشركون في العاشر من ذي القِعْدة . . . فكانت الأشهر في قوله تعالى : « فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ » : عشرين يوما من باقي ذي القعدة ، وذا الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وعشرة أيام من شهر ربيع الأول(1) .

        ولم يُوحَ الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله شيء في أمر علي عليه‏السلام وما كان منه ، وأبطأ عنه خبره ، وكان عليه‏السلام في رجوعه مقتصدا في سيره . فاغتمّ لذلك النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله غمّا شديدا حتى رُئي ذلك في وجهه . وكفّ عن النساء من الهمّ والغمّ .

 

        وقد كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذا صلى الصبح بقي مستقبل القبلة الى طلوع الشمس يذكر اللّه عزّوجلّ ، وقد أمر عليا عليه‏السلام أن يتقدم خلفه فيستقبل الناس بوجهه فيراجعونه في حوائجهم . حتى وجّه عليا عليه‏السلام الى الحجّ ، فلم يجعل أحدا مكان علي عليه‏السلام .


(1) التنبيه والاشراف : 186 و187 ونقله الطوسي في التبيان 5 : 96 عن أبي علي الجُبائي إلاّ أنه قال : في العشرين من ذي القعدة . وعنه في مجمع البيان 5 : 6 وعن الحسن وقتادة ثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وزيد بن نفيع والباقر عليه‏السلام . وعليه فشهر ذي الحجة من تلك السنة يبقى سليما عما ينافي وفود نصارى نجران ومباهلتهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

(540)

        فقال بعضهم لأبي ذر : قد ترى ما برسول اللّه ، وقد نعلم منزلتك منه ، فنحن نحبّ أن تعلم لنا أمره ، فسأل أبو ذرّ النبيّ عن ذلك ، فقال : ما نُعيت إليّ نفسي ، وما وجدت في امّتي إلاّ خيرا ، وما بي مرض ، ولكن من شدة وجدي لعليّ بن أبي طالب وابطاء الوحي عليّ في أمره . فاستأذنه ابو ذر ليخرج من المدينة في حاجته فأذن له .

        فخرج أبو ذر من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، فلما كان ببعض الطريق إذا هو براكب ناقة مقبلاً فإذا هو علي عليه‏السلام ، فاستقبله والتزمه وقبّله وقال : بأبي أنت واُمّي ، اقصِد في مسيرك حتى اكون أنا الذي اُبشّر رسولَ اللّه ، فان رسول اللّه من أمرك في غم شديد . فأنعم له علي عليه‏السلام . فانطلق أبو ذر مسرعا حتى أتى النبيّ فقال له : البشرى . قال : وما بشراك يا أبا ذر ؟ قال : قدم علي بن أبي طالب . فقال له : لك بذلك الجنة ، ثم ركب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وركب معه الناس .

        فلما رآه علي عليه‏السلام أناخ ناقته ، ونزل رسول اللّه ، فتلقّاه والتزمه وعانقه ووضع خدّه على منكب علي ، وبكى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فرحا بقدومه وبكى معه علي عليه‏السلام ثمّ قال له رسول اللّه : ما صنعت بأبي أنت واُمي ، فان الوحي اُبطئ عليّ في أمرك ؟ فأخبره بما صنع ، فقال رسول اللّه : كان اللّه عزّ وجل أعلم بك منّي حين أمرني بارسالك(1) .

        وروى الحلبيّ عن ابن الصوفيّ عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : قال اللّه تعالى : « وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ »(2) وقال تعالى : « قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسا


(1) الاقبال 2 : 38 ـ 41 .

(2) الشعراء : 10 ـ 14 .

(541)

فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ »(1) وهذا عليّ قد أنفذته ليسترجع براءة ويقرأها على أهل مكة ، وقد قتل منهم خلقا عظيما، فماخاف ولاتوقّف، ولاتأخذه في اللّه لومة لائم(2) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p17.htm