(2) التي تلوم عليها : الاسلام . أبو سُلمى : أبوهما ، ويقول : دينه عليّ محرّم جوابا لقول أخيه : على خلق لم تلف اُما ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا .

(489)

لمقتول ، فضاقت به الأرض وخاف على نفسه ولم يجد بدا من أن يستجيب لأخيه ويُسلم ويكفّر عن هجوه النبيّ بمدحه بقصيدة ، فنظم قصيدته اللامية نحو ستين بيتا ، وحملها وخرج نحو المدينة .

 

        ولم يستجر بأخيه بُجير لأمرٍ ما ، وانما كان يعرف رجلاً من جُهينة فنزل عليه ليلاً وعرّفه أمره .

        فلما أذّن بلال لصلاة الفجر خرج الجُهني بكعب وصليا مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم أشار إليه وقال : هذا رسول اللّه فقم إليه فاستأمنه .

        فقام الى رسول اللّه حتى جلس إليه ، ورسول اللّه لا يعرفه ، فوضع يـده في يده وقال : يا رسول اللّه ، ان كعب بن زهير قد جـاء ليستأمن منك تائبا مسلما ، فان أنا جئتك به فهل أنت قابل منه ؟ قال : نعم . فقال : يا رسول اللّه فأنا كعب بن زهير . فوثب رجل من الأنصار وقال : يا رسول اللّه ، دعني وعدوّ اللّه اضرب عنقه ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : دعه عنك ، فانه قد جاء تائبا نازعا عما كان عليه(1) فأسلم(2) .

        وقال ابن هشام : انما قال كعب قصيدته في المدينة بعد قدومه اليها(3) .

 

        ويؤيّده ما رواه ابن اسحاق عن عاصم بن قتادة الأنصاري : أن كعبا في قصيدته لم يخص المهاجرين بمدحته ، بل عرّض بهم بقوله فيها عنهم « السود التنابيل » ـ أي السود القصار ـ(4) فروى ابن هشام انه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حين انشده كعب قصيدته قال له : لو لا ذكرت الأنصار بخير فانهم لذلك


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 146 ، 147 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 157 .

(3) ابن هشام في السيرة 4 : 157 .

(4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 157 .

(490)

أهـل(1) . فقال قصيدة رائية يمدح بها الأنصار يذكر موضعهم في اليمن وبلاءهم مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        وأنشد قصيدته له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لديه في مسجده(2) فقال فيها :

فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
 (1) التبيان 5 : 296 ، 297 وعنه في مجمع البيان 5 : 104 ، 105 وقالوا : نصب خيمة . والقين

(2) التبيان 5 : 316 وعنه في مجمع البيان 5 : 120 وفيه : 100 قال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر وثعلبة بن وديعة وأوس بن حذام تخلّفوا عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عند مخرجه الى تبوك ، فلما بلغهم ما انزل اللّه فيمن تخلّف عن نبيّه أيقنوا بالهلاك وأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول اللّه (كذا) فلما نزل قوله « عَسَى اللّه‏َُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » عمد النبيّ اليهم فحلّهم . فهو يفترض نزول الآيات فيمن تخلّف قبل قدومه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من تبوك ثم نزول قبول توبتهم بعد ذلك ، وانهم بقوا هذه المدة موثقين بسواري المسجد !

(487)

من السرور فلمّا رآني قال لي : أبشر بخير يومٍ طلع عليك شرقه منذ ولدتك امك ! فقلت : يا رسول اللّه من عندك أو من اللّه ؟ فقال : من عند اللّه . فتصدّق كعب بثلث ماله شكرا للّه على قبول توبته(1) .

 

 

إسلام كعب بن زهير الشاعر(2) :

        كان لكعب أخ يدعى بُجير بن زهير كان قد أسلم وهاجر الى المدينة ، وكان كعب ممن يؤذي النبي ويهجوه ، فلما أسلم أخوه بُجير وهاجر هجاه بقوله :

 

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

احراق مسجد النفاق :

        قال ابن اسحاق : ثم اقبل رسول اللّه حتى نزل بذي أوان : بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار(1) فيقال : خرج إليه المنافقون المتخلّفون يستقبلونه ، فقال رسول اللّه : لا تكلّموا أحدا منهم تخلّف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم(2) .

        وأتاه خبر مسجد الضرار وأهله من السماء(3) قال القمي : فبعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عامر بن عدي من بني عمرو بن عوف الأوسي ومالك بن الدُّخْشم الخُزاعي على أن يحرّقوه ويهدّموه ! فلما بلغا الى قُباء ذهب مالك الخزاعي الى داره فجاء بناره ، وأشعل به سعف النخل ثم أشعله في المسجد ، وكانوا فيه فتفرّقوا فلمّا احترق البناء هدّموا حيطانه(4) .

 



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 174 .                     ( 2 ) مغازي الواقدي 2 : 1049 .

 

(2) لم يذكر ابن اسحاق : من السماء ولم يذكر الواقدي : في القرآن ، وزاد القمي 2 : 305 والطبرسي 5 : 109 نزلت عليه الآية بشأن المسجد . ثم يصرح هو بأن سورة التوبة وآيات مسجد الضرار نزلت بعد رجوعه بأكثر من خمسين يوما 5 : 105 و120 .

(3) تفسير القمي 1 : 305 .

(481)

        ويبدو انّ الطوسي في « التبيان » نقل عن قتادة ومجاهد عن ابن عباس قال : دعا رسول اللّه عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الدخشم وهو من بني عمرو بن عوف وقال لهما : انطلقا الى هذا المسجد الظالم أهله فأهدماه ثم حرّقاه ! فخرجا يمشيان على أقدامهما ! ففعلوا ما اُمروا به(1) .

 

        وزاد الطبرسي في « مجمع البيان » قال : وروى انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعث عمار بن ياسر ومعه وحشي ـ قاتل حمزة ـ ليحرّقوه ، وأمر أن يتّخذ موضعه كناسة تُلقى فيها النفايات(2) .

 

 

والى المدينة :

        وصبّح النبي الى المدينة(3) في شهر رمضان(4) روى انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما أشرف على


(1) التبيان 5 : 298 .

(2) مجمع البيان 5 : 110 هذا والمعروف ان النبي قال لوحشي يوم اسلامه بعد فتح مكة : اعزُب وجهك عنّي . وزاد الواقدي : انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم فيه ، وامامهم مجمّع بن جارية بن عامر ، فأحرقوه ، وثبت فيه اخو مجمع زيد بن جارية بن عامر فاحترقت اليته . مغازي الواقدي 2: 1046 واشتبه اسم الرجل بزيد بن حارثة فجاء هكذا في تفسير القمي والتبيان ، مع انّه سماه ابن عامر وليس زيد بن حارثة بن عامر ! وتركه الطبرسي .

    واما عن أمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ان يُتّخذ موضعه كنُاسة ، فقد روى الواقدي : انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد نزول سورة التوبة والآيات بشأن المسجد عرض على عدي بن عاصم أن يتخذه دارا فأبى واقترح أن يعطيه لثابت بن أقرم فانه لا منزل له فاعطاه اياه . وهذا أولى وأقرب وأنسب ، وهو يفيد مصادرته لموضع المسجد ، كأنه غنيمة حرب لمحاربين للاسلام .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 177 ومغازي الواقدي 2 : 1049 .

(4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 182 ومغازي الواقدي 2 : 1056 عن عائشة .

(482)

المدينة قال : هذه طابة ، وهذا اُحد جبل يحبّنا ونحبّه ! ثم قال : انّ بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد الاّ كانوا معكم فيه ! فقالوا : يا رسول اللّه وهم بالمدينة ؟ ! قال : نعم ، وهُم بالمدينة ، حبسهم العُذر(1) .

 

        وعن كتاب أبان بن عثمان البجلي الأحمر الكوفي عن الأعمش الكوفي قال : وقدم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المدينة ، فاستُقبل بالحسن والحسين عليهماالسلام ، فأخذهما إليه ودخل على امهما ابنته فاطمة وعلي عليهماالسلام ، وانتظره المسلمون على الباب ، حتى اذا خرج حفّوا به حتى دخل منزله ، ثم تفرّقوا عنه(2) .

 

        ثم بدأ بالمسجد فصلّى فيه ركعتين ( تحية المسجد ) ثم جلس للناس ، وهكذا كان يفعل اذا قدم من السفر . وكان قد تخلّف عنه بضعة وثمانون رجلاً(3) ، فأخذ هؤلاء يأتون إليه فيعتذرون إليه ويحلفون له ، فيكل سرائرهم الى اللّه ويقبل منهم ايمانهم وعلانيتهم فيستغفر لهم(4) .

 

 

الثلاثة المتخلّفون :

        وقد مرّ ذكر نفر ممّن تعوّق عن اللحاق به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بلا شك ونفاق ، منهم كعب بن


(1) مغازي الواقدي 2 : 1056 ولو كان خروجه في 25 رجب ووصوله الى تبوك في 15 شعبان وعودته منها في 5 رمضان فوصوله في 25 رمضان .

(2) اعلام الورى 1 : 247 عن كتاب أبان .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 177 ومغازي الواقدي 2 : 1049 و 995 وقال أيضا : عسكر الرسول على ثنيّة الوداع ، وعسكر عبد اللّه بن اُبي بحذائه فكان يقال : ليس عسكره بأقل العسكرين وكذلك في السيرة 4 : 162 ! ثم لم يبين ما النسبة بين هذا القول وبين كون المتخلفين ثمانين رجلاً ؟ !

(4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 177 ومغازي الواقدي 2 : 1049 .

(483)

مالك شاعره ، وقد مرّ صدر خبره عن تفسير القمي ، واليكم هنا بقيته ، يقول عن نفسه وصاحبيه مُرارة بن الربيع وهلال بن امية الواقفي :

 

        لما بلغنا اقبال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ندمنا ، فلما وافى رسول اللّه استقبلناه(1) نهنئه بالسلامة ، فسلّمنا عليه ، فاعرض عنّا ولم يرد علينا السلام(2) وسلمنا على اخواننا فلم يردّوا علينا السلام . وبلغ ذلك أهلنا فقطعوا كلامنا ! وكنا نحضر المسجد فلا يسلّم علينا احد ولا يكلّمنا ! وجاء نساؤنا الى رسول اللّه فقلن له : قد بلغنا سخطك على أزواجنا ، أفنعتزلهم ؟

        فقال رسول اللّه : لا تعتزلنهم ولكن لا يقربوكن !

        فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حلّ بهم قالوا : ما يُقعدنا في المدينة ولايكلّمنا رسول اللّه ولا اخواننا ولا أهلونا ؟ ! فهلمّوا نخرج الى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب اللّه علينا أو نموت ! فخرجوا الى جبل ذناب(3) بالمدينة ، فكانوا يصومون، وكان أهلوهم‏يأتون‏بالطعام‏فيضعونه ناحية ثم‏يولّون عنهم فلايكلّمونهم .


(1) كذا رواه القمي مرسلاً ، ورواه الواقدي في المغازي 2 : 1049 ـ 1056 وابن اسحاق في السيرة 4 : 175 ـ 180 مسندا وفيه : وصبّح رسول اللّه المدينة وبدأ بالمسجد فصلّى ركعتين ثم جلس للناس فجئت فسلّمت عليه فتبسّم مغضبا ثم قال : تعال ...

(2) كذا ، ولا يقول به الفقهاء حتى في الانكار على أصحاب المنكرات .

(3) وروى الواقدي في المغازي 2 : 1056 عن ايوب عن أبيه النعمان عن أبيه عبد اللّه عن أبيه كعب بن مالك (وكان مالك يكنّى أبا القين) : ان كعب بن مالك بنى خيمة ( كذا ) على جبل سلع وقال في شعر له :

 أبعد دور بني القين الكرام وما  شادوا عليّ ، بنيت البيت من سعفِ

    ونقله الطوسي في التبيان 5 : 297 عن مجاهد وقتادة ، وعنه في مجمع البيان 5 : 105 .

(484)

        فبقوا على هذا أياما كثيرة(1) يبكون بالليل والنهار ويدعون اللّه أن يغفر لهم . فلما طال عليهم الأمر قال لهم كعب : يا قوم ، قد سخط اللّه علينا ورسوله واهلونا وإخواننا فلا يكلمنا أحد ، فلم لا يسخط بعضنا على بعض ؟ فحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت وتفرّقوا في الليل وبقوا على هذه ثلاثة أيام ، كل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلّمه . وفي الليلة الثالثة كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في بيت ام سلمة ، اذ نزلت توبتهم على رسول اللّه قوله : « لَقَدْ تَابَ اللّه‏َُ . . . »(2) .

        ونقل الطوسي في « التبيان » عن مجاهد وقتادة عن ابن عباس وعن جابر


(1) وفي خبر كعب في السيرة 4: 178 و 179 و 180 ومغازي الواقدي 2: 1051 و 1052 و1053 وفي التبيان 5: 296 عن مجاهد وقتادة وعنه في مجمع البيان 5: 105 جاء: خمسين ليلة.

(2) وفصّله الواقدي عن اُمّ سلمة قالت : قال لي رسول اللّه ليلاً : يا اُمّ سلمة ، قد نزلت توبة كعب بن مالك وصاحبيه ! فقلت : يا رسول اللّه الا اُرسل اليهم فاُبشّرهم ؟ ! فقال : لا ، لا يُرون حتى يصبحوا .

    فلمّا صلّى رسول اللّه الصبح أخبر الناس بتوبة اللّه على هؤلاء النفر : كعب بن مالك ومُرارة بن الربيع وهلال بن اُمية من بني عبد الأشهل ، وكان قد وافى لصلاة الصبح من بني عبد الأشهل الأخوان أبو نائلة سِلكان وسلمة ابنا سلامة بن وقش ، فانطلقا الى مرارة فأخبراه . وخرج ابو الأعور سعيد بن زيد الى هلال ببني واقف ، فلمّا بشّره سجد وبكى وكان بكاؤه بالسرور أكثر منه بالحزن ! ثم قام فما استطاع المشي لمافيه من الضعف فركب حمارا . وخرج الزبير على فرسه الى بطن الوادي (عن الواقدي) وسعى ساع من بني أسلم حتى أوفى على جبل سلع فبلغني صوته قبل الراكب ، فلما جاءني لم أكن املك يومئذٍ سوى ثوبين عليّ فنزعتهما وكسوتهما اياه بشارة ، واستعرت ثوبين لنفسي وانطلقت الى رسول اللّه (السيرة) وقال الواقدي : انّ الذي وافى كعبا على سلع هو ابو بكر ، ولم يرو قصة الثوبين ! 2 : 1053 .

(485)

الأنصاري : انه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعدما عذر المنافقين وجميع المتخلّفين وكانوا نيّفا وثمانين ، نهى عن الكلام مع هؤلاء الثلاثة(1) وتقدم الى المسلمين بأن لا يكلّمهم أحد منهم . فهجرهم الناس حتى الصبيان .

 

        وجاءت نساؤهم الى رسول اللّه فقلن له : يا رسول اللّه نعتزلهم ؟ فقال : لا ، ولكن لا يقربوكن(2) .



(1) التبيان 5 : 296 وعنه في مجمع البيان 5 : 104 .

(2) التبيان 5 : 316 وعنه في مجمع البيان 5 : 120 وفصّله ابن اسحاق في السيرة 4 : 178 عن الزهري عن عبد الرحمن عن أبيه عبد اللّه عن أبيه كعب بن مالك ، قال : اجتنبنا الناس وتغيّروا لنا حتى تنكرت لي الأرض فما هي التي كنت أعرف ! حتى مضت أربعون ليلة ، إذْ أتاني رسول من قبل رسول اللّه ( خزيمة بن ثابت ـ الواقدي ) فقال : انّ رسول اللّه يأمرك أن تعتزل امرأتك ! فقلت : اُطلّقها ؟ قال لا ولكن اعتزِلْها ولا تقربها ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر ما هو قاض . هذا وأنا شاب .

    وكان هلال بن اُمية شيخا كبيرا لا خادم له ، فمضت امرأته الى رسول اللّه فقالت : يا رسول اللّه ، إنّ هلال بن اُمية شيخ كبير لا خادم له أفتكره أن أخدمه ؟ قال : لا ولكن لا يقربنك ! قالت : يا رسول اللّه واللّه ما به حركة الي ، واللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان الى يومه هذا حتى تخوفت على بصره !

    فلما أذن لامرأة هلال أن تخدمه قال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه لامرأتك أن تخدمك ، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه . فقلت : لا استأذنه فانّي لا أدري ما يقول في ذلك وأنا شاب .

    ونزلت يوما الى السوق، فبينا أنا فيه إذا نبطيّ من أهل الشام كان قد قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلّني على كعب بن مالك؟ فأشار إليه الناس فجاءني، وإذا به يحمل إليّ رسالة فيشقة من حرير من ملك بنيغسّان، فقرأتها فإذا فيها: «أما بعد فانّه قد بلغنا انّ‏صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة! فالحق بنا نواسيك» فقلت في نفسي:î؛ قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع فيّ رجل من أهل الشرك ! فهذا من البلاء أيضا . وذكره الواقدي في المغازي 2 : 1051 وردّد اسم الملك بين جبلة بن الايهم وبين الحارث بن أبي شمر .

(486)

        فأقام هؤلاء الثلاثة على ذلك ، وأقام كعب لنفسه على جبل سلع كوخا من سعف النخيل وقال في ذلك شعرا :

 

 أبعد دور بني القين الكرام وما  شادوا عليّ ، بنيت البيت من سعف ؟ !(1)
        وخرجوا الى رؤوس الجبال ، فكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ويتركونه لهم ولا يكلّمونهم . فقال بعضهم لبعض : قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد ، فهلاّ نتهاجر نحن أيضا ؟ ! فتفرّقوا ولم يجتمعوا وثبتوا على ذلك نيفا وأربعين يوما(2) أو خمسين ليلة . . .

 

        ثم نزلت الآيات بتوبتهم ليلاً ، فأصبح المسلمون يبتدرونهم يبشّرونهم . قال كعب : وكان رسول اللّه إذا سُرَّ يستبشر كأن وجهه فلقة قمر ، فجئته واذا وجهه يُبرق
اسم جدّه كما في الاستيعاب : 1323 . وكما في مغازي الواقدي 2 : 1056 وروى البيت عن أيوب بن النعمان بن عبد اللّه بن كعب .


 
 فمن مبلغ عني بُجيرا رسالة  فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
 شربت مع المأمون كأسا رويّةً  فأنهلك المأمون منها وعلّكا(3)
 (3) يقول له : شربت مع النبي الأمين شراب الاسلام فسقاك النهل وهو الشربة الاولى وسقاك العلَلَ وهي الشربة الثانية .

(4) وَيْب غيرك : هلاك غيرك .                 (5) كقولهم : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين .

 

(5) يقول له : وان ما عثرت في دهرك لا أقول لك : لعا لك ، وهي كلمة كانت تُقال للعاثر .

(488)

        وبعث بها الى بُجير .

 

        قال ابن اسحاق : وانما قال كعب : « مع المأمون » لما كانت تقوله قريش لرسول اللّه « الأمين » ، ولما أنشدها بُجير له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وسمع منها : سقـاك بها المأمون ، قال : صدق ، أنا المأمون ، وانه لكذوب . ولما سمع : على خُلق لم تُلف اُما ولا أبا عليه قال : اجل ، لم يُلف عليه أباه ولا اُمه . ومن لقي منكم كعب بن زهير فليقتله(1) .

        ولما فتح النبيّ مكة وقتل رجالاً منهم ممن كان يهجوه ويؤذيه وهرب هُبيرة بن أبي وهب وابن الزبعرى من شعراء قريش ، وعفا عمن جاءه تائبا منهم ، كان كعب بن زهير ممن هرب على وجهه ، فكتب إليه اخوه بُجير بن زهير : انّ رسول اللّه قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وان من بقي من شعراء قريش : ابن الزبعرى وهُبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه ، فان كانت لك في نفسك حاجة فطر الى رسول اللّه ، فانه لا يقتل احدا جاءه تائبا ، وان أنت لم تفعل فانج الى نجائك من الأرض . وكتب إليه شعرا :

 

 فمن مبلغ كعبا : فهل لك في التي  تلوم عليها باطلاً وهي أحزم ؟
 الى اللّه لاالعزى ولا اللات وحده  فتنجوا اذا كان النجاء وتسلم
 لدى يوم لا ينجو وليس بمفلتٍ  من الناس الا طاهر القلب مسلم
 فدين زهير ـ وهو لا شيء دينه ـ  ودين أبي سُلمى عليّ محرّم(2)
        فلما بلغ الكتاب الى كعب وعلم به الناس في حيّه الذي هو فيه ، قالوا فيه : انّه


(1) نقله الزرقاني في المواهب اللدنية في شرح السيرة النبوية عن ابن الأنباري . وما قبله عن ابن هشام في السيرة 4 : 145 .

 
 انّ الرسول لسيفٌ يستضاء به  مُهنّد من سيوف اللّه مسلول(3)
        فروى ابن الأثير الجزري : انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حين انشاد كعب لقصيدته كانت عليه بردة ، فكساه بها(7) .

 



(1) ابن هشام في السيرة 4 : 157 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 158 .

   (3) مهند : السيف الهندي ، كان يؤتى به من الهند ، وكان مستحسنا ، وكان من عادة العرب ان يعلقوا السيف في الشمس فيبرق فيأتيهم الناس بلمعان بريقه .

(4) يمدح المهاجرين من قريش اذا أسلموا فقالوا لهم : هاجروا عنا .

(5) العرانين : الانوف . شمّ : عال مرتفع . نسج داود : دروع داودية .

(6) الوشاة : السعاة بالكذب . وهذه الابيات عن ( مناقب آل أبي طالب ) 1 : 168 ، 169 .

(7) قال : فلما كان زمن معاوية ارسل الى كعب ان بعنا بردة رسول اللّه . فقال : ما كنت لاُوثر بثوب رسول اللّه احدا . فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم . فلبسها بنو اُمية ثم بنو العباس وكانت على المستعصم العباسي لما خرج الى هولاكو î؛ فقتله واحرق البُردة وذرّها في دجلة . الكامل في التاريخ 2 : 276 والى كسوة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لكعب أشار الحسين عليه‏السلام قال : وقد أثاب رسول اللّه كعب بن زهير، كما في مناقب آل أبي طالب 4 : 65 عن اُنس المجالس ومن شعر كعب في علي عليه‏السلام قال :

 صهر النبي وخير الناس كلهم  وكل من رامه بالفخر مفخور
 صلى الصلاة مع الاُمّي أوّلهم  قبل العباد وربّ الناس مكفور

    كما في الفصول المختارة من العيون والمحاسن : 268 .

(491)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p12.htm