فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وإسلام فئام من جذام :

        جِذام ولخم ابنا عدي من بطون كهلان وأبوا قبيلتين وأعمام كندة ، ومساكنهم من مدين الى تبوك فاذرح ، وكان لهم صنم يُسمّى الاُقيصر في مشارف الشام ، فكانوا يحجون إليه فيحلقون رؤوسهم لديه ، وفي مواطنهم يعبدون المشتري .

        ومرّ خبر سريّة زيد بن اُسامة اليهم ، وحضروا وشاركوا في جيوش الغساسنة والروم في غزوة مؤتة ، وسمع الرسول باجتماعهم لحربه في البلقاء من تبوك .

        وسمع منهم مالك بن الأحمر بقدومه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى تبوك ، فوفد إليه واسلم ، ثم سأله أن يكتب له كتابا يدعو به قومه الى الاسلام ، فكتب له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في رقعة أدم بطول شبر وعرض أربعة أصابع : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمّد رسول اللّه لمالك بن الأحمر ولمن تبعه من المسلمين : أمانا لهم ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، واتّبعوا المسلمين وجانبوا المشركين ، وأدوا الخمس من المغنم وسهم الغارمين . . . فهم آمنون بأمان اللّه عزّ وجل ، وأمان محمّد رسول اللّه »(2) .

        قال الطبرسي : وبعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو بتبوك بأبي عبيدة بن الجرّاح الى بني جِذام فأصاب بعضهم وسبى منهم سبايا . وبعث سعد بن عبادة الى ناس من بني سُليم وبليٍّ فلما قاربهم هربوا(3) .

 


(1) مغازي الواقدي 2 : 1031 وانظر مكاتيب الرسول 2 : 300 .

(2) فتوح البلدان : 79 ولسان الميزان 3 : 20 والاصابة 3 برقم 7593 واُسد الغابة 4 : 271 وانظر مكاتيب الرسول 2 : 349 .

(470)

        وكان هرقل في موضعه ( حمص(1) أو دمشق )(2) لم يزحف ولم يتحرك ، وكان الذي اُشيع فيالمدينة أنه بعث أصحابه ودنا الى أدنى الشام باطلاً(3) .

 

 

الرجوع من تبوك :

        مرّ عن اليعقوبي والطبرسي أنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله انتهى الى تبوك في شهر شعبان(4) وعن ابن اسحاق : انّه أقام بها بضع عشرة ليلة(5) وعن الواقدي أقام عشرين ليلة(6) فقد أقبل إليهم شهر اللّه : شهر رمضان المبارك ، شهر الصيام .

        فأجمع رسول اللّه على الرجوع من تبوك ، وقد أرمل الناس إرمالاً شديدا ، وقد هزلت الابل . . . فدخل عمر بن الخطاب على رسول اللّه فقال : يا رسول اللّه . . .


(1) اعلام الورى 1 : 244 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1015 .

(3) التنبيه والاشراف : 236 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 1019 . وقد قال المفيد : كان اللّه قد أوحى الى نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يسير الى تبوك ، وأعلمه أنه لا يحتاج فيها الى حرب ولا يُمنى بقتال عدو . الارشاد 1 : 154 . وقال الواقدي : شاور رسول اللّه أصحابه للتقدم من تبوك الى الشام ، فقال عمر : ان كنت اُمرت بالمسير فسِر ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لو اُمرت به ما استشرتكم فيه 2 : 1019 مما يؤيد ما أفاده الشيخ المفيد قدس‏سره انّه لم يكن مأمورا من ربّه بأكثر مما مرّ الى هنا في تبوك بلا تقدّم منه الى الشام ، وعليه فلم يرجع عن مشورة . ونقل الواقدي عن عمر قوله : وقد أفزعهم دنوّك 2 : 1019 ولا دليل عليه وقد قال الواقدي : انهم لم يزحفوا ولم يتحركوا ! وعليه فلا يصح ما في سيرة المصطفى : 650 ـ 653 وفي سيد المرسلين 2 : 568 ، 569 .

(5) اليعقوبي 2 : 68 واعلام الورى 1 : 244 .

(6) ابن اسحاق في السيرة 4 : 170 .

(7) مغازي الواقدي 2 : 1015 و 1061 .

(471)

ادع بفضل زادهم ثم اجمعها فادع اللّه فيها بالبركة ـ كما فعلت حيث أرملنا في الحديبية ـ فان اللّه عزّ وجل يستجيب لك ! فأمر أن ينادوا الناس بذلك . فنادى منادي رسول اللّه : مَن كان عنده فضلٌ من زاد فليأت به !

 

        وأمر رسول اللّه فبسطت الانطاع ( الجلود المدبوغة للمائدة ) فجعل الرجل يأتي بالمُدّ من الدقيق والتمر والسويق ، والقبضة منها ، وكِسَر الخبز ، فيوضع كل صنف من ذلك على حدة ، وكل ذلك ثلاثة أفراق ( تسعة أصواع = 26 كغم ) ثم قام النبي فتوضأ وصلّى ركعتين ، ثم دعا اللّه عزّ وجل أن يبارك فيه .

        ثم نادى مناديه : هلمّوا الى الطعام خذوا منه حاجتكم ! فأقبل الناس وجعلوا يتزوّدون الزاد ، وكل من جاء بوعاء او جُراب ملأه دقيقا وسويقا وخبزا ! وكانت الأنطاع تفيض بماعليها حتى انتهوا ورسول اللّه واقف عليهم يقول : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّي عبده ورسوله ، وأشهد انّه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلاّ وقّاه اللّه حرّ النار(1) .

        ورواه الراوندي فقال : شكوا إليه نفاد زادهم فقال : مَن كان عنده شيء من تمر أو دقيق او سويق فليأتني به . فجاء أحدهم بدقيق والآخر بكفّ سويق ، فبسط رداءه فجعلا ذلك عليه ، فوضع احدى يديه على احداهما والاخرى على الاخرى ، ثم قال : نادوا في الناس : من أراد الزاد فليأت ! فأقبل الناس يأخذون حتى ملؤوا جميع ما كان معهم من الأوعية وذلك الدقيق والسويق على حاله ما زاد ولا نقص من واحد منهما شيء على ما كان عليه(2) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 1037 ـ 1039 . عن أربعة من الصحابة : أبي هريرة وأبي زرعة الجُهني وأبي حُميد الساعدي وسهل بن سعد الساعدي .

(2) الخرائج والجرائح 1 : 169 ح 60 .

(472)

 

وكرامة في وادي الناقة :

        وقفل رسول اللّه من تبوك حتى كان قبل وادي الناقة(1) ، وكان فيه حجر من جبل يرشح من أسفله ماء بقدر ما يروي الراكبين أو الثلاثة ، فقال رسول اللّه : من سبقنا الى ذلك الوشل ( الحجر المترشح في الجبل ) فلا يستقين منه شيئا حتى نأتي !

        فسبق إليه أربعة ممن كان مع النبي من المنافقين : الحارث بن يزيد الطائيّ حليف بني عمرو بن عوف الأوسيّين ، وزيد بن اللُصيت ، ومعتِّب بن قُشير ، ووديعة بن ثابت(2) فاستقوا ما فيه ، فلما أتاه رسول اللّه لم ير فيه شيئا ، فسأل : من سبقنا الى هذا الماء ؟ فقيل له : يا رسول اللّه فلان وفلان . فقال : ألم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه ؟ ! ثم لعنهم ودعا عليهم ! ثم نزل فوضع يده تحت رشح الماء فجعل يصبّ في يده فرشّه به ومسحه بيده ودعا(3) فروى الواقدي عن مُعاذ بن جبل كان يقول : فوالذي نفسي بيده انخرق الماء وان له حسّا كحسّ الصواعق ، فشرب الناس واستقوا ما شاؤوا(4) .

        وروى عن سلمة بن سلامة قال : فقلت لوديعة بن ثابت : ويلك ! أبعد ما ترى شيء ؟ ! أما تعتبر ؟ ! فقال : لقد كان يفعل مثل هذا من قبل !(5) .

 

        وروى بسنده عن أبي قتادة قال : بينما نحن مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نسير في الجيش ليلاً . . . ومعي ماء في اداوة وركوة ( قربة صغيرة ) فتوضأ النبي من ماء الاداوة معي


(1) وفي السيرة 4 : 171 : وادي المشقّق .

(2) مغازي الواقدي 3 : 1039 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 171 ومغازي الواقدي 2 : 1039 وقال : ألم أنهكم ؟ !

(4) مغازي الواقدي 2 : 1039 وابن اسحاق في السيرة 4 : 171 بلا ذكر اسم مُعاذ .

(5) مغازي الواقدي 2 : 1039 .

(473)

وفضل منه شيء فقال لي : يا أبا قتادة احتفظ بما في الاداوة والركوة فان لهما شأنا ! . ثم لحقنا الجيش غدا عند زوال الشمس وقد كادت أن تنقطع أعناقهم وخيلهم من العطش ! فدعا رسول اللّه بالركوة وأفرغ فيها ما في الاداوة ثم وضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه وفاض حتى ارتوى الناس وارووا خيلهم وركابهم ! وذلك قوله لي : احتفظ بما في الاداوة والركوة(1) وهو يقول : أشهد أني رسول اللّه حقّا(2) أو : اشهدوا اني رسول اللّه حقا(3) .

 

 

وقبل منزل الحجر :

        وقبل أن يصل منزل الحجر عطش العسكر بعد المرّتين الاوليين عطشا شديدا حتى لا يوجد للشفة ماء قليل ولا كثير ، فشكو ذلك الى رسول اللّه ، فدعا اُسيد بن حُضير فجاء وهو متلثّم ، فقال له رسول اللّه : عسى أن تجد لنا ماءً . فخرج يضرب في كل وجه ، فوجد امرأة معها قربة ماء فأخبرها بخبر رسول اللّه فقالت : فانطلق بهذا الماء الى رسول اللّه . فلما جاء به اُسيد دعا فيه رسول اللّه بالبركة ثم قال : هلمّوا أسقينّكم ! فلم يبق معهم سقاء إلاّ ملؤوه ، ثم دعا بركابهم وخيولهم فسقوها حتى نهلت . . . ثم راحوا العصر مُبردين متروّين من الماء(4) .

 

مؤامرة العقبة :

        روى الراوندي عن الصادق عليه‏السلام قال : كان القرآن ينزل بكلام المنافقين حتى قال بعضهم لبعض : ما تأمنون ان تُسمّوا في القرآن فتفضحوا انتم وعقبكم ، هذه عقبة بين أيدينا ـ عقبة فيق(5) ـ لو رمينا به منها يتقطّع !



(1) و ( 2 ) مغازي الواقدي 2 : 1040 ، 1041 .

 

(2) الخرائج والجرائح 1 : 28 ح 17 و124 ح 205 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1041 ، 1042 .

(4) عقبة فيق مشرفة على بحيرة طبرية وينحدر منها الى غور الاردن ، كما في معجم î؛ البلدان 4 : 286 ومراصد الاطلاع 1 : 163 و3 : 1052 هذا والمفروض انها بعد تبوك الى المدينة ، وقد مرّ أن تبوك تبعد عن الاردن بأكثر من 200 كم فأين هم من غور الاردن وبحيرة طبريّة ؟ ! هذا غريب .

    وفي الخبر : عقبة ذي فيق ، ومثله غرابة ما جاء في خبر آخر أنها في طريق اليمن 2 : 492 ، ومثلهما غرابة ما في مراصد الاطلاع 2 : 948 : انها ماء لبني عكرمة في طريق مكة بعد واقصة وقبل القاع لمن يريد مكة . وفيه : أنها ليست العقبة بل بطن العقبة ، ثم هي المنزل العاشر من مكة الى العراق قبل العراق بمنزلين أو مرحلتين! انظر وقعة الطف: 157 ـ 177 .

(474)

        فنزل جبرئيل على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : هذا فلان وفلان ـ حتى عدّهم ـ قد قعدوا ينفرون بك(1) .

 

        وكان من مسلمة الفتح أبو مروان الحكم بن أبي العاص بن اُميّة وكان من أشد جيران رسول اللّه أذىً له في الاسلام ، وبعد فتح مكة هاجرها الى المدينة(2) فكان مع المسلمين في غزوة تبوك .

 

        فروى الطوسي عن المفيد بسنده عن ابن عمر : أنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما انتهى الى العقبة قال : لا يجاوزها احد . فعوّج الحكم بن أبي العاص فمه مستهزئا به(3) .

        وروى الطبرسي عن الزجاج والكلبي : انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي ، وسار رسول اللّه في العقبة ، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان


(1) الخرائج والجرائح 1 : 100 ح 162 واحتمال معقول ان يكون سبب ذلك حديث المنزلة منه لعلي عليه‏السلام .

(2) أنساب الاشراف 5 : 27 .

(3) أمالي الطوسي : 175 ح 295 . وتمامه : فدعا عليه النبيّ فصُرع شهرين ثمّ أفاق ، فأخرجه النبيّ عن المدينة ونفاه عنها طريدا . وقد دخلها بعد فتح مكّة وولد له فيها ابنه مروان ، فخرج إلى الطائف حتى ردّه عثمان أول خلافته آخر سنة ( 24 ه ) وهو عمّ عثمان .

(475)

معه أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها ، وكان الذين همّوا بقتله اثني عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً . فروى عن الباقر عليه‏السلام : كان ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب(1) .

 

        وعنه عليه‏السلام قال : انهم ائتمروا بينهم ليقتلوه ، وقال بعضهم لبعض : ان فطن نقول : انما كنا نخوض ونلعب ، وان لم يفطن نقتله ! وكان حذيفة يسوق دابّته ، فلما أمر جبرئيل رسول اللّه أن يرسل اليهم ويضرب وجوه رواحلهم ، قال لحذيفة : اضرب وجوه رواحلهم . فضربها حتى نحّاهم .

 

        فلما نزل ( من الجبل ) قال لحذيفة : مَن عرفت من القوم ؟ قال : لم أعرف منهم أحدا . فقال رسول اللّه : انهم فلان وفلان ، حتى عدّهم كلّهم .

        فقال حذيفة : الا تبعث اليهم فتقتلهم ؟ !

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : اكره أن تقول العرب : لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم(2) وعن


(1) مجمع البيان 5 : 79 عن التبيان 5 : 261 عن الزجاج والواقدي .

(2) مجمع البيان 5 : 70 والخبر عن الباقر عليه‏السلام في تفسير العياشي 2 : 95 ح 84 : انهم اجتمعوا اثنا عشر : التيمي والعدوي والعشرة معهما ، فكمنوا لرسول اللّه في العقبة ، وائتمروا بينهم ليقتلوه . . . وفي تفسير القمي 1 : 301 بسنده عنه عليه‏السلام قال : قعدوا لرسول اللّه في العقبة وهمّوا بقتله . فقط ، مختزلاً .

        وذيل خبر المجمع جاء في ذيل الخبر السابق عن الخرائج عن الصادق عليه‏السلام : انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ناداهم: يا أعداء اللّه يا فلان ويا فلان حتى سمّاهم كلهم بأسمائهم . وفي هذا الخبر عن حذيفة : انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان إذا نام على ناقته قصّرت في السير ، وفي تلك الليلة قلت في نفسي : لا افارق هذه الليلة رسول اللّه ، وحبست ناقتي معه . . . فلما نادى المنافقين نظر فإذا به يراني فقال لي : عرفتهم ؟ قلت : نعم. فقال: لا تخبر بهم أحدا ! فقلت : يا رسول اللّه أفلا تقتلهم ؟ قال : اني اكره أن يقول الناس : قاتل بهم حتى ظفر فقتلهم . الخرائج والجرائح للراوندي 1 : 100 ح 162.î؛

    وفي كتابه قصص الأنبياء : 309 روى عن الصدوق بسنده عنه عليه‏السلام قال : لما انتهى الى العقبة وقد جلس عليها أربعة عشر رجلاً ثمانية من قريش (كما في خبر الباقر عليه‏السلام ) وستة من أفناء الناس . . . فناداهم رسول اللّه : يا فلان ويا فلان . . . انتم قعود لتنفروا ناقتي ؟ ! وكان حذيفة خلفه فلحق به فقال له : يا حذيفة سمعت ؟ قال : نعم ، قال : فاكتم .

        وبناءً على هذين الخبرين : فهل يفترض انّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لم يأمر الناس ـ بما فيهم حذيفة وعمار ـ بسلوك‏الواديولم يمنعهم‏من سلوك العقبة ؟! أو كان ذلك ومع ذلك قال‏حذيفة : لا واللّه لا اُفارق رسول‏اللّه . كما فيالخبر الأول عن الخرائج؟! ثم ماذا عن عمّار؟ ثم في الخبر الثاني عن القصص : قال ياحذيفة سمعت ؟ ولكن في الأول : قال : عرفتهم ؟ قلت : نعم برواحلهم وهم متلثمون ! وكيف يمكن ذلك ؟! ثم أليس نهاه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن لا يخبر بهم أحدا وأمره بالكتمان؟ فهل كتم ؟

        وقد نقل الصدوق فـي الخصال 2 : 499 بسنده عن زياد بـن المنذر بـن الجارود العبدي المنسوب إليه فرقة الجارودية من الزيدية عن مشيخته عن حذيفة بن اليمان قال : الذين نفروا برسول اللّه ناقته (كذا !) في منصرفه من تبوك أربعة عشر : أبو الشرور ، وأبو الدواهي ، وأبو المعازف وابوه ، وطلحة ، وسعدبن ابي وقاص ، وابو عبيدة ، والمغيرة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص وابو موسى الأشعري ، وعبد الرحمن بن عوف . فهو إن كنّى عن اربعة فقد باح بعشرة !

        ولهذا علّق محقق بحار الأنوار 21 : 138 الشيخ البهبودي يقول : انما أراد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يستر عليهم ليتمّ ابتلاء المسلمين وليجري قضاء اللّه بافتتان امته ، وعليه فأمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لحذيفة بالكتمان لم يكن مولويا وانما كان ارشاديا (كذا) ولذلك نرى حذيفة اكتتم ذلك طول حياته وبعد وفاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولكنه في أواخر عمره حين تم الافتتان كان يعرّض أحيانا ويصرّح اخرى بأسماء بعضهم كأبي موسى الأشعري .

        فقد روى ابن شاذان (م 260 ه) في الايضاح : 61 والطبري الامامي ( ق 4 ) في المسترشد:13ط .النجف و158ط . قم بسند واحد عن‏حذيفة قال:واللّه ما فيأصحاب î؛ رسول اللّه أحد أعرف بالمنافقين منّي ، وأنا أشهد أن أباموسى‏الأشعري منافق! وانظر الاستيعاب بهامش الاصابة : 273. وسيأتي مثل ذلك في منصرف النبيّ من غدير خم.

(476)

(476)

(477)

الامام العسكري عليه‏السلام قال : ان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أمر في منتصف الليل بالرحيل وأمر مناديه فنادى : الا لا يسبقن رسول اللّه أحد الى العقبة ولا يطؤها حتى يجاوزها رسول اللّه . ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة فينظر من يمرّ بها فيخبر رسول اللّه !

 

        فقال حذيفة : يا رسول اني أتبيّن الشرّ في وجوه رؤساء عسكرك ، واني أخاف ان قعدت في أصل الجبل وجاء منهم من أخاف أن يتقدّمك الى هناك للتدبير عليك ، يحسّ بي فيكشف عنّي فيعرفني ويخافني فيقتلني !

        فقال رسول اللّه : انك اذا بلغت أصل العقبة فاقصد اكبر صخرة هناك الى جانب أصل العقبة . . . وجاؤوا على جمالهم . . . يقول بعضهم لبعض : من رأيتموه هاهنا كائنا من كان فاقتلوه لئلا يخبروا محمّدا انهم قد رأونا هنا فينكص محمّد ولا يصعد هذه العقبة الا نهارا ، فيبطل تدبيرنا عليه . . . ثم تفرقوا فبعضهم عدل عن الطريق المسلوك وصعد الجبل ، وبعضهم وقف على سفح الجبل عن يمين وشمال وهم يقولون : ألا ترون أجل محمّد كيف أغراه فمنع الناس من صعود العقبة حتى يقطعها هو لنخلوا به هاهنا فيمضي فيه تدبيرنا وأصحابه عنه بمعزل ؟!

        فلما تمكّن القوم على الجبل حيث أرادوا . . . أقبل حذيفة فأخبر رسول اللّه بما رأى وسمع . فقال رسول اللّه : أو عرفتهم بوجوههم ؟ قال : يا رسول اللّه كانوا متلثّمين ، ولكنّي عرفت أكثرهم بجمالهم ، ولما فتّشوا الموضع ولم يجدوا أحدا أحدروا اللثام فرأيت وجوههم فعرفتهم بأعيانهم وأسمائهم : فلان فلان . . .

        فقال رسول اللّه : يا حذيفة اذا كان اللّه يثبّت محمّدا لم يقدر هؤلاء ولا الخلق أجمعون أن يزيلوه ، ان اللّه تعالى بالغ أمره ولو كره الكافرون .

(478)

        ثم قال : يا حذيفة فانهض بنا أنت وعمار وسلمان ( كذا ) وتوكلوا على اللّه ، فاذا جُزنا الثنية الصعبة فأذنوا للناس أن يتّبعونا . فصعد رسول اللّه وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها ، والآخر خلفها يسوقها ، وعمار الى جانبها ، والقوم على جمالهم ورجالتهم منبثّون حوالي الثنية على تلك العقبات ، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب ( قرب ) فدحرجوها من فوق ليُنفروا الناقة برسول اللّه لتقع في المهوى الذي يهوِّل الناظر النظر إليه من بُعد ، ولكنّها لما قربت من ناقة رسول اللّه ارتفعت ارتفاعا عظيما فجاوزت ناقة رسول اللّه فسقطت في جانب المهوى ، ولم يبق منها شيء الا صار كذلك ، وناقة رسول اللّه كأنها لا تُحسّ بشيء من تلك القعقعات التي كانت للدباب .

        ثم قال رسول اللّه لعمّار : اصعد الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم فارم بها . ففعل عمّار ذلك ، فنفرت بهم فبعضهم سقط فانكسرت عضده ، ومنهم من انكسرت رجله ، ومنهم من انكسر جنبه(1) .



(1) التفسير المنسوب الى الامام العسكري عليه‏السلام وعنه في الاحتجاج للطبرسي 1 : 64 ـ 66 وعنهما في بحار الأنوار 21 : 229 ـ 231 .

        وقال الواقدي : وكان رسول اللّه ببعض الطريق وأمامه عقبة اذ مكر به اُناس من المنافقين وائتمروا أن يطرحوه من تلك العقبة ، واُخبر رسول اللّه خبرهم ، فلما بلغ رسول اللّه تلك العقبة قال للناس : اسلكوا بطن الوادي فانه أوسع لكم وأسهل . فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول اللّه العقبة ، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها ، وأمر حذيفة بن اليمان يسوق من خلفه .

        فبينا رسول اللّه يسير في العقبة اذ سمع حسّ القوم قد غشوه ، فأمر حذيفة أن يردّهم ، فرجع حذيفة اليهم وجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده، فانحطوا من‏العقبة مُسرعين حتى خالطوا الناس . ورجع حذيفة حتى أتى رسول اللّه فساق به . . . فقال له النبي :î؛ يا حذيفة هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم ؟ قال : يا رسول اللّه كان القوم متلثّمين ومن ظلمة الليل فلم اُبصرهم وعرفت راحلة فلان وفلان .

        فروى بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : ان رسول اللّه سمّى لحُذيفة وعمّار اهل العقبة الذين أرادوا بالنبي وهم ثلاثة عشر رجلاً .

        وروى بسنده عن نافع بن جُبير قال : لم يخبر رسول اللّه أحدا الاّ حذيفة ، وهم اثنا عشر رجلاً . ثم ادّعى : ليس فيهم قريشيّ . ودعمه الواقدي ، بينما روى بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن عمار قال : اشهد ان الخمسة عشر رجلاً اثنا عشر رجلاً منهم حرب للّه ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد !

        قال: ولما خرج رسول اللّه من العقبة نزل الناس ... فلما أصبح تقدم إليه اُسيد بن حُضير الأوسي فقال له : يا رسول اللّه ، ما منعك البارحة من سلوك الوادي فقد كان أسهل من العقبة ؟ فقال : يا أبا يحيى ، اتدري ما أراد المنافقون البارحة وما همّوا به ؟ قالوا : نتّبعه في العقبة فاذا أظلم عليه الليل قطعوا أنساع (حبال) ناقتي ونخسوها حتى يطرحوني من راحلتي ! فقال اُسيد : يا رسول اللّه ، فقد نزل الناس واجتمعوا . . . فان احببت فنبّئني بهم فلا تبرح حتى آتيك برؤوسهم ! وأمرت سيد الخزرج [ سعد بن عبادة ] فكفاك من في ناحيته ، أومر كل بطن أن يقتل الرجل الذي همّ بهذا فيكون الرجل من عشيرته هو الذي يقتله . . . فان مثل هؤلاء يتركون يا رسول اللّه ؟ ! حتى متى نُداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة وضرب الإسلام بجرانه (برقبته = استقر) فما يُستبقى من هؤلاء ؟ !

        فقال رسول اللّه لاُسيد : اني اكره أن يقول الناس : إنّ محمّدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه ! فقال : يا رسول اللّه ، فهؤلاء ليسوا بأصحاب ! قال رسول اللّه : أليس يُظهرون شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ؟ قال : بلى ، ولا شهادة لهم ! قال : أليس يُظهرون اني رسول اللّه ؟ قال : بلى ولا شهادة لهم ! قال : فقد نُهيت عن قتل اولئك . مغازي الواقدي 2 : 1042 ـ 1045 .î؛

    وذكر طرفا منه مسلم فيالصحيح كتاب‏المنافقين برقم 11 وأشار إليه في 8 : 123 وأحمد في المسند 5: 390، 391 و453 وعنه الطبراني (م 360 ه) فيالمعجم‏الكبير 6: 195 وعنه الهيثمي في مجمع‏الزوائد 1: 110 والبيهقي في دلائل‏النبوة بسنده عن عروة بن‏الزبير 5: 256 وعنه في اعلام الورى 1: 245، 246 وعنه في بحارالأنوار 21: 247 ح 25 . وكذلك ابن الأثير فيالجامع 12: 199 ونقل‏المعتزليفي شرح‏النهج 2: 103 عن كتاب‏المفاخرات للزبير بن بكار عن‏الحسن بن علي عليه‏السلام في مجلس معاوية قال : يوم اوقفوا الرسول في العقبة ليستنفزوا ناقته كانوا اثنى عشر رجلاً منهم ابو سفيان. وعن المحلى لابن حزم (م 456 ه) 11: 255 نقل حديث حذيفة وان فيهم أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص ، ثم شكك في صحته.

(479)

(479)

(480)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p11.htm