فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

استجابة دعاء ، ام انواء ؟ !

        روى الواقدي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: ولما أصبح رسول اللّه ارتحل ولا ماء معهم، فشكوا ذلك الى رسول اللّه(3) قالوا: يا رسول اللّه، لو دعوت اللّه فسقانا؟ قال: (نعم) لو دعوت اللّه لسقيت . فقالوا: فادع اللّه يا رسول اللّه ليسقينا(4) .

        وروي عن عبد اللّه بن أبي حدرد قال : رأيت رسول اللّه استقبل القبلة فما برح يدعو حتى رأيت السحاب يأتلف من كل ناحية ، حتى سحّت علينا السماء ، وكأني ( لا زلت ) أسمع تكبير رسول اللّه في المطر . ثم كشف اللّه السماء عنّا وان في الأرض غدائر يصبّ بعضها في بعض ! فارتوى الناس عن آخرهم ! وسمعت رسول اللّه يقول : أشهد أني رسول اللّه .

 

        قال : فقلت لرجل من المنافقين ( أوس بن قيظي أو زيد بن اللُصيت القينقاعي ) : ويحك ! أبعد هذا شيء ؟ ! فقال : سحابة مارة ! .

        ثم روى بسنده عن محمود بن لَبيد عن زيد بن ثابت قال : لما كان من أمر الماء في غزوة تبوك ما كان ، دعا رسول اللّه فأرسل اللّه سحابة فأمطرت ، حتى ارتوى الناس . فقلنا ( لسعد بن زرارة وقيس بن فهر ) : يا ويحك ! أبعد هذا شيء ؟ ! فقال : سحابة مارّة(5) .



(1) ابن هشام في السيرة 4 : 165 .

(2) و ( 3 ) مغازي الواقدي 2 : 1008 .

 

(3) الخرائج والجرائح 1 : 98 ح 160 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 1009 ورواه المجلسي في بحار الأنوار 21 : 25 عن المنتقى للكازروني .

(450)

        ورواه ابن اسحاق بسنده عنه قال : لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين كان يسير مع رسول اللّه حيث سار ، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول اللّه فارسل اللّه السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، أقبلنا عليه وقلنا له : ويحك ! هل بعد هذا شيء ؟ ! فقال : سحابة مارة ! ولم يسمّه ! .

 

        قال الراوي فقلت لمحمود : هل كان الناس يعرفون فيهم النفاق ؟ فقال : نعم واللّه ، ان كان الرجل ليعرفه في أخيه وأبيه وعمّه وعشيرته ثم يلبس بعضهم على بعض(1) .

        بل قام قوم منهم على شفير الوادي يقول بعضهم لبعض : مُطرنا بنوء الذراع أو بنوء كذا(2) حتى سمعهم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال لمن حوله : ألا ترون ؟ ! وكان خالد بن الوليد واقفا فقال : ألا أضرب أعناقهم ؟ ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا ، هم يقولون هكذا وهم يعلمون ان اللّه انزله(3) .

 

 

ضلال الناقة ، والمنافقين :

        مرّ في خبر أبي حميد الساعدي قال : أمسينا بالحجر . . . وفي خبر سهل الساعدي : لم نرجع إلاّ مُمسين . . . وفي خبر الخُدري : لما أصبح ارتحل ولا ماء معهم . بما يفيد أنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بات تلك الليلة في منزل الحجر ، ولكن كأنه سار ذلك النهار


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 166 .

(2) ناء ضد باء ، وباء وآب بمعنى واحد ، فناء بمعنى نهض وطلع ، ومصدره النوء بمعنى الطلوع ، كما النجم ، واُطلق عليه ، وجمعه أنواء : النجوم إذا غابت ، وانما قيل لها أنواء ، لأنها اذا سقط الساقط منها بالمغرب طلع بإزائه طالع بالمشرق ، كما في لسان العرب 1 : 176 ، وعنه في هامش الخرائج والجرائح 1 : 99 .

(3) الخرائج والجرائح 1 : 98 ح 160 .

(451)

ومساءه ، ذلك أن الواقدي روى بسنده عن محمود بن لَبيد قال : ثم ارتحل حتى اصبح في منزل ، فضلّت ناقته القَصواء .

 

        وكان أحد اليهود من بني قينقاع يسمى زيد بن اللُصيت قد أسلم بما فيه من خُبث اليهود وغشّهم ومظاهرة أهل النفاق ، وكان قد حضر غزوة تبوك مع عُمارة بن حزم وكان عقبيّا بدريا وأخيه عمرو بن حزم وغيرهم ، ولما ضلت ناقته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان عمارة عنده ، وزيد بن اللُصيت في رحل عُمارة فقال : أليس محمّد ( كذا ) يزعم انّه نبيّ ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ؟ !(1) .

        وروى الراوندي بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : قال المنافقون : يحدّثنا عن الغيب ولا يعلم مكان ناقته ! فأتاه جبرئيل عليه‏السلام فأخبره بما قالوا وقال له : إنّ ناقتك في شعب كذا متعلق زمامها بشجرة بحر ( كذا )(2) .

 

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعُمارة عنده : إنّ رجلاً قال : هذا محمّد يخبركم انّه نبي ويزعم انّه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته ! وانّي واللّه ما اعلم إلاّ ما علّمني اللّه ، وقد دلّني عليها ، وهي في هذا الوادي في شعب كذا . فرجع عُمارة بن حزم الى رحله فقال : واللّه لعجب من شيء حدّثناه رسول اللّه آنفا عن مقالة قائل أخبره اللّه عنه بكذا وكذا . فقال رجل من أهل رحله ( أو أخوه عمير ) : واللّه زيد قال هذه المقالة قبل أن تأتي ! فأقبل عُمارة على زيد يطعنه في عنقه ويقول : اخرج أي عدوّ اللّه من رحلي فلا تصحبني ، اليّ عباد اللّه انّ في رحلي لداهية وما أشعر !(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 1009 ، 1010 .

(2) قصص الأنبياء : 308 ح 380 وفي اعلام الورى 1 : 83 بلا اسناد وكذلك في الخرائج والجرائح 1 : 30 ح 25 و108 ح 178 و121 ح 197 وفي بحار الأنوار 18 : 109 عن الثلاثة و21 : 250 عن المنتقى للكازروني .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 166 ، 167 بسنده عن محمود بن لبيد .

(452)

        ونادى منادي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس للصلاة خطبهم فقال في خطبته : أيها الناس ، إنّ ناقتي بشعب كذا . فبادروا اليها(1) وكان الذي أتى بها الحارث بن خزمة الأشهلي ، وجدها كما قال رسول اللّه قد تعلق زمامها بشجرة .

 

        فقال زيد بن اللُصيت : قد كنت شاكا في محمد ( كذا ) وقد أصبحت وأنا فيه ذو بصيرة ، لكأني لم اُسلم الا اليوم ، وأشهد أنه رسول اللّه .

        ولكن خارجة بن زيد بن ثابت يقول : لم يزل فسلاً ( رذلاً ) حتى مات(2) .

 

وقبل تبوك :

        روى الواقدي عن المغيرة بن شعبة قال : بتنا بعد الحجر وقبل تبوك ، وقمنا بعد الفجر ، وخرج رسول اللّه لقضاء الحاجة فحملت مع النبيّ ادواة فيها ماء وتبعته بالماء ، فأبعد ، ثم صببت عليه فغسل وجهه ، وكانت عليه جبّة رومية ضيّقة الأكمام ، فأراد أن يخرج يديه ليغسلهما فضاق كمّ الجبّة ، فأخرج يديه من تحت الجبّة فغسلهما(3) ومسح برأسه ، فأهويت لأنزع خُفّه فقال : دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين(4) . فرأيته يمسح على ظاهر الخُفّين(5) .



(1) قصص الأنبياء : 308 ح 380 عن الصادق عليه‏السلام .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1010 . وهنا ينفرد الواقدي عن عقبة بن عامر بخبر عن نوم بلال ونوم النبيّ عن صلاة الصبح الى ما بعد طلوع الشمس ، في منزل قبل تبوك 2 : 1015 بينما مرّ خبره بعد خيبر . ولدى و صوله الى تبوك يروي الواقدي خبر خطبته لها 2 : 1016 بينما مرّ خبره .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1011 .

(4) كما في البخاري ومسلم ومسند أحمد .

(5) كما في سنن أبي داود والترمذي ومسند أحمد ، وفي خبر آخر فيهما عن ابن شعبة î؛ زاد النعلين والجوربين . وروى الشيخان وابو داود والترمذي وأحمد مسحه على الخف عن جرير بن عبد اللّه البجلي . وروى الترمذي والنسائي واحمد والشافعي عن صفوان بن عسّال قال : أمرنا رسول اللّه في الخفين اذا نحن أدخلناهما على طهر أن نمسح عليهما ولا نخلعهما الا من جنابة ، اذا أقمنا يوما وليلة واذا سافرنا ثلاثا . وروى ابو داود المسح على الجوربين عـن أنس بـن مالك وأبي اُمامة وابـن عباس ، والبـراء بـن عازب وسهل بن سعد وعبد اللّه بن مسعود وعمرو بن حريث وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب عليه‏السلام ، كما في التقويم القطري لعام 1418 ه : 148 ، 149 .

    وفي تفسسير العياشي عن أبي بكر بن حزم قال : توضأ رجل وعليّ عليه‏السلام يراه فمسح على خفيه ودخل مسجد النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فدخل في الصلاة ، وسجد فجاء علي عليه‏السلام فوطأ على رقبته وقال له : ويلك ! تصلي على غير وضوء فقال : أمرني عمر بن الخطاب بهذا ( المسح على الخفين ) فأخذ علي بيده حتى انتهى الى عمر فقال له : انظر ما يروي عليك هذا ـ ورفع صوته ـ : فقال عمر : نعم أنا أمرته ، فإنّ رسول اللّه قد مسح ! قال : قبل نزول المائدة أو بعدها ؟ قال : لا أدري ! قال : فلِمَ تُفتي وأنت لا تدري ؟ ! ان الكتاب سبق الخفين . تفسير العياشي 1 : 297 .

    فمسحه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على خفه في تبوك كان سابقا على نزول سورة المائدة وآية الوضوء والمسح بالأرجل وعليه فالمسح على الخفين منسوخ بالقرآن بسورة المائدة .

(453)

 

وانتهى الى تبوك :

    وانتهى النبيّالى تبوكيوم الثلاثاء من شعبان(1) فكان سفر تبوك عشرين ليلة(2)


(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 68 واعلام الورى 1 : 244 . فلو كان خروجه في 25 رجب و 20 ليلة في الطريق يكون وصوله الى تبوك في منتصف شعبان .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1061 .

(454)

وأقام بها عشرين ليلة يصلي ركعتين ، وهرقل يومئذٍ في حمص(1) وكانت اقامته بقية شعبان ( نصفها الثاني ) وأياما من شهر رمضان(2) .

 

        قالوا : ولما انتهى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى تبوك وضع بيده حجرا قبلةً واحجارا تليه ، ثم صلى الظهر بالناس(3) ركعتين(4) وكان يؤخّر الظهر حتى يبرد ويعجّل العصر فيجمع بينهما ، فعل ذلك في تبوك حتى رجع منه(5) .

 

        وحان موعد غدائه وكان مع ستة نفر من أصحابه اذ جاءه رجل من بني سعد بن هُذيم فوقف عليه وقال : يا رسول اللّه ، اشهد أن لا إله إلاّ اللّه وانك رسول اللّه . فقال له النبيّ : قد أفلح وجهك ، اجلس . ثم قال : يا بلال ، اطعمنا .

 

        قال الرجل : فبسط بلال اديما ثم قرّب زُقّا ( قربة صغيرة مدبوغة ) فأدخل يده فيها وأخرج منها بيده قبضات من تمر معجون بالسمن والأقط . فقال لنا رسول اللّه : كلوا . وإن كنت لآكله وحدي ، فأكلنا حتى شبعنا ! فقلت : يا رسول اللّه ، ان كنت لآكل هذا وحدي ! فقال : الكافر يأكل في سبعة أمعاء ! والمؤمن يأكل في معىً واحد ! .

        قال الرجل : ومن الغد جئته حين غدائه لأزداد في الاسلام يقينا ، فاذا حوله عشرة ، وقال لبلال : اطعمنا يا بلال ، فقرّب جرابا فيه تمر وجعل يخرج منه قبضات ،


(1) مغازي الواقدي 2 : 1015 وقال ابن اسحاق : بضع عشرة ليلة . السيرة 4 : 170 وجمع القولين المسعودي مع القصر في الصلاة في التنبيه والاشراف : 235 . وفي بحار الأنوار 21 : 251 عن المنتقى للكازروني : أقام بتبوك شهرين ! بينما أكثر روايته عن الواقدي .

(2) اعلام الورى 1 : 244 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1021 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 1015 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 999 .

(455)

فقال له النبي : اخرج ، ولا تخف من ذي العرش إقتارا ! فنشر كل الجراب ، ولم يكن كثيرا بل مدّين . فوضع النبي يده على التمر ثم قال : كلوا باسم اللّه ، فأكلوا وأنا معهم حتى ما أجد له مسلكا ! ومع ذلك بقي على نِطع الأديم مثل ما جاء به بلال كأ نّا لم نأكل منه تمرة واحدة ! .

 

        قال الرجل : ثم عُدت من الغد ومعه عشرة نفر أو يزيدون رجلاً أو رجلين ، فقال لبلال : يا بلال اطعمنا . فجاء بالجراب فنثره ، ووضع النبي يده عليه فقال : كلوا باسم اللّه ، فاكلنا حتى شبعنا ورفع مثل ما صبّ(1) .

        قال : وكان هرقل قد علم من علائم النبي وصفاته أشياء فبعث إليه رجلاً من غسّان من عرب الشام يسأل : هل هو يقبل الصدقة ؟ وينظر هل في عينيه حمرة ؟ وهل بين كتفيه خاتم النبوة ؟ فجاء الرجل وسأل فاذا هو لا يقبل الصدقة ، ونظر الى حمرة عينيه وخاتم النبوة بين كتفيه ، ووعى أشياء من حاله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        ثم عاد الى هرقل ( في حمص ) فذكر له ذلك . فدعا قومه الى التصديق به فأبوا حتى خافهم على ملكه فامتنع هو أيضا ، ولكنه ظلّ في موضعه في حمص لم يزحف ولم يتحرك . فتبيّن بطلان ما اُخبر به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عنه من دنوه الى أدنى الشام الى الحجاز وبَعْثِه عسكره نحوهم(2) .

        وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يُكثر التهجد في الليل ويصلي بفناء خيمته ، فيقوم ناس من المسلمين يحرسونه ، وأقبل ذات ليلة عليهم فقال لهم : اُعطيت خمسا ما اُعطيهنّ أحد قبلي :

 


(1) مغـازي الواقدي 2 : 1017 ، 1018 وإليه يعود ما جاء مختصرا في اعلام الورى 1 : 81 والخرائج والجرائح 1 : 28 ح 15 وعنهما في بحار الأنوار 18 : 27 ح 8 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1018 ، 1019 ورواه المجلسي في بحار الأنوار 21 : 251 عن المنتقى للكازروني .

(456)

        1 ـ بُعثت الى الناس كافة ، وانما كان النبي يُبعث الى قومه ( كذا ) .

        2 و 3 ـ وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تيمّمت وصلّيت ، وكان من قبل لا يصلّون إلاّ في كنائسهم والبيع ( كذا ) .

        4 ـ واحلّت لي الغنائم آكُلها ، وكان من قبلي يُحرمونها .

        5 ـ والخامسة : هي ما هي ! هي ما هي ! قيل لي : سَلْ ، فكل نبيّ قد سأل ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلاّ اللّه(1) .

        وقال : من يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، حرّمه اللّه على النار(2) .

 

 

الخير في نواصي الخيل :

        وفي تبوك قام الى فرسه الظّرب فطرح عليه ثيابا وجعل يمسح ظهره بردائه ! فقيل : يا رسول اللّه ، تمسح ظهره بردائك ؟ فقال : نعم ، انّي قد بتّ الليلة وان الملائكة لتعاتبني في مسح الخيل ، وأخبرني خليلي جبرئيل انّه يُكتب لي بكلّ حسنةٍ اُو فيها إيّاه حسنة ، وانّه يحطّ بها عني سيئة . وما من امرئٍ من المسلمين يربط فرسا في سبيل اللّه فيوفيه بعليفه يلتمس به قوته إلاّ كتب اللّه له بكل حبة حسنة ، وحط عنه بكل حبة سيئة !

        فقيل : يا رسول اللّه ، فأي الخيل خيرٌ ؟ قال : أدْهَم ، أرْثَم ، أقْرَح ، محَجَّل الثلاث مطلق اليمين . فان لم يكن أدهم فكُميت على هذه الصفة(3) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 1021 ، 1022 وإليه يعود ما في الخصال 1 : 201 ح 14 و292 ح 56 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1015 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1020 . والأدهم : الشديد الحمرة الى السواد . والأرثم : في شفته العليا وأنفه بياض . والأقرح : بياض ما فوق أنفه في وجهه دون الغُرة . ومحجّل الثلاث î؛ مطلق اليمين : في أرجله الثلاث دون اليمين بياض الى موضع القيد ، كما في النهاية .

(457)

        وقال : إنّ الخيل في نواصيها الخير الى يوم القيامة ، اتخذوا من نسلها وباهوا بصهيلها المشركين . أعرافها ادفاؤها ، وأذنابها مذابها(1) والذي نفسي بيده انّ الشهداء ليأتون يوم القيامة أسيافهم على عواتقهم لا يمرّون بأحد من الأنبياء إلاّ تنحّى عنهم ! حتى انهم ليمرّون بابراهيم الخليل خليل الرحمن فيتنحى لهم ! حتى يجلسوا على منابر من نور ، ويقول الناس : هؤلاء الذين أراقوا دماءهم لربّ العالمين ! فيكونون كذلك حتى يقضي اللّه عز وجل بين عباده(2) .

 

        ولقد فُضّل نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كاُمّهاتهم ، فما من أحدٍ من القاعدين يخالف الى امرأة من نساء المجاهدين فيخونه في أهله إلاّ اُوقف يوم القيامة فيقال له : إنّ هذا خانك في أهلك ! فخذ من عمله ما شئت ! فما ظنّكم ؟!(3) .

 

        فقال له رجل : كان لي امرأتان فاقتتلتا ، فرميت احداهما فأصبتها ( يعني ماتت ) فما تقول ؟ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : تعقلها ولا ترثها(4) .

 

        ومن الحوادث في تبوك بعد أن أقاموا بها أياما : وفاة عبد اللّه المُزني ذي البجادين ، وقد مرّ خبره أنهم لما خرجوا الى تبوك طلب من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يدعو له بالشهادة فقال : اللهم انّي اُحرّم دمه على الكفار ! فقال : يا رسول اللّه ليس هذا أردت ! فقال : انك اذا خرجت غازيا في سبيل اللّه فاخذتك الحُمّى فقتلتك فأنت شهيد ! فكأنه أشار بهذا الى أنه سيرزق الشهادة بالحُمّى وليس بإراقة دمه بيد


(1) يقول : دف‏ء الفرس في عُرفه (الشعر الكثير فوق رقبته ، وأذنابها يذبّ عنها) .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1019 ، 1020 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 1021 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 1017 . أي تؤدي ديتها لمن يرثها دونك وأنت لا ترثها .

(458)

الكفار ، وكان كذلك ، واُخبر رسول اللّه بذلك فحضره ليلاً وأمر بحفر قبره ، وبلال المؤذن بيده شعلة نار ، وقد نزل النبي في قبره ويدلون بجسده إليه وهو يقول : اللهم انّي أمسيت راضيا عنه فارض عنه ! وكان عبد اللّه بن مسعود حاضرا فلما سمع ذلك قال : يا ليتني كنت صاحب الحُفرة ـ أو ـ اللَحد(1) .

 

 

حوادث هذه السفرة ، وادي القرى :

        مرّ عن الواقدي : أنّ مساجد النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المعروفة في سفره الى تبوك : بذي خُشب ثم بالفيفاء ثم بالمروة ثم بالشقة ثم بوادي القُرى قبل الحجر(2) .

        ووادي القُرى يُسمى اليوم وادي العُلا شمال خيبر بعد تيماء وهي على 165 كم على طريق الشام من المدينة ، وهي ديار بني عُذرة(3) .

 

        وكان من بطون بني عُذرة بنو الأحبّ ، وكأنهم كانوا يسكنون من وادي القرى موضعا يقال له القالس ، فأقطعه النبي لهم وأمر الأرقم فكتب لهم بذلك كتابا رواه ابن سعد :

 

        « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما اعطى محمّد رسول اللّه بني الأحب ، أعطى قالسا . وكتب الأرقم »(4) .



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 171 والواقدي في المغازي 2 : 1014 ونقله في بحار الأنوار 21 : 250 عن المنتقى للكازروني .

(2) مغازي الواقدي 2 : 999 .

(3) معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية : 159 .

(4) مكاتيب الرسول 2 : 450 عن الطبقات 1 : 273 واعلام السائلين : 49 .

(459)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p09.htm