فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته :

        مرّ في شهر صفر للسنة التاسعة للهجرة وفود جمع من خثعم بناحية تبالة من أطراف الطائف ، وإسلامهم . وكان رجل من خثعم يُدعى اُبي بن عثعث الخثعمي قد قتل أبا عمرو معد يكرب الزُبيدي .

        وانتهى الى بني زُبيد وبني مراد في بلاد اليمن أمر رسول اللّه ، فدخل عمرو بن معد يكرب على قيس بن مكشوح المرادي سيد مراد وقال له : يا قيس ، قد ذُكر لنا أنّ رجلاً من قريش يقال له : محمد ، قد خرج بالحجاز يقول إنّه نبيّ ، وإنّك سيد قومك فانطلق بنا اليه حتى نعلم علمه ، فان كان نبيّا كما يقول فانه لا يخفى عليك ،


(1) الخصال 2 : 359 ـ 360 مع اختلاف يسير .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 255 واليعقوبي 2 : 78 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 235 ، واليعقوبي 2 : 80 .

(420)

وإذا لقيناه اتّبعناه ، وإن كان غير ذلك علمنا علمه .

 

        ولكنّ قيسا سفّه رأي الزُبيدي وأبى عليه ذلك . فركب عمرو ومعه جمع من قومه حتى قدموا على رسول اللّه(1) لما قدموا من تبوك(2) . فقال له النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عمرو أسلِم يؤمنْك اللّه من الفزع الأكبر ! فقال : يا محمد ، وما الفزع الأكبر ، فانّي لا أفزع ؟ ! فقال له : يا عمرو ، انه ليس مما تَحسِب وتظن ، انّ الناس يُصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميّت إلاّ نشر ، ولا حيّ إلاّ مات ، إلاّ ما شاء اللّه . ثم يُصاح بهم صيحة اُخرى ، فيُنشر من مات ويُصَفّون جميعا ، وتنشق السماء وتهدّ الأرض وتخرّ الجبال ، وتزفر النيران وترمى بمثل الجبال شررا ، فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه وذكر ذنبه وشُغل بنفسه إلاّ ما شاء اللّه . فأين أنت يا عمرو عن هذا ؟ ! فقال : ألا إنّي أسمع أمرا عظيما ! ثم آمن وآمن من معه من قومه ورجعوا الى قومهم .

        وأبصر عمرو قاتل أبيه اُبيّ بن عثعث الخثعمي فأخذه وجاء به الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقال له : أعدِني ( أشكني : اقبل شكواي ) على هذا العاجر(3) الذي قتل والدي .

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عمرو ، أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية . فانصرف عمرو ، ولكنّه ارتدّ عن الإسلام وأغار على قوم ومضى الى قومه .

 

 

البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن :

        فلما بلغ ذلك النبي استدعى عليا عليه‏السلام فأمره على جمع من المهاجرين فيهم خالد بن سعيد بن العاص الاُموي وأنفذهم الى بني زبيد .

        وكان بنو زبيد قد تحالفوا مع بني جُعفي ولذلك أرسل النبي خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب ـ ومعه بُريدة وعمرو بن شاس الأسلميان وأبو موسى


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 230 .

(2) كذا في الارشاد 1 : 158 واستظهرنا أن ذلك كان قبله .

(3) عاجَرَ إذا مرّ مرّا سريعا من خوف ونحوه ( لسان العرب ) .

(421)

الأشعري ـ وأمره أن يقصد بني جُعفي ، فإذا التقى بعلي عليه‏السلام فأمير الناس علي بن أبي طالب . فاستعمل خالد على مقدّمته أبا موسى الأشعري ، واستعمل علي عليه‏السلام على مقدّمته خالد بن سعيد بن العاص الاُموي .

 

        فلما سمع بنو جعفي بالجيش ذهبت فرقة منهم فانضمّت الى بني زبيد ، وذهبت فرقة اُخرى الى تخوم اليمن . وخاف علي عليه‏السلام أن يتّبعهم خالد بن الوليد فكتب اليه أن : قف حيث أدركك رسولي ، وأرسله اليه مع رسوله ثم بلغه أ نّه لم يقف ، فكتب الى خالد بن سعيد : تعرّض له حتى تحبسه . أي توقفه . فاعترض له خالد بن سعيد حتى حبسه . ثم سار الى بني زبيد فلقيهم في وادي كُسْر ( من نواحي صنعاء اليمن ) . فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو : يا أبا ثور ، كيف أنت إذا لقيك هذا الغلام القرشيّ فأخذ منك الأتاوة ( الزكاة ) ؟ ! قال : سيعلم إن لقيني .

 

مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام :

        وخرج عمرو وقال : هل من مبارز ؟ وكان معه أخوه وابن أخيه . وكان معه سيفه المعروف بالصمصامة . فقام خالد بن سعيد وقال : يا أبا الحسن بأبي أنت واُمي دعني اُبارزه . فقال له أمير المؤمنين عليه‏السلام : إن كنت ترى أنّ لي عليك طاعة فقف مكانك .

        ثم برز اليه أمير المؤمنين عليه‏السلام وصاح به صيحة ، وقتل أخاه وابن أخيه وانهزم عمرو وبنو زبيد ، وسبي منهم نساء ومنهم امرأة عمرو رُكانة بنت سلامة وولدها . وخلّف علي عليه‏السلام على بني زبيد خالد بن سعيد ليومّن من عاد اليه من هُرابهم مسلما ، ويقبض صدقاتهم .

        فرجع عمرو بن معديكرب فاستأذن على خالد بن سعيد فأذن له ، فلما وقف بباب خالد بن سعيد رأى ناقة منحورة ، فجمع قوائمها وضربها بسيفه

(422)

الصمصامة ضربة واحدة فقطعها . ثم دخل على خالد بن سعيد فعاد الى الإسلام وطلب منه أن يهب له أهله وولده فوهبهم له ، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة(1) .

 

 

خبر بريدة الأسلمي :

        مرّ أنّ بُريدة الأسلمي الأنصاري كان مع خالد بن الوليد في هذه السريّة ، فروي عنه قال : لقد كنت اُبغض عليا بغضا لم اُبغض مثله أحدا قط حتى أني كنت أحببت رجلاً آخر من قريش ( خالد بن الوليد ) لم احبه إلاّ لبغضه عليا ! فلما بُعث ذلك الرجل ( خالد ) على خيل ( الى اليمن ) صحبته لأ نّه كان يبغض عليّا ؟

        وهنا يروى عن بريدة : أنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله انما بعث عليا ليخمّس الغنائم والسبايا . قال : وكان في السبي وصيفة هي أفضل السبايا ، فخمّس السبي وأخذ خمسه وقسّم الباقي . ثم خرج علينا ورأسه يقطر ماءً ! فقلنا : ما هذا يا أبا الحسن ؟ ! فقال : إن تلك الوصيفة التي كانت في السبي صارت في الخمس وصارت لآل بيت النبي ! فكتب الرجل ( خالد ) بذلك الى رسول اللّه ، فقلت له : ابعثني بكتابك اُصدّقه ، فبعثني .

        فلما قدمت على رسول اللّه جعلت أقرأ الكتاب وأقول : صدق يا رسول اللّه ! فأمسك رسول اللّه يدي والكتاب وقال لي : أتبغض عليّا ؟ ! قلت : نعم ! فقال : فلا تبغضه ، وإن كنت تحبه فازدد له حبّا ، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أكثر وأفضل من الوصيفة(2) .

        وروى المفيد الخبر في « الارشاد » وزاد : سار بُريدة حتى انتهى الى باب رسول اللّه فلقيه عمر بن الخطاب فسأله عن حال غزوتهم وعن الذي أقدمه ،


(1) الارشاد 1 : 158 ـ 160 .

(2) عن البداية والنهاية لابن كثير ، في سيرة المصطفى : 68 ، 681 ولكن المؤلف المعروف شكّك في صحة مُفاد الخبر ، وهو في غير محله .

(423)

فأخبره أ نّه إنّما جاء ليقع في علي عليه‏السلام ، وذكر له اصطفاءه من الخمس الجارية لنفسه ! فقال له عمر : امض لما جئت له فانّه سيغضب لابنته مما صنع علي .

 

        فدخل بُريدة على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومعه كتاب خالد بما أرسل به بُريدة فقرأه وتغيّر وجه النبي ومع ذلك قال بُريدة : يا رسول اللّه ، إنّك إن رخّصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم !

        فقال له النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا بُريدة ! ويحك أحدثت نفاقا ! إنّ علي بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحلّ لي ، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك ، وخير من اُخلّف من بعدي لكافة امتي ، واحذر أن تبغض عليا فيبغضك اللّه ! فقال بُريدة : اعوذ باللّه من سخط اللّه وسخط رسوله ! يا رسول اللّه ، استغفر لي فلن اُبغض عليا أبدا ، ولا أقول فيه إلاّ خيرا . فاستغفر له النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

        وروى الطبرسي عن الحسكاني النيشابوري عن عمرو بن شاس الأسلمي قال : كنت مع علي عليه‏السلام في خيله ( الى اليمين ) فجفاني بعض الجفاء فوجدت عليه في نفسي . فلما قدمت المدينة اشتكيته عند من لقيته . ودخلت المسجد ورسول اللّه فيه فنظر اليّ حتى جلست اليه فقال : يا عمرو بن شاس لقد آذيتني ! فقلت : إنّا للّه وإنا إليه راجعون ! أعوذ باللّه والإسلام أن اُوذي رسول اللّه ! فقال : من آذى عليا فقد آذاني(2) .

 

        تاريخ هذه السريّة اليمنيّة : لعلّ ارسال رسول اللّه لعلي عليه‏السلام هذه المرة بهذه السريّة الى بني زبيد باليمن هي التي عناها ابن سعد كاتب الواقدي لما قال : إنّ النبيّ


(1) الارشاد 1 : 161 مرسلاً ، وروى مثله الطوسي في الأمالي مسندا : 249 ح 443 .

(2) إعلام الورى 1 : 257 عن المستدرك للحاكم الحسكاني 3 : 122 وقبله في الطبري 3 : 132 .

(424)

أرسل عليا الى اليمن مرّتين : المرة الاُولى في السنة الثامنة ... والثانية كانت في شهر رمضان من السنة العاشرة في ثلاثمئة الى مذحج اليمن(1) .

 

        ويبدو أن خالد بن الوليد أيضا عاد من اليمن ، ثم بعث للثانية اليها في أوائل جمادى الاُولى للتاسعة ، كما يأتي .

 

 

غزوة تبوك(2) :

        لما رجع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من فتح مكة والحنين وحصار الطائف وعمرته في مكة ، الى المدينة ، لستّ ليال بقين من ذي القعدة(3) سنة ثمان ، فأقام بالمدينة ما بين ذي القعدة إلى شهر رجب(4) للسنة التاسعة .

 

        وقد مرّ في خبر عمر عن اعتزال الرسول أزواجه في مشربة ام ابراهيم قوله : وكنا نتحدث ان غسان تنعل الخيل لتغزونا(5) وكان ذلك السبب لنزول سورة التحريم ، ثم نزلت سورة الصف ، ثم نزلت سورة الجمعة ، ومرّ فيها خبر وصول قوافل دحية بن خليفة الكلبي الخزرجي التجارية من الشام الى المدينة ، ثلاث قوافل في ثلاث جُمع متتاليات(6) .

 



(1) الطبقات الكبرى 2 : 327 ، والصحيح أنّ الاُولى كانت قبل تبوك في التاسعة .

(2) كانت قلعة قوية ، وهي اليوم من مدن شمال الحجاز تبعد عن المدينة 778 كم وعنها الى معان بعد الحدود الاردنية 238كم ، وفي طريقها خيبر وتيماء وطريقها اليوم معبدة .

(3) ابن هشام في السيرة 4 : 144 .

(4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 159 ويظهر من المحاسبات الآتية ان ذلك كان في أواخر شهر رجب والراجح في الخامس والعشرين منه .

(5) الدر المنثور 6 : 242 والميزان 19 : 339 .

(6) مجمع البيان 10 : 433 .

(425)

        وقال القمي في تفسيره : إن الأنباط الشاميين كانوا يقدمون المدينة معهم الطعام والثياب والبُسط ، فأشاعوا بالمدينة : أن هرقل الروم قد سار في جنود اجتمعوا في عسكر عظيم يريدون غزو رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ورحلت معهم من عرب الشام غسان وجُذام وبَهراء وعاملة ، وقد نزل هرقل في حمص وقدم عساكره الى بلاد البلقاء وفيها قلعة تبوك(1) .

 

        وقال الواقدي : وانما كان ذلك مما قيل لهم فقالوه من دون أن يكون شيء منه ! وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اذا أراد غزوة قبل هذه يورّي بغيرها حتى لا يبلغ الخبر المقصد حتى يفاجئه بغير اعداد منهم ، حتى كانت هذه الغزوة فما ورّى لها ، بل كاشف الناس بها منذ البداية وأخبرهم بالوجه الذي يريد ، ليتأهّبوا لها اُهبتهم .

 

        وبعث الى مكة والى القبائل يستنفرهم :

        فبعث بُريدة بن الحصيب الى قبائل أسلم حتى موضع الفُرع .

        وأمر أبارُهم الغفاري أن يطلب قومه الى بلادهم فيبلّغهم .

        وبعث أبا واقد الليثي الى قومه بني ليث .

        وبعث ابا الجعَد الضمّري الى قومه بني ضمرة بالساحل .


(1) تفسير القمي 1 : 290 . وأعرض المفيد في الارشاد 1 : 154 عن هذا وقال : بأن اللّه هو أوحى الى نبيه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يستنفر الناس للخروج الى تبوك ، وأعلمه أنه لا يحتاج فيها الى حرب ولا يُمنى بقتال عدوّ فيه ، بل إن الاُمور تنقاد له بغير سيف . وأفاد دليله على قوله هذا بقوله : ولو علم اللّه تعالى أن بنبيه عليه‏السلام في هذه الغزاة حاجةً الى الحرب والأنصار لما اذن له في تخليف أمير المؤمنين عليه‏السلام عنه 1 : 158 وعن الغاية من هذا الخروج قال : تعبده اللّه بامتحان أصحابه واختبارهم بالخروج معه لتظهر سرائرهم فيتميزوا بذلك 1 : 154 . ولا منافاة بين الطريقين العادي والغيبي ، والجمع أولى .

(426)

        وبعث الأخوين رافعا وجندُبا ابني مكيث الجهني الى قومهم بني جهينة .

        وبعث نعُيم بن مسعود الأشجعي الى بني الأشجع .

        وبعث بُديل بن ورقاء الخزاعي الكعبي الى بني كعب بن عمرو من خزاعة في مكة وضواحيها ، ومعه من قومه بُسر بن سفيان وعمرو بن سالم .

        وبعث العباس بن مرداس السُلمي الى قومه بني سُليم ، ومعه آخرون(1) .

        وقد مرّ الخبر في تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الجمعة قوله سبحانه : « وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوا انفَضُّوا إِلَيْهَا » عن جابر الأنصاري قال : قدمت قافلة دحية الكلبي التجارية من الشام الى المدينة بعد ما أصابتهم مجاعة(2) .

 

        وعند أمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم روى ابن اسحاق : أن ذلك كان عند جدب من البلاد وعُسرة الناس وشدة الحرّ ، فالناس يحبّون المقام في ظلالهم منتظرين طيبة ثمارهم الصيفية ، ويكرهون السفر على تلك الحال وفي ذلك الزمان لشدته ، والى ذلك المكان لبعد الشقة والمسافة ، وكثرة العدو الذي يصمد له ويقصده(3) ولا سيما بعد وقائع مؤتة .

 

 

« وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم »(4) :

        قال الواقدي : حضّ رسول اللّه المسلمين على الجهاد ورغّبهم فيه والصدقة له ، فتصدق كثير منهم بكثير من أموالهم : فتصدّق عاصم بن عدي بتسعين وسقا


(1) مغازي الواقدي 2 : 989 ، 990 .

(2) التبيان 10 : 9 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 159 .

(4) التوبة : 41 .

(427)

تمرا ، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مئتي أوقية ( فضة )(1) وحمل العباس بن عبد المطلب(2) وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن عبادة ومحمّد بن مَسلمة أموالاً ، وقوّى اُناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم ، حتى أن الرجل كان يأتي ببعيره الى رجلين ويقول لهما : تعاقبا عليه .

 

        وروى عن ام سنان الأسلميّة قالت في انفاق النساء : رأيت بين يدي رسول اللّه في بيت عائشة ثوبا مبسوطا وفيه مما بعث به النساء يُعنّ به المسلمين في جهازهم : من أقرطة واسورة ومعاضد وخواتيم وخلاخل(3) .

        قال القمي في تفسيره : وأمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعسكره فضرب في ثنيّة الوداع(4) وخطبهم فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه :

 

        « أ يّها الناس ، انّ أصدق الحديث كتاب اللّه ، وأولى القول كلمة التقوى ، وخير الملل ملّة إ براهيم ، وخير السنن سنة محمّد ، وأشرف الحديث ذكر اللّه ، وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الاُمور عزايمها ، وشر الاُمور محدثاتها ، وأحسن الهدى هدى الانبياء ، وأشرف القتل قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير الأعمال ما نفع ، وخير الهدى ما اتبع ، وشر العمى عمى القلب ،


(1) كذا في مغازي الواقدي ، وابن اسحاق في السيرة 4 : 196 ذكر لعاصم بن عدي مئة وسق ولعبد الرحمن أربعة آلاف درهم . وهو أولى . ولم يذكر غيرهما إلاّ أبا عقيل .

(2) كان قدومه المدينة يومئذٍ استجابة لاستنفاره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أهل مكة ، وبحضوره كان سدّ الأبواب ، وسنذكره .

(3) مغازي الواقدي 2 : 991 ، 992 .

(4) الثنيّة : المرتفع من الأرض ، وسميت بالوداع عند وداع الأنصار نساءهم وأهلهم عند خروجهم لغزوة خيبر ، كمامرّ ، خيبر على شمال المدينة على طريق الشام ، واليوم أرادوا تلك الجهة أيضا ، وليست على جهة الجنوب الى مكة .

(428)

واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى ، وما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى ، وشرّ المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلاّ نزرا ، ومنهم من لا يذكر اللّه إلاّ جهرا ، ومن اعظم خطايا اللسان الكذب ، وخير الغِنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة اللّه ، وخير ما اُلقي في القلب اليقين ، والارتياب من الكفر ، والتباعد من عمل الجاهلية ، والغلول من جمر جهنم ، والسكر جمر النار ، والشعر من ابليس ، والخمر جُماع الاثم ، والنساء حبائل ابليس ، والشباب شعبة من الجنون ، وشرّ المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل أكل مال اليتيم ، والسعيد من وُعظ بغيره . انما يصير احدكم الى موضع أربعة أذرع ، والأمر الى الآخرة ، وملاك العمل خواتيمه ، وأربى الربا الكذب ، وكل ما هو آتٍ قريب ، وسباب المؤمن فسق ، وقتال المؤمن كفر ، وأكل لحمه من معصية اللّه ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن توكل على اللّه كفاه ، ومن صبر ظفر ، ومن يعف يعف اللّه عنه ، ومن كظم الغيظ يأجره اللّه ، ومن يصبر على الرزية يعوّضه اللّه ، ومن يتبع السمعة يسمع اللّه به ، ومن يصم يضاعف اللّه له ، ومن يعص اللّه يعذّبه .

 

        اللهم اغفر لي ولامتي ، اللهم اغفر لي ، استغفر اللّه لي ولكم »(1) .

        فلما سمع الناس هذا من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رغبوا في الجهاد .

 

 

ومنهم من يقول ائذن لي :

        قال : ولقي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الجدّ بن قيس ( السَلمي الخزرجي ) فقال له :


(1) ورواها الواقدي في المغازي 2 : 1015 ـ 1017 عن عقبة بن عامر في تبوك وليس في المدينة .

(429)

يا أبا وهب : ألا تنفر معنا في هذه الغزاة ؟ فقال : يا رسول اللّه ، واللّه ان قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشدّ عجبا بالنساء منّي ، وأخاف ان خرجت معك أن لا اصبر اذا رأيت بنات الأصفر ( يعني الروم ) ! فلا تفتنّي ! وائذن لي أن اُقيم .

 

        وكان يقول لجماعة من قومه ( بني سلمة ) : لا تخرجوا في الحرّ ! أيطمع محمّد أنّ حرب الروم مثل حرب غيرهم ، لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا !

        ( وكان متزوجا بام معاذ بن جبل ، وكان له منها عبد اللّه ، وكان مؤمنا بدريا )(1) فقال لأبيه : تردّ على رسول اللّه وتقول له ما تقول ! ثم تقول لقومك : لا تنفروا في الحرّ ! واللّه لينزلنّ في هذا قرآنا تقرؤه الناس الى يوم القيامة(2) ! فواللّه ما في بني سلمة أكثر منك مالاً ولا تخرج ولا تحمل أحدا ؟ ! فقال : يا بني ، مالي وللخروج في الريح والحر والعُسرة الى بني الأصفر ؟ ! واللّه ما آمن خوفا من بني الأصفر وأنا في منزلي في خُربى ، فإني ، واللّه يا بني ، عالم بالدوائر ! فأذهب إليهم فأغزوهم ! فقال ابنه : لا واللّه ولكنه النفاق واللّه !

        فرفع الجدّ نعله فضرب بها وجه ابنه عبداللّه ! فلم يكلّمه ، وانصرف(3) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p06.htm