فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وفد الأزد واسلامهم :

        الى جانب هؤلاء الخَثعميّين اليمنيّين ، كانت تسكن طائفة من أزد اليمن : أزْد شَنوءة ، إذ كانت منازلهم في بيشة وتربة والصَّراة ، فكأن الغارة على الخثعميّين ووفودهم الى المدينة واسلامهم ، بعث هؤلاء الأزديين على مثل ذلك فوفدوا وقدّموا اصغرهم للكلام .

        روى ابن عساكر بسنده عن عبد الرحمن بن عُبيد الأزدي قا ل : قدمنا في مئة رجل من قومي على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلما دنونا منه وأنا أصغرهم فتقدمت وقلت : أنعِم صباحا يا محمّد ! فقال النبي : ليس هذا سلام المسلمين بعضهم على بعض ، إذا لقيت مسلما فقل : السلام عليكم ورحمة اللّه . فقلت : السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه . فقال : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته .

    ثم قال لي : ما اسمك ومن أنت ؟ قلت : أنا أبو معاوية ( كذا ) عبد العزّى ! فقال : بل أنت أبو راشد عبد الرحمن ، وأجلسني ، فأسلمنا . وكتب لهم : « . . . من محمّد رسول اللّه الى من يقرأ كتابي هذا : من شهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأن محمّدا رسول اللّه ، وأقام الصلاة فله امان اللّه وأمان رسوله ، وكتب هذا الكتاب العباس بن عبد المطلب »(3) .



(1) غَرْب : الدلو .

(2) الطبقات الكبرى 1 : 286 وانظر مكاتيب الرسول 2 : 414 ـ 416 .

(3) مكاتيب الرسول 2 : 370 ـ 372 عن كنز العمال 7 : 17 برقم 136 عن ابن عساكر ، وكذّب راويه النضر بن سلمة ، ومع ذلك ذكر ابن الأثير قدومه وتسميته في اسد الغابة î؛ 3 : 291 و5 : 299 والاصابة 2 برقم 5159 . والعباس قدم لغزوة تبوك بعد هذا ، ولم يُعهد منه كتاب ، وليس في الكتاب زكاة وقد شُرّع ، واللّه أعلم .

(410)

 

كتابه الى بني عُذرة في اليمن :

        في السيرة النبوية سُميت السنة التاسعة بسنة الوفود ، وأ رّخوا لبعضها انها كانت في العاشرة ، وقلّما ذكروا في التاسعة تاريخا معيّنا ، إلاّ لوفود خثعم انها كانت في صفر من التاسعة ، ثم كذلك لهذا الوفد ، ولم يذكروا باعثهم على ذلك ، اللهم إلاّ أن يكون اسلام أبناء الفرس في صنعاء اليمن وانتشار الاسلام بينهم هناك كافيا لذلك .

        قالوا : وفد زمل بن عمرو العُذري من بني عذرة اليمنيين ومعه احد عشر رجلاً منهم ، في صفر سنة تسع ، الى المدينة فاسلموا وأقاموا حتى تفقّهوا واستكتب زمل من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله له على قومه فكتب له :

        « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة ، واني بعثته الى قومه عامة ، فمن اسلم ففي حزب اللّه ، ومن أبى فله أمان شهرين ! شهد علي بن أبي طالب ومحمّد بن مَسلمة الأنصاري »(1) .

 

ودعوة لبني حارثة :

        واستهل صلى‏الله‏عليه‏و‏آله شهر ربيع الأول بكتاب الى بني حارثة بن عمرو يدعوهم فيه الى الاسلام ، بعث به اليهم مع عبد اللّه بن عوسجة البجلي العُرني ، فأبوا ، وأخذوا كتابه وكان في أديم فغسلوه ورقّعوا به أسفل دلْوهم ! فلما سمع النبي بذلك قال : ما لهم ؟ ! أذهب اللّه بعقولهم ! فسفهوا وأصبحوا يستعجلون في كلامهم فيخلطون ويرعدون ويعيون(2) .



(1) مكاتيب الرسول 1 : 240 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 982، 983 وانظر مكاتيب الرسول 1: 36 برقم 6 ومثله في 37 î؛ برقم 17 عن الاصابة برقم 4870 واُسد الغابة 3 : 239 ومعجم قبائل العرب : 831 .

(411)

 

سرية بني كلاب الى بني بكر :

        وكان ممن أسلم وأبوه على شركه : الأصيد بن سلمة بن قُرط فقد أسلم وأبوه سلمة على شركه وفي شهر ربيع الأول سنة تسع بعث رسول اللّه بسريّة الى ( بني بكر ) بالقرطاء ، عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي ومعه الأصيد بن سلمة ، وأبوه سلمة في بني بكر ، فلقوهم في موضع يُدعى : زُجّ لاوه ( بناحية ضريّة ) فدعوهم الى الاسلام فأبوا ، فقاتلوهم فهزموهم .

        ولحق الأصيد أباه سلمة على فرس له عند غدير زُجّ ، فدعا أباه الى الأمان والاسلام ، فسبّه وسبّ دينه ، وكان سلمة قد دخل الغدير على فرسه ، فضرب الابن على عرقوبي فرس أبيه فوقع على عرقوبيه في الماء ، وأمسك الابن أباه حتى يقتله غيره ولا يقتل هو أباه ، فقتلوه(1) .

 

لا طاعة في معصية :

        روى ابن اسحاق خبر سرية علقمة المُدلجيّ عن أبي سعيد الخُدري الى موضع ذي قَرَد(2) ورواها الواقدي ـ في شهر ربيع الآخر سنة تسع ـ الى ساحل الشُعيبة من سواحل مكة على بحر الحبشة ، في ثلاثمئة رجل ، فيهم أبو سعيد الخُدري وعبد اللّه بن حُذافة السهمي ، ولم يلق كيدا فرجع ، فاستأذنه بعضهم للانصراف فأذن لهم وفيهم عبد اللّه بن حذافة السهمي فأمّره عليهم ، وكانت فيه دعابة . فكان من دعابته أنهم لما نزلوا في منزل ببعض الطريق وأوقدوا نارا ليصطلوا ويصنعوا


(1) مغازي الواقدي 2 : 982 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 289 .

(412)

عليه طعاما لهم ، قال لهم : أليس لي عليكم السمع والطاعة ؟ !

 

        قالوا : بلى ، قال أفما أنا آمركم بشيء إلاّ فعلتموه ؟ ! قالوا : نعم ، قال : فاني اعزم عليكم بحقّي وطاعتي إلاّ تواثبتم في هذه النار ! فقام بعضهم يشدّ حجره على خصره يستعدّ للوثوب على النار ! فقال لهم : اجلسوا ، انما كنت اضحك معكم ! .

        فلما قدموا عليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ذكروا ذلك فقال : « من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه » !(1) .

 

سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ :

        وفي ربيع الآخر سنة تسع أيضا كانت سرية علي عليه‏السلام الى بني طيء آل حاتم الطائي وابنه عديّ وكان لهم صنم يُسمّى الفلْس ، وهو في بيت وقد ألبسوه ثيابا وثلاثة دروع وجعلوا معه سيوفا ثلاثة تسمّى : الرسوب والمخذم واليماني(2) .

        روى الواقدي خبرها بسنده عن محمّد بن عمر بن علي عليه‏السلام قال : بعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله علي بن أبي طالب عليه‏السلام الى الفُلْس ليهدمه ويشن عليهم الغارات ، في مئة وخمسين من الأنصار ليس فيهم مُهاجر واحد ، معهم خمسون من الابل وخمسون فرسا ، وناوله لواءً أبيض وراية سوداء .

 

        فدفع لواءه الى جبّار بن صخر السُلمي ورايته الى سهل بن حُنيف ، وخرج بدليل من بني أسد يقال له حُريث(3) . وكان لزعيمهم عدي بن حاتم الطائي عينٌ بالمدينة ، فلما علم بخبر السريّة أخبر عديّا فهرب إلى الشام(4) .



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 289 ومغازي الواقدي 2 : 983 ، 984 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 988 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 984 ، 985 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 988 .

(413)

        وقال ابن اسحاق : بلغني عن عدي بن حاتم أنه كان يقول : كنت ركوسيّا من النصارى(1) فكنت في نفسي على دين ! وكنت امرأً شريفا وملكا في قومي يعطونني المِرباع(2) فلما سمعت برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كرهته فما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول اللّه منّي ! .

 

        وكان لي غلام عربي يرعى ابلي ، فقلت له : أعدِدْ لي من ابلي أجمالاً ذُللاً سمانا فاحتبسها قريبا منّي ، فاذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ، ففعل .

        وأتاني ذات غداة فقال : اذا غشتك خيل محمّد ما كنت صانعا فاصنعه الآن ؟ فاني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا : هذه جيوش محمّد . فقلت له : فقرِّب جمالي ، فقرّبها .

        فاحتملت بأهلي وولدي ، وخلّفت اختي [ سفانة ] في الحيّ ، وسلكت طريق الشام لألحق بأهل ديني من النصارى(3) .

        وسلك بهم دليلهم حُريث على طريق فيد ( الى جبال طيّء : أجا وسلمى ) حتى انتهى بهم الى موضع بينه وبينهم مسيرة يوم ، فقال لهم : نقيم يومنا هذا في موضعنا هذا حتى نمسي ، وانّا إن سرناه بالنهار لقينا رعاءهم وأطرافهم فيُنذرون فيتفرقون ، بل نسري ليلتنا على متون الخيل حتى نصبّحهم في عماية الصبح فنجعلها عليهم غارة فقبلوا منه الرأي فعسكروا وسرحوا الابل .

 

        وكأن عدي بن حاتم قبل أن ينهزم قد حذر بعضهم أو أنذره ، فعمد رجل منهم من بني نبهان الى عبد له أسود يُسمى أسلم فأمره أن يعمد الى ذلك الموضع فإن رأى خيل محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طار اليهم يخبرهم ليحذروا .


(1) كان يقال لقوم بين النصارى والصابئين : الركوسيين ، كما في هامش السيرة .

(2) كان لقائد القوم قبل الاسلام ربع الغنائم ويقال له المرباع .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 225 .

(414)

        وبعث علي عليه‏السلام نفرا منهم أبو نائلة وأبو قتادة والحُباب بن المنذر ليتقصّوا ما حولهم ، فأصابوا الغلام الأسود ، فقالوا له : ما أنت ؟ قال : أطلب بُغيتي ! فكتفوه واتوا به عليا عليه‏السلام فقال له : ما أنت ؟ قال : باغٍ ! فشدوا عليه فقال : أنا غلام لرجل من طيّء من بني نبهان أمرني بهذا ، فلما رأيتكم أردت الذهاب اليهم ولكنني قلت في نفسي : لا أعجل حتى آتي أصحابي بخبر بيّن من عددكم وعدد خيلكم وركابكم ، فكأني كنت مُقيدا حتى أخذتني طلائعكم .

        فقال له علي عليه‏السلام : اصدقنا ما وراءك ؟ قال : أوائل الحيّ على مسيرة ليلة طويلة ، تصبحهم الخيل بالغارة غدوة . فقال علي عليه‏السلام لأصحابه : ما ترون ؟ فقال له صاحب لوائه جبّار بن صخر : نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا هذه حتى نصبّح القوم وهم غافلون فنغير عليهم . ونخلّف حُريثا الدليل مع العسكر ليلحقنا بهم ، إن شاء اللّه .

        فركب فرسانهم الأفراس واردفوا معهم العبد الأسود أسلم مكتوفا ، فلما اوغلوا في الطريق ادّعى أنه قد أخطأ الطريق وتركه وراءه ، فقال علي عليه‏السلام : فارجع الى حيث اخطأت ، فرجع ميلاً أو أكثر فقال : أنا على خطأ ! فقال له علي عليه‏السلام : إنا منك على خُدعة ، ما تريد إلاّ أن تثنينا عن الحيّ ، لتصدَقنا أو لنضربنّ عنقك ، وسُلّ السيف على رأسه ، فلما رأى الشرّ قال : فان صدقتكم نفعني ذلك ؟ ! قالوا : نعم . فقال : فأنا أحملكم على الطريق ، والحي قريب منكم .

        فخرج معهم حتى انتهى بهم الى ادنى الحيّ ، فقال لهم : هذه الأصرام ، أي الجموع ، وهم على فرسخ (5 كم) فقالوا : فأين آل حاتم ؟ قال : هم متوسطو الأصرام.

        فقال بعضهم لبعض : إن أفزعنا الحيّ تصايحوا وأفزع بعضهم بعضا فتغيب عنا أحزابُهم في سواد الليل ، ولكن نُمهل القوم حتى يطلع الفجر قريبا فنُغير عليهم ، فان أنذر بعضهم بعضا لم يخف علينا أين يأخذون ، ونحن على متون الخيل ولا خيل لهم يهربون عليها .

(415)

        فلما طلع الفجر أغاروا عليهم فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا واستاقوا الذريّة والنساء وجمعوا النعم والشاء ، ولم يخف عليهم احد تغيّب ، ومعهم اُخت عـدي .

        ورأت جارية منهم عبدهم أسلم وهو موثق ، فقالت : هذا عمل رسولكم أسلم فهو جلبهم عليكم ودلّهم على عورتكم ! فقال لها الأسود : اقصري يا ابنة الاكارم ، فما دللتهم حتى قدمت ليُضرب عنقي ! ثم التفت الى علي عليه‏السلام وقال له : ما تنتظر لإطلاقي ؟ قال عليه‏السلام : تشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأن محمّدا رسول اللّه ، فقال : أناعلى دين قومي وهؤلاء الاسرى ، أصنع ما صنعوا ، قال عليه‏السلام : ألا تراهم موثّقين ؟ ! فنجعلك معهم في رباطك ؟ قال : نعم ! أنا مع هؤلاء موثقا أحبّ اليّ من أن أكون مع غيرهم مطلقا ! فأنا معهم حتى ترون فيهم ما ترون ! فطُرح معهم .

        ولحق بهم العسكر المخلف مع الدليل حُريث الاسدي ، فاجتمع جمعهم .

        وجمعوا الأسرى فعرضوا عليهم الاسلام ، فمن أسلم تُرك ، ومن أبى ضربت عنقه ، حتى أتوا على الأسود فعرضوا عليه الاسلام فاستسلم للموت وقال : واللّه إن الجزع من السيف لَلُؤْم ! فقال له رجلٌ ممن أسلم منهم : ألا كان هذا حيث اُخذْت ! فلما قُتل من قُتل منّا وسبي من سبي ، وأسلم من أسلم تقول ما تقول ! ويحك أسلم واتّبع دين محمّد ! فقال أسلم : فاني أسلم وأتّبع دين محمّد ، فأسلم فسلِم وتُرك .

        وسار علي عليه‏السلام الى بيت صنمهم الفُلْس ، وعليه ثياب ألبسوه ودروع ثلاثة وثلاثة أسياف ، فهدمه وخرّب بيته .

        وجعل علي عليه‏السلام على السبي أبا قتادة ، وعلى الأثاث والماشية عبد اللّه بن عتيك السُلمي . ثم ساروا حتى نزلوا محلة من محال جبل سلمى تسمى ركك ، فعزل سيوف الفلس صفايا للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مع خمس الغنائم ، وعزل من السبي اخت عدي بن

(416)

حاتم ونساءً معها من آل حاتم ، ثم اقتسموا الغنائم والسبي ، ثم قدموا بهم الى المدينة فاُنزلت اُخت عدي دار رملة بنت الحارث(1) .

 

 

حديث سفانة الطائية :

        وروى ابن اسحاق عن عديّ عن اخته قالت : كان بباب المسجد حضيرة تُحبس السبايا فيها ، فكنت فيها ، فمرّ بي رسول اللّه فقمت إليه فقلت : يا رسول اللّه ، هلك الوالد وغاب الوافد ، فامنُن عليّ مَنّ اللّه عليك ! قال : مَن وافدك ؟ قلت : عديّ بن حاتم . قال : الفارّ من اللّه ورسوله ؟ ! ثم تركني ومضى . فلما كان الغد مرّ بي فقلت له مثل ذلك ، وقال لي مثل ما قال بالأمس !

        حتى اذا كان بعد الغد مرّ بي ، ولكني يئست منه فلم أقم ، وكان خلفه رجل أشار الي أن قومي فكلّميه . فقمت إليه فقلت ما قلت فقال : قد فعلت ، ثم قال : فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك الى بلادك فآذنيني . فسألت عن الرجل الذي أشار الي أن اكلّمه ، فقيل لي : هو علي بن أبي طالب .

        وأقمت حتى قدم ركب من بليٍّ أو قضاعة . فذهبت الى رسول اللّه فقلت له : يا رسول اللّه ، قد قدم رهطٌ من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ . فكساني رسول اللّه وأعطاني ناقة ونفقة ، فخرجت معهم الى الشام .

        قال عديّ : فبينا أنا في أهلي واذا بظعينة تؤمّ صوبنا حتى وقفت علي فاذا هي ابنة حاتم اختي [ سفانة ] فأخذت تقول لي : الظالم القاطع ! احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك وعورتك ! فقلت لها : اي اُخية لا تقولي إلاّ خيرا فواللّه مالي من عذر ! لقد صنعت ما قلت ثم سألتها عن رسول اللّه فقلت لها : ما ترين في أمر


(1) مغازي الواقدي 2 : 985 ـ 988 .

(417)

هذا الرجل ؟ ! قالت : واللّه أرى أن تلحق به سريعا ، فان يكن الرجل نبيّا فللسابق إليه فضله ، وإن يكن ملكا فلن تذلّ في عز اليمن وأنت أنت . فقبلت قولها .

 

 

اسلام عدي الطائي :

        ثم خرجت حتى قدمت المدينة على رسول اللّه في مسجده فسلّمت عليه . ثم قال لي : من الرجل ؟ فقلت : عديّ بن حاتم . فانطلق بي الى بيته . . . إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته لحاجتها ، وأخذت تكلّمه في حاجتها طويلاً وهو واقف لها ! فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بملك !

        ولما دخل بي بيته [ وأنا كافر ] تناول وسادة من أدَم محشوة ليفا فقذفها اليّ وقال لي : اجلس على هذه . فقلت : بل اجلس عليها أنت ، فقال : بل أنت فجلست عليها وجلس رسول اللّه بالأرض ! فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بأمر ملك ! .

        ثم قال لي : ايه يا عديّ بن حاتم ، الم تكن رَكوسيّا ؟ ! قلت : بلى . قال : أولم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ قلت : بلى . قال : فانّ ذلك لم يكن يحلّ لك في دينك ! قلت : أجل واللّه . وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يُجهل !

        ثم قال : يا عدي ، لعلك انما يمنعك من دخول هذا الدين : ما ترى من حاجتهم ؟ ! فواللّه ليوشِكنّ أن يفيض المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه !

        ولعلّك انّما يمنعك من الدخول فيه : ما ترى من قلّة عددهم وكثرة عدوّهم ؟ ! فواللّه ليوشِكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف ! ولعلّك انما يمنعك من الدخول فيه : أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ؟! وايم اللّه ليوشكنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم !

        قال عدي : فأسلمت(1) .



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 225 ـ 227 واختصر خبره الطبرسي في اعلام الورى 1 : 252 .

(418)

 

وفاة النجاشي وصلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

        قال الكازروني في سياق حوادث السنة التاسعة : وفي شهر رجب من هذه السنة توفي النجاشي أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون ، وكان قد أسلم فنعاه رسول اللّه الى المسلمين(1) .

        ويبدو أن ذلك كان في أوائل شهر رجب ، حيث سنستظهر أن خروجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى تبوك كان في أواخر شهر رجب ، وسيأتي أن الذي أثار الخروج الى تبوك اشاعة قوافل تجارة الميرة الشامية أن الروم يتجهّزون لغزو المدينة ، فلعلّ ذلك كان بعد انتشار أخبار وفاة حاميه النجاشي أصحمة ، حيث رأوا أن الوقت مُواتٍ لاشاعة مثل تلك الشائعات ، وفي المقابل رأى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن الوقت مُواتٍ لإعداد القوة ليرهب بها أعداء الإسلام في مسير المدينة الى الشام .

 

        ولعلّه يشهد لذلك ما رواه الحلبي عن قتادة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : لما مات النجاشي نعاه جبرئيل للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فجمع الناس في البقيع وكشف له من المدينة الى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي ( جنازته ) فصلى عليه ... وما علم هرقل بموته إلاّ من تجار رأوا المدينة . وقال : وجاءت الأخبار من كل جانب : أ نّه مات في تلك الساعة من ذلك اليوم(2) .

        وروى الصدوق في « الخصال » بسنده عن العسكري عليه‏السلام قال : لما أتى جبرئيل رسول اللّه ينعى النجاشي بكا عليه وقال : مات أخوكم أصحمة ، وهو اسم النجاشي ، ثم خرج الى الجبّابة ( المقبرة ) فخفض اللّه له كل مرتفع حتى رأى جنازته


(1) بحار الأنوار 21 : 368 عن المنتقى في أحوال المصطفى للكازروني .

(2) مناقب آل أبي طالب 1 : 107 .

(419)

بالحبشة فصلّى عليه وكبّر سبعا(1) .

 

        ذكر ابن اسحاق في الرُسل الذين أرسلهم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الاُمراء والملوك : المهاجر بن أبي اُمية المخزومي أخا ام المؤمنين اُم سلمة زوج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، قال : بعثه الى الحارث بن عبد كُلال الحميري ملك اليمن(2) ثم ذكر وصول جوابه وجواب أخويه النعمان ونُعيم عند رجوعه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من تبوك(3) مما يعني أن ارسال الرسول والكتاب كان قبل رحيله الى تبوك .

 

        ويلاحظ : أن الكتاب الذي يذكره ابن اسحاق ليس إلاّ للحارث بن عبد كُلال ، ولكنّه يذكر الجواب عنه وعن أخويه ويصفهم انهم ملوك ذي رُعين ومَعافر وهمدان . بينما الخبر المعتبر في اسلام همْدان ليس هكذا ، بل سيأتي أ نّه كان على يد علي عليه‏السلام ، ثم في هذا الخبر عن ابن اسحاق ذكر الزكاة والجزية وقتالهم المشركين لديهم مما لا ذكر له ولا أثر في سائر الأخبار ، مما يُستبعد جدّا .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p05.htm