فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
بعث الجُباة للصّدقات
غزو الفزاري لبني تميم في المحرّم
نزول سورة الحجرات
المصدّق الفاسق
تحريم الرسول الحلال على نفسه
و مَن صالحُ المؤمنين؟
سورة الصف
سورة الجمعة
سورة التغابن
تناول اطراف الطائف: خثعم واسلامهم
وفد الأزد و اسلامهم
كتابه الى بني عُذرة في اليمن
و دعوة لبني حارثة
سرية بني كلاب الى بني بكر
لا طاعة في معصية
سرية علي عليه‏السلام الى بني طيّ
حديث سفانة الطائية
اسلام عدي الطائي
وفاة النجاشي و صلاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام الزبيدي وارتداده وتوبته
البعثة الاُولى لعلي عليه‏السلام الى اليمن
مبارزة عمرو لعلي عليه‏السلام
خبر بريدة الأسلمي
غزوة تبوك
«و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم»
و منهم من يقول ائذن لي
و الذين أتوه ليحملهم معه
إحراق دار النفاق
و بناء مسجد النفاق!
معسكران للمدينة؟!
استخلاف عليّ على المدينة
عَقْد الألوية والرايات
خروجه و جمعه بين الظهرين قصرا
ممّن تعوّق ثم لحق
أحكام فقهية، و مساجد الطريق
بعض المنافقين في تبوك
و منزل الحجر مدائن صالح عليه‏السلام
استجابة دعاء، ام انواء؟!
ضلال الناقة، و المنافقين
و قبل تبوك
و انتهى الى تبوك
الخير في نواصي الخيل
حوادث هذه السفرة ، وادي القرى
أهل تيماء
دومة الجَنْدل
الأُكيدر الكندي
أهل مَقْنا
و اهل أيْلَة: ميناء العقبة
و أهل أذْرُحٍ والجَرْباء
و إسلام فئام من جذام
الرجوع من تبوك
و كرامة في وادي الناقة
و قبل منزل الحجر
مؤامرة العقبة
احراق مسجد النفاق
و الى المدينة
الثلاثة المتخلّفون
إسلام كعب بن زهير الشاعر
وفد ثُقيف وإسلامهم
وفد ثقيف الى الطائف
المغيرة يُغير على اللات
سنة الوفود
وفد بني عامر
وفد طيء وفرسانهم
وفد بني عُكل وبني زهير
وفد بني عُليم
وفد بني نهد من اليمن
مرض ابن اُبي و وفاته
نزول سورة التوبة و أغراضها
العباس يفاخر عليا عليه‏السلام
حديث سدّ الأبواب
بعث علي عليه‏السلام بآيات البراءة
إعلان البراءة في الموسم
وفود الحضرمي من البحرين و عزله
مباهلة أساقفة نجران
نزول آل عمران
معاهدة نصارى نجران
المباهلة بالنساء و أبناء الخلفاء
متى نزلت آل عمران؟
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

تحريم الرسول الحلال على نفسه :

        مرّ الحديث عن ابن سعد بسنده عن عائشة قالت عن مارية القبطية : إ نّها كانت جَعدة جميلة ، فاُعجب بها رسول اللّه . . . فما غِرت على امرأة إلاّ دون ما غِرتُ عليها... وفرغنا لها (لإثارتها وإيذائها وإزعاجها!)... ثمّ رزقها اللّه الولد وحَرَمَناه... وحوّلها رسول اللّه إلى العالية يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا(1) .

        فهي كانت في مَشربتها في عوالي المدينة ولا بيت لها من بيوت النبيّ حوّل مسجده ، وكأنّ عائشة زارت أباها ، وزارت مارية ـ بعد أن كانت اُمّ إبراهيم ـ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فخلا بها في بيت عائشة «وكانت حفصة وعائشة متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه »(2) واطّلعت حفصة على ذلك ، وعلم النبيّ بذلك .

 

        فروى الطبرسي عن الزجّاج : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دعا حفصة وقال لها : لا تُعلمي عائشة بذلك ، وأ نّه حرم مارية على نفسه ، وأخبرها بأنّ أبا بكر سيملك الأمر من بعده وبعده أبوها عمر بن الخطّاب واستكتمها إيّاه ، فأعلمت حفصة الخبر لعائشة .

 

        ثمّ قال الطبرسي : وقريب من ذلك ما رواه العيّاشي بالإسناد عن عبد اللّه بن عطاء المكّي عن أبي جعفر الباقر عليه‏السلام بزيادة : أنّ كلّ واحدة منهما حدّثت أباها بذلك ، فعاتبهما رسول اللّه في أمر مارية وما أفشتا عليه منه ، وأعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر : أنّ أبا بكر وعمر يملكان بعده .

        قال الطبرسي : قال الزجّاج : فأطلع اللّه نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على ذلك ، وهو قوله سبحانه : « وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ » يعني حفصة . . . فعرّفها بعض ما أفشت من الخبر ، وأعرض عن بعض : أنّ أبا بكر وعمر يملكان بعده(3) .



(1) الطبقات الكبرى 8 : 153 .

(2) مجمع البيان 10 : 472 .

(3) مجمع البيان 10 : 472 . والآية من التحريم : 3 .

(391)

        وعلى ما رواه عن تفسير العياشي عن الباقر عليه‏السلام ، فهو أكثر ما روى عنهم عليهم‏السلام هنا تفصيلاً .

 

        وروى الكليني في « الكافي » بإسناده عن زرارة عنه عليه‏السلام أيضا : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حرّم عليه جاريته مارية القبطيّة وحلف أن لا يقربها ، فجعل اللّه عليه الكفّارة لحلفه وليس على تحريمه(1) وذلك قوله سبحانه : « قَدْ فَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ وَاللّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ العَليم الحَكيمُ »(2) .

        وروى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام أخصر إشارة إلى ذلك في قوله سبحانه في مفتتح السورة : « يا أ يُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغي مَرْضاةَ أزْواجِكَ وَاللّهُ غَفورٌ رَحيمٌ » ، قال : اطّلعت حفصة وعائشة على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو مع مارية ، فقال النبيّ : واللّه ما أقربها ، فأمره اللّه أن يكفّر عن يمينه(3) .

 

        أمّا الطوسي في « التبيان » قبل الطبرسي فقد اكتفى عن الفرّاء والزجّاج بقوله : أسرّ إليها بأ نّه سيلي الأمر بعده أبو بكر وعمر وعثمان ، فتباشروا بذلك فانتشر الخبر . واكتفى من أخبارهم عليهم‏السلام بقوله : روى أصحابنا : أ نّه أسرّ إلى عائشة بما يكون بعده من قيام من يقوم بالأمر ودفع عليّ عليه‏السلام عن مقامه ، فبشّرت بذلك أباها ، فعاتبهم اللّه على ذلك(4) وهذا من بعد ما نقل عن زيد بن أسلم وابن زيد والشعبي وقتادة ومسروق والضحّاك والحسن بن أبي الحسن البصري قال : كانت حفصة بنت عمر زارت عائشة ، فخلا بيتها ، فوجّه رسول اللّه إلى مارية القبطيّة ، فكانت معه ، وجاءت حفصة . . . فغارت عليه من أجلها ! فحرّم رسول اللّه اُمّ ولده إبراهيم :


(1) و ( 2 ) فروع الكافي ، كما في الميزان 19 : 337 .

 

(2) تفسير القمّي 2 : 375 . وعليه فهذا تأريخ تشريع كفّارة اليمين في الإسلام .

(3) التبيان 10 : 46 ، 47 .

(392)

مارية القبطيّة على نفسه بيمين أن لا يقربها ، طلبا لمرضاة زوجته حفصة ، وأسرّ بذلك إليها . فأفضت بذلك إلى عائشة(1) .

 

        وفي قوله سبحانه في الآية الرابعة : « إنْ تَتوبا إلى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ . . . » اكتفى الطوسي بقوله عن جميع أهل التأويل وعن عمر بن الخطّاب قال : إنّه سبحانه عنى حفصة وعائشة(2) .

 

        وعيّن الطبرسي فقال : أورده البخاري في الصحيح عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطّاب : مَن المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟ قال : حفصة وعائشة(3) .

 

        ومرّ الحديث حول آية التخيير في سورة الأحزاب وكان مشتملاً على أسماء نساءٍ له تزوّجهنّ فيما بعد خيبر إلى عمرة القضاء في السنة الثامنة للهجرة ، ولذلك قلنا بتأخير هذا الحدث ، ومنه اعتزاله إيّاهنّ شهرا في مشربة اُمّ إبراهيم .

 

        وتفصيل خبر البخاري عنه عن عمر يشتمل على التصريح باعتزاله إيّاهنّ شهرا في مشربة اُمّ إبراهيم ، وأ نّه كان وهم يتحدّثون عن غزو غسّان والروم لهم ممّـا بعث على غزوة تبوك في التاسعة . قال : إنّا معشر قريش كنا غالبين على نسائنا ، فلمّـا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ! فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم ، حتّى أ نّي غضبت على امرأتي يوما فإذا بها تراجعني ! فأنكرت عليها ذلك فقالت : وما تنكر من ذلك ؟ فواللّه إنّ أزواج النبيّ ليراجعنه ، وإنّ إحداهنّ تهجره النهار إلى الليل ! فقلت لها : قد خابت وخسرت من فعلت منهنّ ذلك !


(1) التبيان 10 : 45 و 44 .

(2) التبيان 10 : 47 .

(3) مجمع البيان 10 : 474 .

(393)

        ثمّ دخلت على حفصة فسألتها : أتراجع إحداكنّ رسول اللّه وتهجره النهار إلى الليل ؟ ! قالت : نعم ! فقلتُ لها : قد خابت وخسرت من فعلت منكنّ ذلك ؟ أتأمنُ إحداكنّ أن يغضب اللّه عليها لغضب رسول اللّه فإذا هي قد هلكت ! ثمّ قلت لحفصة : لا تراجعي أنت رسول اللّه ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك ، ولا يغرينّك أن كانت جارتك [ مارية ] أوسم منك وأحبّ إلى رسول اللّه .

        قال : وكان منزلي بالعوالي ، وكان لي جار من الأنصار كنّا نتناوب النزول إلى رسول اللّه ، فينزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وأنزل يوما فآتيه بمثل ذلك . وكنّا نتحدّث : أنّ غسّان تنعّل الخيل لتغزونا ( ممّـا بعث على غزوة تبوك ) . فجاء يوما ( ولعلّه كان بعد العصر ) فضرب عليّ الباب فخرجت إليه فقال : حدث أمرٌ عظيم ! فقلت : أجاءت غسّان ؟ قال : أعظم من ذلك : طلّق رسول اللّه نساءه ! فقلت في نفسي : قد خابت حفصة وخسرت ! ( فبتّ تلك الليلة حتّى أصبحنا ) فلمّا أصبح وصلّينا الصبح شددت ثيابي على نفسي وانطلقت حتّى دخلت على حفصة فإذا هي تبكي ! فقلت لها : أطلّقكنّ رسول اللّه ؟ قالت : لا أدري ، هو ذا معتزل في المشربة .

        فانطلقت ( إلى مشربة اُمّ إبراهيم ، وإذا غلام أسود هناك ) فقلت له : استأذن لعمر . فدخل ثمّ خرج فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئا ! فانطلقت إلى المسجد . . . فجلست إلى نفر حول المسجد ، ثمّ غلبني ما أجد ( في نفسي ) فانطلقت حتّى أتيت الغلام فقلت له : استأذن لعمر . فدخل ثمّ خرج فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئا ! فولّيت منطلقا ، فإذا الغلام يدعوني ، فرجعت إليه فقال لي : ادخل فقد أذن لك ! فدخلت ، فإذا النبيّ متّكئ على حصير ورأيت أثره في جنبه ، فقلت : يا رسول اللّه ، أطلَّقت نساءك ؟ قال : لا . . . بل كان قد أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا . فعاتبه اللّه في ذلك ، وجعل له كفّارة اليمين(1) .



(1) القسم عن الاعتزال من النساء هو ما يُسمّى في الفقه بالإيلاء ، وسيأتي بلفظه في î؛ الأخبار التالية ، فالكفّارة هيكفّارة الإيلاء، وعليه فهو تأريخ تشريع كفّارة الإيلاء في الإسلام بعمله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

(394)

        ونقل هذه الرواية الطباطبائي في « الميزان » ورأى أ نّه يرد عليها إشكالان :

 

        الاُولى : أ نّها ظاهرة في أنّ المراد بالتحريم في الآية تحريم عامّة أزواجه ، وهذا لا ينطبق على الآية وفيها قوله تعالى : « لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغي مَرْضاةَ أزْواجِكَ » .

        والثانية : أ نّها لا تبيّن وجه التخصيص في قوله : « إنْ تَتوبا إلى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلوبُكُما »(1) .

        ولعلّنا نجد بعض الجواب عنهما في الخبرين التاليين :

 

        روى الواحدي بسنده عن ابن عباس عن عمر قال : دخل رسول اللّه باُمّ ولده مارية في بيت حفصة ، فوجدته حفصة معها ، فقالت له : لم تُدخلها بيتي وما صنعت بي هذا من بين نسائك إلاّ من هواني عليك ! فقال لها : لا تذكري هذا لعائشة ، وهي حرامٌ عليّ إن قربتها ! فقالت حفصة : وكيف تحرم عليك وهي جاريتك ؟ فحلف لها أن لا يقربها ، وقال لها : لا تذكريه لأحد ، فذكرته لعائشة . فأبى أن يدخل على نسائه واعتزلهن تسعا وعشرين ليلة ، فأنزل اللّه تعالى : « يا أ يُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم ما أحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغي مَرْضاةَ أزْواجِكَ وَاللّهُ غَفورٌ رَحيمٌ »(2) .

        وروى فيه بسنده عنه قال : وجدت حفصة رسول اللّه مع اُمّ إبراهيم في يوم عائشة ، فقالت له : لاُخبرنّها ؟ فقال رسول اللّه : هي حرام عليّ إن قربتها ! فأخبرت حفصة عائشة بذلك ، فأعلم اللّه رسوله بذلك ، فعرّف حفصة بعض ما قالت ، فقالت


(1) الميزان 19 : 339 ، 340 .

(2) أسباب النزول للواحدي : 367 .

(395)

له : من أخبرك ؟ قال : نبّأ ني العليم الخبير . ثمّ آلى رسول اللّه من نسائه شهرا ، فأنزل اللّه تعالى : « إنْ تَتوبا إلى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ . . . »(1) .

 

        وعن ابن عباس أيضا عن « الدرّ المنثور » عن ابن سعد في « الطبقات » قال : كانت حفصة وعائشة متحابّتين ، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عهدا به ، فأرسل النبيّ إلى جاريته ( مارية ) فظلّت معه في بيت حفصة . وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة . ورجعت حفصة فوجدتهما في بيتها فغارت غيرة شديدة ! وجلست تنتظر خروجها ، وأخرجها النبيّ ، فدخلت عليه حفصة فقالت له : قد رأيت من كان عندك ! واللّه لقد سوّأتني ! فقال لها النبيّ : واللّه لاُرضينّكِ ! وإنّي مُسرٌّ إليك سرّا فاحفظيه ! قالت : ما هو ؟ قال : إنّي اُشهدكِ أنّ سريّتي هذه حرام عليّ ، رضا لكِ !

 

        فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرّت إليها : أن ابشري ! فإنّ النبيّ قد حرّم عليه فتاته ! فلمّـا أخبرت بسرّ النبيّ أظهره اللّه عليه إذ أنزل عليه : « يا أ يُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللّهُ لَكَ... » .

        وإذا كانت هذه الأخبار عن ابن عباس تكتفي من الحديث الذي أسرّ النبيّ به إلى بعض أزواجه بتحريم مارية القبطيّة فقط ... فقد روى في « الدرّ المنثور » أيضا عن « معجم الطبراني » عنه قال : دخلت حفصة على النبيّ في بيتها وهو ( مع ) مارية ، فقال لها رسول اللّه : لا تُخبري عائشة حتّى اُبشّركِ بشارة ، فإنّ أباكِ يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متّ ! فذهبت حفصة فأخبرت عائشة . فجاءت عائشة وقالت للنبيّ : من أنبأك هذا ؟ قال : نبّأني العليم الخبير . فقالت عائشة : فإنّي لا أنظر إليك حتّى تحرّم مارية ! فحرّمها . فأنزل اللّه : « يا أ يُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغي مَرْضاةَ أزْواجِكَ »(2) .



(1) أسباب النزول للواحدي : 369 .

(2) الدرّ المنثور ، كما في الميزان 19 : 338 .

(396)

        وزادالقمي في تفسيره قال : كان سبب نزولهاأنّ مارية‏القبطيّة كانت مع‏رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله تخدمه ، وكان ذات يوم في بيت حفصة ، فذهبت في حاجةٍ لها ، فتناول النبيّ مارية ، وعادت حفصة فعلمت بذلك فغضبت ، وأقبلت على رسول اللّه وقالت له : يا رسول اللّه ، هذا في يومي وفي داري وعلى فراشي ؟ !

 

        فاستحيا رسول اللّه منها وقال لها : كفّي فقد حرّمت مارية على نفسي ، فلا أطأها بعد هذا أبدا ! وأنا اُفضي إليكِ سرّا ! فقالت : نعم ، ما هو ؟ فقال : إنّ أبا بكر يلي الخلافة بعدي ، ثمّ من بعده أبوك ! فقالت : مَن أخبرك بهذا ؟ فقال : اللّه أخبرني !

        فذهبت حفصة من يومها ذلك إلى عائشة فأخبرتها بذلك ! وذهبت عائشة إلى أبيها فأخبرته بذلك ! فذهب أبو بكر إلى عمر فقال له : إنّ عائشة أخبرتني عن حفصة بشيء ، ولا أثق بقولها : فاسأل أنت حفصة عنه ، وأخبره بالخبر .

        فجاء عمر إلى ابنته حفصة وقال لها : ما هذا الذي أخبرت عنك عائشة ؟ ! فقالت حفصة : ما قلت لها من ذلك شيئا ! فقال لها عمر : إن كان هذا حقّا فأخبرينا حتّى نتقدّم فيه ! فقالت : نعم ، قد قال رسول اللّه ذلك ! فنزل جبرئيل على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بهذه السورة(1) .

 

ومَن صالحُ المؤمنين ؟

        وفي الآية الرابعة من السورة قوله سبحانه : « إنْ تَتوبا إلى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلوبُكُما وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْريلُ وَصالِحُ المُؤْمِنينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهير » .


(1) تفسير القمّي 2 : 375 ، 376 .

(397)

        ونقل الطبرسي عن تفسير أبي مسلم محمّد بن بحر الإصفهاني قال : « صالح المؤمنين » كان « صالحو المؤمنين » على الجمع ، وسقطت الواو في المصحف لسقوطها في اللفظ(1) .

        وروى الحبري في تفسيره بسنده عن أسماء بنت عُميس قالت : سمعت رسول اللّه يقول : « صالِحُ المُؤْمِنينَ » عليّ بن أبي طالب .

 

        وروى فيه بسنده عن ابن عباس قال : « وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ » نزلت في عائشة وحفصة « فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ » أي مولى رسول اللّه‏ « وَجِبْريلُ وَصالِحُ المُؤْمِنينَ » نزلت في عليّ عليه‏السلام (2) .

        ورواهما فرات الكوفي في تفسيره وأسند عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه حين نزلت الآية أخذ رسول اللّه بيد عليّ عليه‏السلام فقال : أ يّها الناس هذا صالح المؤمنين(3) .

 

        وروى فيه بسنده عن رشيد الهجري قال : كنت أسير مع مولاي عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام في ظهر الكوفة فالتفت إليّ فقال : يا رشيد ، أنا واللّه صالح المؤمنين .

 

        وروى فيه بسنده عن الباقر عليه‏السلام قال : لمّـا نزلت « وَصالِحُ المُؤْمِنينَ » قال النبيّ لعليّ عليهماالسلام : يا عليّ أنت صالح المؤمنين .

        وروى فيه بسنده عن سالم عن خيثمة قال : سمعت أبا جعفر الباقر عليه‏السلام يقول : لمّـا نزلت الآية : « وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْريلُ وَصالِحُ


(1) مجمع البيان 10 : 474 ، وراجع وقارن التبيان 10 : 48 .

(2) ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم‏السلام : 86 ، 87 . ورواهما فرات الكوفي في تفسيره : 491 ، وانظر بحار الأنوار 36 : 29 وهامش تفسير فرات للمحقّق المحمودي ونقل خبر أسماء الحسكاني في شواهد التنزيل وعنه الطبرسي في مجمع البيان 10 : 475 .

(3) رواه الحسكاني في شواهد التنزيل وعنه في مجمع البيان 10 : 474 ، 475 .

(398)

المُؤْمِنينَ » قال النبيّ لعليّ عليه‏السلام : يا عليّ أنت صالح المؤمنين . قال سلام : فحججت فلقيت أبا جعفر عليه‏السلام فذكرت له قول خيثمة فقال : صدق خيثمة ، أنا حدّثته بذلك(1) .

 

        وروى القمي في تفسيره بسنده عنه عليه‏السلام قال : « صالِحُ المُؤْمِنينَ » عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام (2) .

 

        ونقل هذا الخبر البحراني في تفسيره « البرهان في تفسير القرآن » ثمّ ذكر أنّ محمّد بن العباس أورد في هذا المعنى اثنين وخمسين حديثا من طرق الخاصّة والعامّة ، ثمّ أورد نبذة منها ، وكذلك معاصره المجلسي في « بحار الأنوار »(3) .

 

        وقال الطوسي في « التبيان » : روت الخاصّة والعامّة : أنّ المراد بصالح المؤمنين : عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام ، وذلك يدل على أنه أفضلهم ، لأن القائل اذا قال : فلان فارس قومه ، او : شجاع قبيلته ، أو : صالحهم ، فانه يفهم من جميع ذلك : انّه أفرسهم وأشجعهم وأصلحهم(4) واكتفى الطبرسي من هذا بقوله : وردت الرواية من طريق الخاص والعام أن المراد بصالح المؤمنين : أمير المؤمنين علي عليه‏السلام (5) .

 

        ولم أعلم من بيّن ما بين الموضوعين من رابطة ومناسبة في سياق الكلام في الآيات : بين إسرار النبي حديثا الى بعض أزواجه وكون اثنتين منهن قد صغت قلوبهما بما نبأت احداهن الاخرى بالحديث الذي أسرّه النبي اليها ، وكان زيغ


(1) تفسير فرات الكوفي : 489 و 491 .

(2) تفسير القمّي 2 : 377 .

(3) بحار الأنوار 36 : 27 ، الباب 29 ، وكذلك في شواهد التنزيل .

(4) التبيان 10 : 48 .

(5) مجمع البيان 10 : 474 .

(399)

قلوبهما الى التظاهر عليه ! هذا من جهة ، وبين أن يكون اللّه والملائكة بما فيهم جبرئيل وكذلك صالح المؤمنين أولياء متظاهرين له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟

 

        وبالنظر الى ما مرّ من الأخبار المفشية بأن الحديث السرّ كان فيمن يتولّى الأمر بعده ، وليس تحريم مارية على نفسه فحسب . . . أرى كأن الآية من قبيل دفع الدخل المقدّر أو الوهم المتوهم بأن المتولّين بعده أصلح المؤمنين ، فالآية تردّ على هذا الوهم بأن صالح المؤمنين ـ بتفسير رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ بمعنى أصلح المؤمنين كما بين الشيخ الطوسي ، انما هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، وليس كل من يتولّى الأمر بعده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

        والآيات الثلاث الأواخر في السورة من العاشرة حتى الثانية عشرة في ضرب المثل بامرأتين كافرتين فهما في الحقيقة زوجتان لعبدين صالحين هما نوح ولوط ، خانتاهما ـ في غير أمر الفراش ـ « فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا ، وقيل : ادخلا النار مع الداخلين » ثم ضرب المثل بامرأتين مؤمنتين احداهما صدّيقة :« صدّقت بكلمات ربّها وكتبه ، وكانت من القانتين » وهي مريم ابنة عمران ، والاخرى امرأة فرعون والتي آمنت بظلمه وبربّها وجنّته ، وانما اعلنت ايمانها في أواخر ايام حياتها داعية ربّها أن ينجّيها من فرعون ومن سائر الظالمين .

        ونقل الطبرسي عن مقاتل قوله : يقول اللّه سبحانه لعائشة وحفصة : لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية ! وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم(1) .

        وقبله نقل الطوسي عن الفرّاء قال : هذا مثل ضربه اللّه تعالى لعائشة وحفصة ، وبيّن انّه لا يغنيهما ولا ينفعهما مكانهما من رسول اللّه إن لم يطيعا اللّه ورسوله ، ويمتثلا أمرهما ، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط كونهما تحت نبيّين ، وفي


(1) مجمع البيان 10 : 479 .

(400)

هذا زجر لهما عن المعاصي وأمر لهما أن يكونا كآسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران في طاعتهما للّه تعالى وامتثال أمره ونهيه(1) .

 

        وكأن النبي هنا زاد على هَدْى القرآن مثلين آخرين للمؤمنات فقال : « حسبك من نساء العالمين أربع : مريم ابنة عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد » هذا ما رواه الطوسي في « التبيان »(2) .

 

        اما الطبرسي فروى عن أبي موسى ( الاشعري ) عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : « كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء الا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد »(3) .

 

        وفي ذكره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خديجة بنت خويلد تخليدا لذكراها وكمالها ، ما فيه من الدلالة الكافية مثلاً منها لاُمّ المؤمنين المثالية في الاسلام ، لمن يفحص عن مثل ذلك بازاء حفصة وصاحبتها عائشة وقد صغت قلوبهما كما قال اللّه سبحانه . وكأ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بذكره لابنته فاطمة وأنها أكمل النساء الأحياء ، يذكّر بكفاءتها لصالح المؤمنين علي عليه‏السلام ، فمن أراد المثل الصالح للمؤمنين فعليه بعليّ عليه‏السلام ، ومن أراد المثل الكامل للمرأة المؤمنة فعليه بفاطمة عليهاالسلام ، ومن اعرض عنهما اعرض عن الصلاح والكمال .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y09-p03.htm