فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

و ماذا عن القرآن في هذه الحوادث؟

        لم يرو في أخبار أسباب نزول الآيات وشؤونها ما يرتبط بالحوادث بعد فتح مكة ، من حرب حنين وهوازن والثقيف والطائف ، اللهم الا الآيات : « وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... » وذلك في سورة براءة أو التوبة التي نزلت بعد رجوعه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من حرب تبوك في أواخر التاسعة للهجرة أي بعد عام تقريبا . اللهم إلاّ ما يأتي من آيات في سورة النور .

 

إسلام عروة بن مسعود وشهادته :

        مرّ أنّ عروة بن مسعود كان قد ذهب إلى جُرَش في حدود اليمن ليتعلم منهم عمل الدبّابات والمنجنيق استعداداً لحرب الإسلام ، وعاجلهم الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فحاصـرهم قبل أن يرجع إليهم عروة بما تعلّم ، فلم يرجع إليهم إلاّ بعد رجوع الرسول عنهم .

(340)

        ولعلّه سمع بوعيد النبيّ وتهديده لهم فتأثّر به ، فخرج إليه ليسلم . قال الواقدي : يقال : إ نّه لحق به بين مكة والمدينة فأسلم ، والأثبت أنه قدم المدينة فأسلم ، ( فلعلّه كان في شهر ذي الحجة أواخر السنة الثامنة للهجرة ) .

        وكان الرجل يرى نفسه مهيباً عندهم يقول : لو وجدوني نائماً ما أيقظوني ! ومحبوباً جدّاً يقول : يا رسولَ اللّه لأَنا أحبّ إليهم من أبكار أولادهم ! وكان سبّاقاً إلى كل شيء ، فأراد أن يسبقهم إلى الإسلام ، ودعوتهم إليه ، فقال للنبيّ : يا رسولَ اللّه ، إئذن لي أن أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام ، فواللّه ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب : فأَقِدم على أصحابي وقومي بخيرِ قادم ، وما قدم وافد قطُّ على قومه بمثل ما قدمت به ! وقد سبقت في مواطن كثيرة يا رسول اللّه .

        فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إنهم إذاً قاتلوك ! قال : يا رسولَ اللّه ، لأنا أحبُّ إليهم من أبكار أولادهم ! فلم يأذن له .

        ثم استأذنه ثانية ، فأعاد عليه كلامه الأول . فقال : يا رسول اللّه ، لو وجدوني نائماً ما أيقظوني ! فلم يأذن له .

        ثم استأذنه ثالثة ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إن شئت فاخرج . فطار إلى الطائف مُسرعاً في خمسة أيام ، فقدمها عشاءً .

        وكانوا إذا قدموا من السفر بدؤوا بآلهتهم اللات وحلقوا رأسهم عندها، فلم يفعل.

        فجاؤوه وحيّوه بتحيتهم : أنعِم مساءً ! فلم يرد عليهم بمثلهم ولم يقل : عليكم السلام ، ولكنّه قال : عليكم تحية أهل الجنة ! ثم قال لهم : يا قوم ، أتتّهمونني ؟ ألستم تعلمون أني أوسطكم ( أشرفكم ) نسباً ! وأكثركم مالاً ! وأعزّكم نفراً ! فما حملني على الإسلام إلاّ أني رأيت أمراً لا يذهب عنه ذاهب ! فاقبلوا نُصحي ولا تستعصوني ! فواللّه ما قدم وافد على قوم بأفضل مما قدمت به عليكم ! فقالوا : إنّك حيث لم تقرُب الربّة اللات ولم تحلق رأسك عندها قد وقع في أنفسنا أ نّك قد صبَوت ( مِلت إلى الإسلام ) فنالوا منه وآذوه ، فحلِم عليهم .

(341)

        وطلع الفجر ، فصعد على غرفة له فأذّن بالصلاة! فرماه أوس بن عوف من بني مالك ، أو وهب بن جابر من الأحلاف ، فأصاب أكحَله ( عرق يده ) فلم ينقطع دمه ، ورأى قومه أعدوا أسلحتهم لينتقموا له فيأخذوا بثاره فقال لهم : لاتقتتلوا فيّ ، فانّي قد تصدّقتُ بدمي على صاحبه ليَصلَح بذلك بينكم ، فهي كرامة اللّه أكرمني اللّه بها : الشهادة ساقها اللّه إليّ ، وأشهدُ أنّ محمداً رسولُ اللّه فإنّه أخبرني بهذا عنكم : أنكم تقتلونني ! وادفنوني مع الشهداء الذين قُتلوا معه قبل أن يرتحل عنكم . ثم مات رحمه اللّه .

        فقال لهم ابنه ابو مويلح ابن عروة : لا اُجامعكم على شيء أبداً وقد قتلتم عروة ! وتابعه ابن عمّه قارب بن الأسود بن مسعود ( وهو قائد الأحلاف من ثقيف في يوم حنين ) وعملا بوصيّة عروة فدفنوه مع الشهداء . ثم لحقا بالمدينة فأسلما لدى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلما علم النبيّ بمقتل عروة قال : مثَل عروة مثَل أصحاب ياسين ( في سورة يس ) دعا قومه إلى اللّه فقتلوه ! ثم نزلا على المغيرة بن شعبة الثقفي(1) .

 

ووفاة ابنته زينب :

        وهي زوجة ابن خالتها أبي العاص بن الربيع الاُموي، ولها منه عليّ وأمامة(2) وكانت حاملاً وهاجرت فطعن محملها هَبار بن الأسود فطرحت ، وأسلم زوجها أبو العاص فعادت إليه ، ولم تحمل منه لعلّتها بعد إسقاطها ، وخرج زوجها معه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى مكة ثم حُنين ، وكان مع علي عليه‏السلام في سريّته إلى خثعم في ضواحي الطائف


(1) حتى أسلم أهلهم في الطائف فرجعوا معهم . مغازي الواقدي 2 : 960 ـ 962 .

(2) فأما علي فمات في ولاية عمر ، وأما أمامة فهي التي أوصت فاطمةُ علياً عليهماالسلام أن يتزوّجها بعدها ، فتزوّجها بعدها بخمسين يوماً ، وماتت سنة خمسين . بحار الأنوار 21 : 183 ، 184 عن الباب الثامن من المنتقى للكازروني .

(342)

كما مرّ ، فما مرّ على عودته معه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى المدينة إلاّ أياماً حتى توفيت زوجته زينب ، فصلّت فاطمة على أُختها زينب(1) .

 

 

وماذا نزل من القرآن ؟ :

        مرّ في مقدّمات أخبار فتح مكة نزول سورة النصر تبشّر بالنصر في فتح مكة ، وفي الوقت نفسه تنذره بدنوّ أجله وتنعى إليه نفسه ، وكأ نّه لا ينبغي أن يكون له في هذه الدنيا الفرح إلاّ مخالطاً بالحزن والترح ، بل كأنها بشارة اُخرى باقتراب انتهاء أتعابه وراحته !

 

سورة النور :

        والسورة التالية في النزول سورة النور « سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » ثم بيّنت حدّ الزنا في قوله سبحانه : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ... » .

        ونجد بشأنها في تفسير القمي : هي ناسخة لقوله سبحانه : « وَاللاَتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً »(2) .

        ويبدو أ نّه يعني بالنسخ هنا ما جاء في « الكافي » بسنده عن الباقر عليه‏السلام قال : وسورة النور اُنزلت بعد سورة النساء ، وفيها : « وَاللاَتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ »


(1) الاستبصار 1 : 85 ح 1880 ، والتهذيب 3 : 333 ح 1043 . وفي اعلام الورى 1 : 276 : أنها توفيت في السابعة ولعلّه هو الراجح ، وأن فاطمة ولدت ابنتها زينب بعد وفاة أُختها زينب ، فسمّت ابنتها باسم اُختها ، وفاءً لها وتخليدا لذكرها .

(2) النساء : 15 والخبر في تفسير القمي 2 : 95 .

(343)

إلى قوله : « أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً » قال : فالسبيل هو الذي قال تعالى : « الزانيةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا »(1) .

 

        وبخلاف ما يُتوقَّع لا نجد فيما بأيدينا أيّ خبر عن سبب نزول السورة أو الآية أو شأنهما ، اللهم إلاّ ما نجده بشأن الآية التالية : « الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ »(2) .

 

        فقد قال القمي في تفسيره : نزلت هذه الآية في نساء في مكة كنّ مستعلنات بالزنا : سارة ، وحنتمة ، والرّباب ، فحرّم اللّه نكاحهنّ(3) .

 

        وروى الطوسي في « التبيان » عن الباقر عليه‏السلام : أنّ الآية نزلت في أصحاب الرايات ، فأمّا غيرهن فانه يجوز أن يتزوّجها .. ويمنعها من الفجور(4) .

 

        وقال : وروي ذلك عن عبد اللّه بن عباس وابن عمر : أنّ رجلاً من المسلمين استأذنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يتزوج امرأة من أصحاب الرّايات للسفاح ، فأنزل اللّه الآية .. وبه قال مجاهد والشِعبي والزُهري ، وأنّ التي استؤذن لها : اُمّ مهزول(5) .

 

        ونقل الطبْرسي في « مجمع البيان » ما ذكره الطوسي وزاد عن الباقر والصادق عليهماالسلام قال : هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مشهورين بالزنا ، فنهى اللّه عن اولئك الرجال والنساء على تلك المنزلة(6) .

 



(1) عن الكافي في الميزان 15 : 83 .

(2) النور : 4 .

(3) تفسير القمي 2 : 95 ، 96 .

(4) التبيان 7 : 408 . وعليه يحمل قوله سبحانه في الآية : 26 من السورة نفسها أي بعد 23 آية : « الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ » كما في مجمع البيان 7 : 213 .

(5) التبيان 7 : 407 .

(6) مجمع البيان 7 : 197 ، 198 والخبـران عنهما هـو ما رواه الكليني عن محمد بن سالم î؛ عن الباقر ، وعن زرارة عن الصادق عليهماالسلام ، كما في الميزان 15 : 83 ، 84 .

(344)

        وخبر القمي صريح في نساء مكة ، وكذلك ظاهر ما بعده ، مما يقتضي نزول الآية بعد فتح مكة ، ولم يُذكر . ولا يتنافى ذلك مع مدنية السورة على المصطلح المعروف . وعدم ذكر سبب خاص لنزول السورة أو هذه الآيات منها ، ومناسبة أجواء مكة الجاهلية وأصحاب الرايات فيها ، وتأكيده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في بيعة النساء بعد فتح مكة على اجتناب الزنا ، وورود نزول سورة النور بعد النصر وقبل الحجرات في أوّل التاسعة .. كل ذلك مما يقـرّب احتمال نزول السورة بعد الفتح ، وإن كـان لم يُذكر .

 

        وفي « أسباب النزول » للواحدي النيشابوري خبر عن عِكرمة ( عن ابن عباس ظ ) فيه تفصيل عن بغايا مكة قال : نزلت الآية : « الزَّانِي لاَ يَنكِحُ » في نساء بغايا في مكة(1) وكنّ كثيرات ، تسع منهن صواحب رايات ، لهنّ رايات كرايات البيطار يعرفونها : ام مهدون ( = اُم مهزول ) جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ، واُمّ غليظ جارية صفوان بن اُميّة المخزومي ، وقرينة ( = فرتنه ) جارية هشام بن ربيعة المخزومي ، واُمّ سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي ، وحيّة القبطية جارية العاص بن وائل السهمي ، وجلالة جارية سُهيل بن عمرو العامري ، وشريفة جارية زمعة بن الأسود ، ومِرية جارية ابن مالك بن السبّاق(2) .

 

أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته :

        في يوم الجمعة الثاني من شهر رمضان بعد صلاة العصرخرج صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من المدينة(3)


(1) في الخبر : والمدينة ، ثم لم يذكر إلاّ بغايا مكة ، والنزول لا بدّ أنه كان في أحدهما وهي مكة .

(2) أسباب النزول للواحدي : 261 .

(3) إعلام الورى 1 : 215 .

(345)

لفتح مكة ، ولم يعد إليها إلاّ بعد ثلاثة أشهر : لثلاث بقين من ذي القعدة يوم الجمعة أيضاً(1) وإنّما أخرج معه من أزواجه زينب واُمّ سلمة(2) وخلّف سائر نسائه ومنهنّ مارية القبطية اُمّ ابراهيم في مشربتها في العالية(3) ، ومعها مولاها أو ابن عمّها مأبور أو جريج القبطي الذي بعثه معها أبوها أو مقوقس الاسكندرية ، خادماً ، خُصياً بل مجبوب الذكر(4) وذلك ليؤمَن منه عليها .

 

        وأما سبب إفرادها في مشربتها في العالية فقد ورد على لسان ضرّتها عائشة :

 

        فقد روى ابن سعد بسنده عنها قالت : انّها ( مارية ) كانت جَعْدةً جميلة ، فاُعجب بها رسول اللّه .. فما غِرت على امرأة إلاّ دون ما غِرت عليها .. وفرغنا لها ( لإثارتها وايذائها وإزعاجها ! ) فجزعتْ ، فحوّلها رسول اللّه إلى العالية


(1) مغازي الواقدي 2 : 960 و 973 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 926 .

(3) قال عبد الرحمن خويلد في كتابه المساجد والأماكن الأثرية المجهولة : كان موقع مشربة اُم إ براهيم يسمّى قديما بالدشت ويصغّر بالدُشيت ، وكان بستانا فيه بئر لليهودي مخيريق بن النضير الذي قاتل مع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم احد وقال : إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء ، وقتل . وفي وسطها ربوة مرتفعة وكان عليها غرفة من الحجر . ولما ولّي عمر بن عبد العزيز ابن مروان المدينة بنى عليها مسجدا غرفة من الحجر كذلك وأزالها الوهابيون أخيرا ( قبل ست سنين تقريبا ) وكان للمشربة باب خشبي قديم اخضر اللون فأبدلوه بباب حديدي ، وجُعلت مقبرة لدفن موتى المحلّ ، ويصعب الدخول اليها إلاّ لذلك ! وهي على امتداد شارع العوالي بعد مستشفى الزهراء باتجاه مستشفى المدينة الوطني بسبعمئة متر تقريبا مقابل انتاج الميمني للطوب الأحمر . كما عنه في مجلة ميقات الحج 7 : 273 ، 274 .

(4) تفسير القمي 2 : 318 وأمالي المرتضى 1 : 77 . وصحيح مسلم 8 : 119 ط مشكول . والطبقات الكبرى 8 : 154 و 155 . ومستدرك الحاكم 4 : 39 ، 40 .

(346)

يختلف إليها هناك ، فكان ذلك أشدّ علينا ، ثم رزقها اللّه الولَد وحَرمَناه(1) وإنما كان ذلك منذ ظهور حملها :

 

        فقد روى أيضاً بسنده عن أنس بن مالك عن عائشة قالت : فلما استبان حملُها فزعتُ من ذلك !(2) ومعها سائر نسائه :

        فقد روى أيضاً بسنده عن أبي جعفر الباقر عليه‏السلام قال : وثقُلت ( مارية ) على نساء النبيّ وغِرن عليها ، و ( لكن ) لا مثل عائشة(3) .

 

        فكان من جرّاء هذا وذاك : ما رواه ابن سعد أيضاً بسنده عن أنس بن مالك قال : كان القبطيّ يأوي إلى اُمّ ابراهيم في مشربتها يأتيها بالماء والحطب ، فقال الناس : عِلْجٌ يدخل على عِلْجة !(4) .

 

        بل روى الحاكم في مستدركه بسنده عن عائشة نفسها قالت : كان معها ابن عمّها ، فقال أهل ( الإفك ) والزور : من حاجته ( محمد ) إلى الولَد ادّعى ولَد غيره(5) حملاً !

 

        واستبانة حملها وإن كان ـ طبيعياً ـ في أوائل شهرها الخامس شهر رجب من الثامنة ، أي قبل بدء سفره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لفتح مكة في أوائل شهر رمضان ، بشهرين(6) ، ولكن تصاعد آثاره وتفاقمها كأ نّه كان في فترة غيبته عنها وعنهنّ وعن المدينة ـ وفيها


(1) الطبقات الكبرى 8 : 153 .

(2) الطبقات الكبرى 1 ( القسم الأول ) : 88 .

(3) الطبقات الكبرى 1 ( القسم الأول ) : 82 .

(4) الطبقات الكبرى 8 : 154 والعلج : العجمي وهو غير العربي ولو كان قبطيا مثلاً .

(5) مستدرك الحاكم 4 : 39 .

(6) ذلك أن ولادتها لابراهيم كانت ـ كما يأتي ـ في أوائل شهر ذي الحجة .

(347)

النفاق والضغينة ـ بسفرته التي طالت ثلاثة أشهر ، وهي فترة كافية لأيّ إرجاف وإشاعة مُغرضة . فهو صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إذ عاد من سفرته تلك إلى مدينته ، عاد إليها وهي كأ نّها تغلي كالمرجل بهذه الإشاعة القبيحة ! ولا نعرف وصف حاله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما بلغت إلى مسامعه ؟ ! ولا نعلم مدى وقعها في نفسه الشريفة ؟ !

 

 

حديث الافك :

        مرّ علينا آنفاً الخبر عن ابن سعد بسنده عن أنس بن مالك : أن الناس قالوا في القبطيّ الذي كان يأوي إلى اُمّ ابراهيم في مشربتها يأتيها بالماء والحطب : عِلْجٌ يدخل على عِلْجة(1) .

        وكذلك خبر الحاكم في مستدركه عن عائشة قالت : كان معها ابن عمّها فقال أهل ( الإفك ) والزور : مِن حاجته ( محمد ) إلى الولَد ادّعى ولد غيره !(2) .

 

        ولا ريب أن هذا ( الإفك ) والزور من رمي المحصنَة المؤمنة مارية القبطيّة من مصاديق قوله سبحانه في الآية الرابعة من سورة النور النازلة في هذه الفترة : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً .. » إلاّ أننا لا نرى أيّ خبر عن شأن نزولها وتطبيقها بشأن مارية .

 

 

حكم اللِعان :

        ولعلّ من حِكم اللّه في تلك الفترة ما جاء في الآيات التاليات من السادسة إلى العاشرة من السورة في حكم من يرمي زوجته ولا شاهد له ، وفي سبب نزولها :


(1) الطبقات الكبرى 8 : 154 والعلج : العجمي .

(2) مستدرك الحاكم 4 : 39 .

(348)

        روى القمي في تفسيره : أنه لما رجع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من غزوة تبوك ( في التاسعة ، كذا ) جاء إليه عُويمر بن ساعدة العَجلاني الأنصاري فقال : يا رسول اللّه ، إنّ امرأتي زنى بها شريك بن السمحاء وهي منه حامل ! فأعرض عنه رسول اللّه ، فأعاد عليه القول ، فأعرض عنه ، حتى فعل ذلك أربع مرات . فقام رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ودخل منزله ، فنزلت عليه آيات اللعان .

        فخرج رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وصلى بالناس العصر ، ثم طلب عويمر فقال له : ايتني بأهلك ! فقد أنزل اللّه فيكما قرآناً ! فذهب إليها وقال لها : إنّ رسول اللّه يدعوك !

        وكانت شريفة في قومها ، فجاءت وجاء معها جماعة منهم ، فلما دخلوا عليه المسجد قال رسول اللّه لعويمر : تقدّما إلى المِنبر والتعنا . قال عويمر : كيف أصنع ؟ قال : تقدّم وقل : أشهد باللّه أ نّي لمن الصادقين فيما رميتها به . فتقدّمَ وقالها ، فقال له رسول اللّه : أعِدها ، حتى فعل ذلك أربع مرّات ، ثم قال له في الخامسة : ( وقل : ) عليك لعنة اللّه إن كنتَ من الكاذبين فيما رميتَها به ، فقال ذلك ، فقال له رسول اللّه : إنّ اللعنة لموجبة إن كنتَ كاذباً ! ثم قال له : تنحَّ . فتنحّى .

        ثم قال لزوجته : تشهدين كما شهد ، وإلاّ أقمت عليك حدّ اللّه ! فنظرت في وجوه قومها فقالت : لا اُسوّد هذه الوجوه في هذه العشية ! ثم تقدَّمت إلى المِنبر وقالت : أشهد باللّه أنّ عويمر بن ساعدة من الكاذبين فيما رماني به ! فقال لها رسول اللّه : أعيديها ، فأعادتها أربع مرّات ، ثم قال لها رسول اللّه في الخامسة : فالعني نفسك إن كان من الصادقين فيما رماك به ! فقالت ذلك ، فقال لها : ويلك ! إنّها موجبة إن كنتِ كاذبة !

        ثم قال رسول اللّه لزوجها : اذهب ، فلا تحلّ لك أبداً ! فقال : يا رسولَ اللّه ، فمالي الذي أعطيتُها ؟ ! فقال : إن كنتَ كاذباً فهو أبعد لك منه ، وإن كنتَ صادقاً فهو لها بما استحللت من فرْجها . ثم قال : إن جاءت بالولد جعدٍ قَطِطٍ أخفش العينين

(349)

( ضعيفهما ) أحمش الساقين ( دقيقهما ، وهي أوصاف شريك الأعرابي الذي رماها به زوجها ) فهو للأمر السيّئ ! وإن جاءت به أصهب ( الشعر = أشقره ) أشهل ( العين = سواد بزُرقة وهي أوصاف عويمر ) فهو لأبيه(1) .

 

        وروى الطوسي في « التبيان » عن ابن عباس : أنّ الآية نزلت في هلال بن اُميّة وزوجته . وهو ما رواه الطبْرسي في « مجمع البيان » عن عِكرمة عن ابن عباس قال ( لما نزلت الآية : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ » ) قال سعد بن عبادة : لو أتيتُ لُكاعَ وقد تفخّذها رجلٌ ، لم يكن لي أن اُهيّجه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ ! فواللّه ما كنتُ لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب ! فإن قلتُ ما رأيت إنّ في ظهري لثمانين جلدة !

 

        فقال النبيّ للأنصار : يا معشر الأنصار ، ما تسمعون إلى ما قال سيّدكم ؟ ! فقالوا : لا تلُمْه فانه رجل غَيور ما تزوّج امرأة قط إلاّ بكراً ! ولا طلّق امرأة له فاجترى منّا رجل أن يتزوّجها ! فقال سعد بن عبادة : يا رسولَ اللّه ، بأبي أنت واُمّي ، واللّه انّي لأعرف أنها من اللّه ، وأنها حق ، ولكن عجبتُ من ذلك ، لِما أخبرتك .

        فقال : فانّ اللّه يأبى إلاّ ذلك . فقال : صدق اللّه ورسوله .

        وعن الحسن أ نّه قال : أرأيت إن رأى رجلٌ مع امرأته رجلاً فقتله ، تقتلونه ؟ ! وإن أخبر بما رأى جُلد ثمانين ؟ ! أفلا يضربه بالسيف ؟ ! فقال رسول اللّه : كفى بالسيف شاه ـ أراد أن يقول شاهداً ـ ثم أمسك وقال : لولا أن يُتابَع فيه السكران والغيران .

        وعن الضحاك عن ابن عباس قال : وقال عاصم بن عَدي : يا رسولَ اللّه ،


(1) تفسير القمي 2 : 98 ، 99 والاستدلال بالأوصاف قضية في واقعة ولا حجية فيها فلا يقاس عليها .

(350)

إنْ رأى رجلٌ منّا مع امرأته رجلاً فأخبر بما رأى جُلد ثمانين ، وإن التمس أربعة شهداء كان الرجل قد قضى حاجته ثم مضى ! قال : كذلك اُنزلت الآية يا عاصم !

 

        فخرج إلى منزله ، فاستقبله هِلال بن اُميّة يسترجع ! فقال له عاصم : ما وراءك ؟ قال : شرّ ، وجدت شريك بن سمحا على بطن امرأتي خولة ! فرجعا إلى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخبره هِلال بالذي كان(1) .

        فقال : انّي جئت أهلي عشاءً فوجدت معها رجلاً رأيته بعيني وسمعته باُذني ! فكره ذلك رسول اللّه حتى رأى ذلك هِلال فقال : إنّي لأرى الكراهة في وجهك ، واللّه يعلم أ نّي لصادق ، وأ نّي لأرجو أن يجعل اللّه لي فرجاً من ذلك . وهمَّ رسولُ اللّه بضربه ولكن أخذتْه حالة الوحي فأنزل اللّه تعالى قوله : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ » فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لهِلال : يا هِلال ، أبشر ، فإنّ اللّه تعالى قد جعل ذلك فرجاً ! فقال : قد كنتُ أرجو ذاك من اللّه تعالى . فقال : أرسِلوا إليها(2) .

 

        فقال لها : ما يقول زوجك ؟ فقالت : يا رسولَ اللّه ، إنّ ابن سمحا كان يأتينا فينزل بنا فيتعلم الشيء من القرآن ، فربما تركه زوجي عندي وخرج ، فلا أدري أدركتْه الغيرة ؟ أم بَخِل عليَّ بالطعام !(3) .

 

        فلاعن بينهما ، فلما انقضى اللعان فرّق بينهما وقضى : أن الولد لها ، ولا يُدعى لأب ، ولا يُرمى ولَدُها . ثم قال : إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها ، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه(4) .

 



(1) مجمع البيان 7 : 201 .

(2) مجمع البيان 7 : 202 .

(3) مجمع البيان 7 : 201 .

(4) مجمع البيان 7 : 202 .

(351)

        وهذه الأخبار كما رأينا ليس فيها ما كان في خبر القمي : بعد غزوة تبوك ، بل فيها أن ذلك كان بعد نزول آيتي القذف ، وظاهرها الاتصال أو قريب منه . وكما مرّ فلعلّه كان من حِكم اللّه ما جرى لهذين الزوجين ليكون عبرة للآخرين في تلك الفترة .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p21.htm