فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج :

        قال : ولما قسّم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله غنائم حُنين ، أقبل رجل أحدب طويل طُول


(1) الإرشاد 1 : 147 و 150 . هذا وآية موارد الصدقات ومنهم المؤلفة قلوبهم هي 60 من سورة التوبة النازلة بعد تبوك في التاسعة ، والآية وإن كانت في الصدقات لا الغنائم إلاّ انها تؤيّد فعل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

(321)

آدم ، بين عينَيه أثر السجود ، فسلّم ـ ولم يخصّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالسلام ـ ثم قال : قد رأيتك وما صنعتَ في هذه الغنائم ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : وكيف رأيت ؟ قال : لم أرَك عدلْتَ !

 

        فغضب رسولُ اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقال : وَيلك ! إذا لم يكن العدْلُ عندي فعند مَن يكون ؟ !

        فقال المسلمون : ألا نقتله ؟ ! فقال : دعوه ، سيكون له أتباع يَمرقُون من الدين كما يَمْرُق السهم من الرَّمية ، يقتلهم اللّه على يد أحبِّ الخلق إليه بعدي(1) .

        وروى ابن اسحاق عن أبي جعفر محمد الباقر عليه‏السلام ، وعن محمد بن عمّار بن ياسر ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص السهمي : أن الرجل من بني تميم يقال له ذو الخُويصِرة ، وأنّ عمر بن الخطّاب قال : يا رسول اللّه ألا أقتلُه ؟ ! فقال : لا ، دَعْه ، فانّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه ، كما يخرج السهم من الرّميّة ، يُنظر في النصل فلا يوجد شيء ، ثم في القِدح فلا يوجد شيء ، ثم في الفُوق ( أسفل السهم ) فلا يوجد شيء ، سبق الفرث والدم !(2) ولم يرو الذيل .

 

        وروى الواقدي عن أبي سعيد ( عقيصا أو الخُدري ) عن علي عليه‏السلام قال : جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم وفي ثوب بلال فضة يُقبضها للناس على ما يراه ، فأتاه ذو الخُويصرة التميمي فقال : اعدل ، يا رسولَ اللّه ! فقال رسول اللّه : ويلك ! فمَن يعدلُ إذا لم أعدل ؟ ! فقال عمر : يا رسولَ اللّه ، إيذن لي أن أضرب عنقه ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : دَعْه ، فانّ له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيَهم . يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية ، ينظر الرامي في قُذذه ( ريشه ) فلا يرى شيئاً ، ثم ينظر في


(1) الإرشاد 1 : 148 ، 149 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 139 .

(322)

نصله فَلا يرى شيئاً ، ثم ينظر في رصافه ( عقيب النصل ) فلا يرى شيئاً ، قد سبق الفرث والدم ! يخرجون على فُرقة من المسلمين ( كذا ) فيهم رجل احدى يديه مثل ثدي المرأة أو كبَضعة تدَرْدَر(1) أي : تترجرج . ولم يرو الذيل أيضاً .

 

        ثم روى عن عبد اللّه بن مسعود قال : سمعت يومئذٍ رجلاً من المنافقين ( معتَّب بن قُشير العَمْري ) يقول : انها ( العطايا ) ما يُراد بها وجه اللّه ! فقلت له : أما واللّه لابلّغن رسولَ اللّه ما قلتَ ! وذهبت إليه فأخبرته خبره ، فتغيّر لونه ! ثم قال : يرحم اللّه أخي موسى ! ( فانّه ) قد اُوذي بأكثر من هذا فصبر !(2) .

 

 

ثم سِهام الناس :

        قال الواقدي : واختُلف فيما أعطى يومئذٍ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هؤلاء الناس من الغنائم : هل كانت من الخمس أم كانت فارعة من أصلها قبل أن تُخمّس ؟ ! ثم قال : وأثبت القولين أنها كانت من الخُمس(3) .

        وقال : ثم أمر رسولُ اللّه زيد بن ثابت باحصاء الناس والغنائم ، ثم فضّها على الناس ، فكانت سهامهم : لكل رجل راجل أربعون شاةً أو أربع من الإبل ، ولكل فارس اثنا عشر بعيراً أو مئة وعشرون شاةً(4) وهذا يؤيد أن العطايا كانت قبل التخميس .

 


(1) رواه القُشيري في الصحيح 2 : 744 ، ونقله الطبْرسي في إعلام الورى عن صحيح البخاري عن الزهري عن أبي سعيد الخُدري ، وذيله : يخرجون على خير فرقة من المسلمين وله تتمة . إعلام الورى 1 : 241 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 949 وروى مثله العياشي في تفسيره 2 : 91 ، 92 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 948 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 949 .

(323)

 

حيرة الأنصار ثم خيرتهم :

        روى الكليني في « الكافي » بسنده عن زرارة عن الباقر عليه‏السلام قال : غضبت الأنصار ( لتوزيع الأموال ) فاجتمعوا إلى سعد بن عُبادة . فانطلق بهم إلى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : يا رسول اللّه ، أتأذن لي بالكلام ! قال : نعم . قال : إن كان هذا الأمر في هذه الأموال التي قسّمت بين قومك شيئاً أنزله اللّه وأمرك به رضينا ، وإن كان غير ذلك لم نرضَ ! فقال لهم رسول اللّه : يا معشر الأنصار ، أكلّكم على مثل قول سيّدكم سعد ؟ ! فقالوا : سيّدنا اللّه ورسوله . فأعادها عليهم ثلاث مرّات كل ذلك يقولون : سيّدنا اللّه ورسوله ، ثم قالوا : ( نعم ) نحن على مثل قوله ورأيه(1) .

        فقال لهم : اجلسوا ، ولا يقعد معكم أحد من غيركم . فتنادوا فيما بينهم ، فلما قعدوا جاءهم النبيّ ومعه علي عليه‏السلام حتى جلس وسطهم فقال لهم : إنّي سائلكم عن أمر فأجيبوني عنه . فقالوا : قل ، يا رسولَ اللّه . فقال لهم : ألستم كنتم ضالّين فهداكم اللّه بي ؟ ! قالوا : بلى ، فللّه المنّة ولرسوله . فقال : ألم تكونوا على شفا حفرة من النار فانقذكم اللّه بي ؟ ! قالوا : بلى ، فللّه المنّة ولرسوله . قال : ألم تكونوا قليلاً فكثّركم اللّه بي ؟ ! قالوا : بلى ، فللّه المنّة ولرسوله . قال : ألم تكونوا أعداءً فألّف بين قلوبكم بي ؟ ! قالوا : بلى ، فللّه المنّة ولرسوله .

 

        ثم سكت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هُنيهة ثم قال لهم : ألا تجيبوني بما عندكم ؟ ! قالوا : قد أجبناك بأنّ لك الفضل والمنّ والطَّوْل علينا ، فبم نجيبك فداك آباؤنا واُمّهاتنا ! فقال : أما لو شئتم لقلتم : وأنت قد كنت جئتنا طريداً فآويناك ! وجئتنا خائفاً فآمنّاك ! وجئتنا مكذَّبَاً فصدّقناك !


(1) اُصول الكافي 2 : 411 وتفسير العياشي 2 : 91 ، 92 .

(324)

        فقام إليه ساداتهم وشيوخهم فقبّلوا يديه ورجليه ثم قالوا : رضينا باللّه وعنه وبرسوله وعنه ، وهذه أموالنا بين يديك ، فان شئت فاقسِمها على قومك . وانّما قال من قال منا على غير وَغْر صدر وغلٍّ في قلب ( ضغنٍ وعداوة ) ولكنّهم ظنّوا سَخطاً عليهم وتقصيراً بهم . وقد استغفروا اللّه من ذنوبهم فاستغفِر لهم يا رسولَ اللّه . فقال النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار . ثم قال لهم : يا معشر الأنصار ، أما ترضونَ أن يرجع غيركم بالشاء والنِعَم وترجعون أنتم وفي سهمكم رسولُ اللّه ؟ ! قالوا : بلى رضينا .

        فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : الأنصار كِرشي وعَيبتي ( بطانتي وموضع سرّي ) لو سلك الناس وادياً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار . ثم قال : اللهم اغفر للأنصـار(1) .

        وروى ابن اسحاق الخبر بسنده عن أبي سعيد الخُدري ، عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال في آخره للأنصار : أوَجَدْتم ـ يا معشر الأنصار ـ في أنفسكم في لُعاعة من الدنيا(2) تألّفتُ بها قوماً ليُسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ! ألا ترضون ـ يا معشر الأنصار ـ أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رِحالكم ؟ ! فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار . قال : فبكى القوم حتى أخْضَلوا لِحاهم ( بدموعهم ) وقالوا : رضينا برسول اللّه قَسْماً وحظّاً(3) .

 



(1) الإرشاد 1 : 145 ، 146 .

(2) لُعاعة : من البقول الناعمة ، شبّه بها خضرة الحياة الدنيا .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 141 ـ 143 ورواه الطبرسي في مجمع البيان 5 : 30 ، 31 رفعه عن أبي سعيد الخُدري .

(325)

        وروى الواقدي قال : بلغ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم مقالة الأنصار ، ودخل عليه سعد بن عُبادة ، فقال له رسول اللّه : ما يقول فيّ قومك ؟ قال : وما يقولون يا رسول اللّه ؟ قال : يقولون : أما حين القتال فنحن أصحابه ، وأما حين القَسْم فقومه وعشيرته ، ودِدْنا أنا نعلم من أين هذا ! إن كان من قِبل اللّه صبرنا ، وإن كان من رأى رسول اللّه استعتبناه ! فأين أنت من ذلك يا سعدُ ؟ فقال سعد : يا رسولَ اللّه ، ما أنا إلاّ كأحدهم ، وإنّا لنُحبّ أن نعلم من أين هـذا ؟ فقال له رسولُ اللّه : فاجمع من كان ها هنا من الأنصار في هذه الحظيرة .

 

        فجمع الأنصار في تلك الحضيرة .. فلما اجتمعوا له جاءه سعد بن عُبادة فقال : يا رسولَ اللّه ، قد اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار . فأتاهم رسولُ اللّه والغضب يُعرف في وجهه ، فحمد اللّه وأثنى عليه بالذي هو أهله ، ثم قال : « يامعشر الأنصار (ما ) مقالة بلغتني عنكم وجِدة وجدتموها في انفسكم ( ؟ ! ) ألم آتكـم ضُلالاً فهداكم اللّه ؟ ! وعالةً فأغناكم اللّه ؟ ! وأعداءً فألّف بين قلوبكم ؟ ! » .

        إلى أن قال : أمّا لا ، فسترَون بعدي أثَرةً ، فاصبروا حتى تلقوا اللّه ورسولَه ، فإن موعدكم الحوض ، وهو كما بين صنعاء وعُمان ، وآنيتُه أكثر من عدد النجوم .

        وانصرف عنهم رسولُ اللّه ، وتفرّقوا(1) .

 

وفد هوازن :

        مرّ في خبر التقاء الشيماء بنت حليمة السعدية به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حين أسرها في حُنين قبل أن يمضي إلى الطائف ، أنه قال لها : ارجعي إلى الجِعرّانة تكونين مع قومك ، فانّي أمضي إلى الطائف . فرجعتْ إلى الجِعرّانة(2) . ورجع صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الطائف إلى


(1) مغازي الواقدي 2 : 957 و 958 .

(2) هذا الكتاب : 294 ـ 295 .

(326)

الجِعرّانة فالتقى بها وأعطاها نَعماً وشاءً لها ولمن بقي من أهل بيتها(1) ثم قال لها : إن أحببت فأقيمي عندنا محبَّةً مكرَّمةً ، وإن أحببتِ أن ترجعي إلى قومك وصلتك ورجعتِ إلى قومك . فقالت : أرجع إلى قومي . وأسلمت ، فأعطاها رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثلاثة أعبد وجارية(2) .

 

        هذا ، وهو صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما انتهى إلى الجِعرّانة كانت الغنائم محبوسة بها ، والسبي في حظائر يستظلّون بها من الشمس ، فلما نظر صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إليها سأل عنها فقالوا له : هذا سبي هوازن استظلوا من الشمس ، وهنّ ستة آلاف .

 

        وكان قد وهب منها في حُنين عشرة جواري لعشرة ممن كان معه من المسلمين وغيرهم ، وأرسلهنّ إلى الجِعرّانة . فلما قدِمها من الطائف بعث بُسر بن سفيان الخـزاعي إلى مكة ليشتري لهـنّ ثيـاباً فيكسوهنّ ، فكسا السبي كلّه(3) كما مرّ .

        وبدأ بالأموال فقسمها ، وأقام يتربّص أن يقدم عليه وفدُهم(4) ثم أمر رسول اللّه زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم ، ثم فضّها على الناس ، فقدِم وفد هوازن(5) وقد قُسم السبي وجرت فيهم السهام .

 

        قدم عليه أربعة عشر رجلاً منهم مسلمين ، وجاؤوا بإسلام مَن وراءهم من قومهم . فكان رأسَ القوم والمتكلم زُهير ابو صُرد ، فقال : يا رسولَ اللّه إنا أهلك وعشيرتك ، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك يا رسول اللّه ، انما في هذه


(1) مغازي الواقدي 2 : 914 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 943 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 914 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 944 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 949 .

(327)

الحظائر اخواتك وعماتك وبنات عماتك ، وخالاتك وبنات خالاتك ، وأبعدهن قريب منك يا رسولَ اللّه بأبي أنت واُمّي ، انهنّ حضنّك في حجورهنّ وأرضعنك بثُديهنّ .. ولو أنا ملَحنا(1) للحارث بن أبي شمر وللنعمان بن المنذر ، ثم نزلا منّا بمثل الذي نزلتَ به رجونا عطفهما وعائدتهما ، وأنت خير المكفولين :

 

 

فالبِس‏العفو من قد كنتَ‏تَرضعه    من امهاتك إن العفو منتِشر

ياخير من‏مَرَحت‏كُمْتُ‏الجيادبه    عند الهياج إذا ما استوقدالشرر

إنا نؤمّل عفواً منك تُلبسه    هذي البرّية إذ تعفو وتنتصر

فاعفُ عفا اللّه عما أنت راهبه    يوم القيامة ،إذيُهدى‏لك‏الظفر(3)



(1) ملَحنا : كناية عن الطعام ، وهنا عن الرضاع . النهاية 4 : 105 .

 امنُن علينا رسولَ اللّه في كرم  فانك المرء نرجوه وندّخر
 امنُن على نِسوة قد عاقها قَدَر  ممزِّق شملها ، في دهرها غيَر
 امنُن‏على نِسوة قد كنت‏ترضعها  إذ فوك يملؤه من محضِها الدِّرَرُ
 اللاءِ إذ كنت طفلاً كنت‏ترضعها  وإذ يريبك ما تأتي وما تذر
 الا تداركُها نعماءَ تنشرها  يا أرجحَ الناس حلماًحين‏يُختبر
 لا تجعلنّا كمن شالت نعامتُه  واستبقِ منّا فانا معشر زُهُر
 إنّا لنشكر آلاءً وإن قدُمت  وعندنا بعد هذا اليومِ مدّخَر(2)
 (2) مغازي الواقدي 2 : 950 ، 951 وكلمات : يملؤه ، ويريبك ، وحلماً ، من نسخ اُخرى .

(3) روى الأبيات الاثني عشرة الصدوق في أماليه : 405 ، 406 بسنده عن زياد بن طارق الجشمي عن جدّه زُهير أبي صُرد . ورواها المجلسي في بحار الأنوار 21 : 184 ، 185 عن خط الشهيد عن تاريخ ابن عساكر .

(328)

        وكان في الوفد عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الرضاعة ، فقال له يومئذٍ : يا رسولَ اللّه ، إنّما في هذه الحظائر مَن كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضنك ، حضنّاك في حجورنا وأرضعناك بثُديّنا . ولقد رأيتُك مُرضَعا فما رأيت مُرضَعاً خيراً منك ، ورأيتك فطيماً فما رأيت فطيماً خيراً منك ، ثم رأيتك شابّاً فما رأيت شابّاً خيراً منك . وقد تكاملت فيك خِلال الخير ، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك ، فامنُن علينا منّ اللّه عليك ! فقال لهم رسول اللّه : قد أستأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تَقدمون ، وقد قُسم السبي وجَرت فيه السُهمان(1) وإن أحسن الحديث أصدقه .. فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم ؟(2) أو قال : أي الأمرين أحبّ إليكم : السبي أو الأموال ؟ فقالوا : يا رسولَ اللّه ، خيّرتَنا بين الحسب وبين الأموال ، والحَسب أحبّ إلينا . فقال رسول اللّه : أما الذي لبني هاشم فهو لكم ، وسوف اُكلّم لكم المسلمين وأشفع لكم ، فكلّموهم وأظهِروا إسلامكم . فلما صلى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الظهر قاموا فتكلّموا(3) .

 

        وذهبت رواية الطبْرسي في « إعلام الورى » إلى أن اخته الشيماء بنت حليمة كانت راجعة إليه مع الوفد ، وإنّها كلّمتْه معهم في ذلك ، فقال لها : أما نصيبي ونصيب بني عبد المطّلب فهو لكِ ، وأمّا ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم . فلما صلوا الظهر قامت فتكلّمت ، وتكلّموا ، فوهب لها الناس ذلك .

 

        وقد كان رسول اللّه قسم منهنّ ما شاء اللّه ، فوقعن في أنصباء الناس ، فلم يأخذهن منهم إلاّ بطيبة نفس ، ولولا أن النساء وقعن في القسمة لوهبهنّ كما وهب ما لم يقع في القسمة منهنّ(4) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 950 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 951 .

(3) مجمع البيان 5 : 31 عن أهل السير ، وفاقاً لما في السيرة والمغازي .

(4) إعلام الورى 1 : 240 . والأخير في السيرة 4 : 132 .

(329)

        ثم قام رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال للناس : إنّ هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين ، وقد كنت استأنيت بهم ، فخيّرتُهم بين النساء والأبناء والأموال فلم يعدلوا بالنساء والأبناء ( شيئاً ) فمَن كان عنده منهنّ فطابت نفسه أن يردّ فليُرسل ، ومَن أبى منكم وتمسّك بحقه فليردّه عليهم وليكن فرضاً علينا ستّ فرائض ( إبل ) من أول ما يُفيء اللّه به علينا ! فقال الناس : يا رسولَ اللّه رضينا وسلّمنا ! فقال : فمُروا عُرفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نعلم .

 

        فكان عمر بن الخطّاب يطوف على المهاجرين يسألهم عن ذلك فلم يتخلّف منهم أحد . وكان زيد بن ثابت يطوف على الأنصار يسألهم ، فأخبروه أنهم سلّموا ورضوا . وكان أبو رُهْم الغِفاري يطوف على قبائل العرب يسألهم : فقال عباس بن مِرداس السُلّمي : أما أنا وبنو سليم فلا ! فقالت بنو سُليم : ما كان لنا فهو لرسول اللّه ! فردّوا عليه .

        وقال الأقرع بن حابس التميمي الُمجاشعي : أما أنا وبنو تميمٍ فلا ! وسكت بنو تميم !

        وقال عُيينة بن حصن الفَزاري : أما أنا وبنو فَزارة فلا ! وسكت بنو فَزارة ! وانما اختارت التي كانت لسعد بن أبي وقاص أن تقيم عنده ، واختار سائرهنّ أن يرجعن إلى قومهن : اللواتي كنّ عند علي عليه‏السلام وعثمان وطلحة والزبير وابن عوف وابن عمر(1) .

        وقال الأقرع وعُيينة : يا رسول اللّه ، إنّ هؤلاء قد أصابوا من نسائنا ، فنحن نحبّ أن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا من نسائنا ( ! ) .

 


(1) مغازي الواقدي 2 : 952 .

(330)

        فأقرع رسول اللّه بينهم وقال : اللهم نوِّه سهمهما ! فأصاب أحدهما خادمةً لبني عقيل ، وأصاب الآخر خادمة لبني نُمير !(1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p19.htm