فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

تحرير العبيد :

        ونادى منادي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أيُّما عبد خرج من الحصن إلينا فهو حُرّ . فخرج بضعة عشر عبداً منهم : ابراهيم بن جابر عبد خَرَشةَ الثقفي . والأزرق بن عُقبة عبد كَلْدة الثقفي . والمضطجع عبد عثمان بن مُعتَّب ، وغيّر النبيّ اسم المضطجع إلى المُنبعث . ونافع عبد غيلان بن سلمة . ونُفيع بن مسروح عبد الحارث بن كلدة ، وهذا نزل من الحصن بحبل في بكرة ، فكُنّي أبا بكْرة(1) . ووَردان عبد عبد اللّه بن ربيعة الثقفي . ويوحنّس النبّال عبد يسار بن مالك . ويسار عبد عثمان بن عبد اللّه . ومرزوق عبد عثمان ( لم يعرف عثمان بن عبد اللّه أو عثمان بن معتَّب أو غيرهما ) وشقّ ذلك على أهل الطائف مشقّة شديدة .

        ودفع النبيّ كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يحمله ويتكفّل مؤونته : ابراهيم بن جابر إلى اُسيد بن الحُضير ، والأزرق إلى خالد بن سعيد بن العاص . ونُفيعاً أبا بكرة إلى أخيه عمرو بن سعيد . ووردان إلى أخيهم أبان بن سعيد . ويسار بن مالك إلى سعد بن عُبادة ، ويُحنَّس النبّال إلى عثمان بن عفّان .

        وأمرهم أن يقرئوهم القرآن ، ويعلّموهم السُنن(2) .



(1) البكرة : خشبة مستديرة في وسطها محور تدور عليه ، وفي وسط طرفها حُفرة مستديرة لاستدارة الحبل عليها ، بها يُستقى ا لماء بالدلو من البئر . لسان العرب 5 : 146 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 931 ، 932 . وفي السيرة لابن اسحاق 4 : 127 ، 128 واختصر الخبر ابن هشام فلم يذكر أسماء العبيد مصرّحاً بذلك . وقريب منه في إعلام الورى 1 : 233 ـ 234 .

(310)

 

علي عليه‏السلام إلى خَثْعم :

        روى المفيد في « الإرشاد » قال : أنفذ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عند محاصرة الطائف عليّا عليه‏السلام في خيل، فيهم صهره أبو العاص ابن الربيع ، إلى خثعم حول الطائف ، وأمره أن يكسر كل صنم يجده . فخرج ، حتى لقيه جمع كثير من خيل خثعم ، وبعد صلاة الفجر وهم في غبش الصبح برز له رجل من القوم يقال له شهاب ، وقال : هل من مُبارز ؟ فقال أمير المؤمنين عليه‏السلام لمَن معه من المسلمين : مَن له ؟ فلم يقم له أحد منهم !

        فتصدّى له أمير المؤمنين عليه‏السلام بنفسه ، وحينئذٍ وثب عديله أبو العاص بن الربيع وقال له : بل تُكفاه أيها الأمير ! فقال عليه‏السلام : لا ، ولكن أنت على الناس إن قُتلت . ثم برز للرجل وهو يقول :

 إنّ على كل رئيس حقّاً :  أن يُرويَ الصَّعْدةَ أو تُدَقّا

        ثم ضرب الرجل فقتله .

        ومضى في تلك الخيل حتى كسَر الأصنام ، وعاد إلى ا لطائف . وخرج من حصن الطائف نافع بن غَيلان بن معتِّب في خيل من ثقيف ببطن وَجّ ، فلقيه أمير المؤمنين فقتله ، ولحق القوم الرعب فانهزموا .

        وعاد علي عليه‏السلام إلى رسول اللّه وهو بعد مُحاصر للطائف ، فلما رآه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كبّر للفتح ، وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلاً . فواجهه عمر بن الخطاب بالعتاب : أتخلو به وتناجيه دوننا ؟ ! فقال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عمر ، ما أنا انتجيتُه بل اللّه انتجاه ! فأعرض عمر وهو يقول : هذا كما قلتَ لنا قبل الحُديبية : « لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّه‏َُ آمِنِينَ » فصُددنا عنه ولم ندخله ! فناداه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لم أقل لكم إنكم تدخلونه في ذلك العام(1) .



(1) الإرشاد 1 : 152 ، 153 وبهامشه للخبر مصادر عديدة .

(311)

 

تريدون عَرَض الدنيا :

        نرى في أسماء العبيد نافعاً عبداً لغَيلان بن سلمة الثقفي ، والفتاة التي أغرى بها ماتعٌ خالد بن الوليد هي بادية بنت غَيلان بن سلمة هذا ، ويبدو أنها كما كانت معروفة بجمالها كذلك كانت معروفة بما كان عليها من حُليّها :

        فقد روى ابن اسحاق قال : إنّ امرأة عثمان ( بن مظعون ) : خَوْلة أو خُويلة بنت حكيم السُلميّة أتت رسول اللّه فقالت له : يا رسولَ اللّه ، أعطِني إن فتح اللّه عليك الطائف حُليّ بادية بنت غَيلان ، أو الفارعة بنت عقيل . فقال لها رسول اللّه : وإن كان لم يؤذَن لي في ثقيف يا خويلة ؟ فخرجت خُويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب . فدخل عمر على رسول اللّه فقال له : يا رسولَ اللّه ، ما حديث حدَّثَتْنيه خُويلة ، زعمت أنك قلتَه ؟ قال : قد قلتُه . قال : أوَما اُذِن لك فيهم ؟ قال : لا . قال : أفلا اؤذن فيهم بالرحيل ؟ قال : بلى فأذّن عمر بالرحيل(1) .

 

اختلاف المسلمين :

        قال الواقدي : فجعل المسلمون يمشي بعضهم إلى بعض يقولون لهم : أننصرف ولم نفتح الطائف ؟ ! بل لا نبرح حتى يفتح اللّه علينا ، واللّه انهم لأذلّ وأقلّ من لاقينا ، قد لقينا جمعَ مكة وجمعَ هوازن ففرّق اللّه تلك الجموع ! وانما هؤلاء ثعلب في جُحر لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا !

        وكلّموا عمر بن الخطّاب في ذلك فقال : لقد دخلني في الحديبية من الشك ( كذا ) ما لا يعلمه إلاّ اللّه ، وراجعت رسولَ اللّه يومئذٍ بكلام ليت أ نّي لم أفعل وأنّ


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 127 .

(312)

أهلي ومالي ذَهبا ، ثم كانت الخِيَرة لنا من اللّه فيما صنع ، فلم يكن فتح خيراً للناس من صلح الحديبية بلا سيف ، دخل منه في أهل الإسلام مثل من كان دخل من يوم بُعث رسول اللّه إلى يوم كتب الكتاب .. فاتّهِموا الرأي . والخيرةُ في ما صنع رسولُ اللّه ، ولن اُراجعه في شيء أبداً ! والأمر أمر اللّه وهو يوحي إلى نبيّه ما يشاء !(1) . قال : فجعل الناس يضجّون من ذلك .. فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : فاغدوا على القتال ! فغدَوا على القتال ، فأصابتهم جراحات .. فقال رسول اللّه : فانا قافلون إن شاء اللّه ! فأذعنوا لذلك(2) .

 

        وقُتل في حصار الطائف رجل من بني ليث ، وأربعة من الأنصار ، وخمسة من قريش ، ورُمي عبد اللّه بن أبي اُمية بن المغيرة المخزومي بسهم فمات منه بعدئذ ، ورُمي عبد اللّه بن أبي بكر التيمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول اللّه(3) .

 

        وفي مدة الحصار قال الطبرسي : فحاصرهم بضعة عشر يوماً(4) والواقدي : قال قائل : خمسة عشر يوماً ، وقائل : ثمانية عشر يوماً ، وقائل : تسعة عشر يوماً ، وكل ذلك وهو يصلي ركعتين ركعتين بين قبّتيه المضروبتين لزوجتيه(5) . وذكر ابن هشام : سبع عشرة ليلة ، وابن اسحاق : بضعاً وعشرين ليلة(6) .

 

 

وعند ارتحالهم :

        قال الطبْرسي : وكأ نّما كان رسول اللّه ينتظر عليّاً عليه‏السلام فلما قدم علي ارتحل ..


(1) مغازي الواقدي 2 : 936 . فليته التزم بما قال في أمر الإمامة والخلافة !

(2) مغازي الواقدي 2 : 937 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 129 ومغازي الواقدي 2 : 938 .

(4) إعلام الورى 1 : 233 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 927 .

(6) سيرة ابن هشام 4 : 125 .

(313)

فنادى سعد بن عبيد بن عِلاج الثقفي : ألا إن الحيّ مقيم ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا أقمت ولا ظَعنت ! فسقط فانكسر فخذه !(1) . ومع ذلك قال عُيينة بن حصن : أجل واللّه مَجدةٌ كِرام ! فسمعه عمرو بن العاص فقال له : قاتلك اللّه ! تمدح قوماً مشركين بالامتناع من رسول اللّه وقد جئت تنصره ! فقال عُيينة : إنّي واللّه ما جئت معكم اقاتل ثقيفاً ، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فاُصيب جارية من ثقيف ! فانّهم قوم مباركون ! واُخبر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمقالته ، فتبسم وقال : هذا الحُمق المطاع !

 

        وحين أرادوا أن يرتحلوا قال رسول اللّه لأصحابه قولوا : لا إله إلاّ اللّه وحده وحده ، صدق وعده ، ونصرعبده ، وهزم الأحزاب وحده ! فلما استقلّوا وارتحلوا قال لهم : قولوا : آيبون عائدون ، لربّنا حامدون إن شاء اللّه . فقيل له : يا رسولَ اللّه ادع اللّه على ثقيف ، فقال : اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم(2) .

        وروى الطوسي في أماليه بسنده عن الصادق عليه‏السلام عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : حاصر رسول اللّه أهل وجّ أيّاماً فسأله القوم ان ينتزح عنهم ليقدم عليه وفدهم فيشترطون لأنفسهم ويشترط هو لنفسه ، فسار صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) وليس ذلك بعيداً عن أسرار الغزوات .

 

 

إلى الجِعِرّانة :

        قالوا : انصرف رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من حصار الطائف فأخذ على دَحنا ثم على قَرْن المنازل ( ميقات أهل نجد ) .


(1) إعلام الورى 1 : 235 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 937 .

(3) أمالي الطوسي : 504 ، 505 ، الحديث 1106 وسيأتي تمامه بعد رجوعه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

(314)

        فروى الواقدي عن أبي زُرعة الجُهني قال : كان زِمام ناقة النبيّ القَصواء مطويّاً بيدي ، وأراد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يركب راحلته من قرن المنازل فوطِئت له على يديها ليركب ( على رجلي ) فركب وناولته الزمام ودُرت من خلفه ، وأشار إلى خلف الناقة بالسوط فأصابني ، فالتفت إلي فقال : أصابك السوط ؟ قلت : نعم بأبي واُمّي !

        وروى عن أبي رُهْم الغفاري قال : كنت أسير إلى جنب رسول اللّه على ناقتي ، وفي رجليّ نعلان غليظتان ، إذ زحمَتْ ناقتي ناقته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فوقع طرف نعلي على ساقه فأوجعه ، فقرع رجلي بسوطه وقال : أوجعتَني أخِّر رجلَك !

        وروى عن عبد اللّه بن أبي حَدْرد الأسلمي قال : كنت اُحادث النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في مسيره وهو يحادثني ، وكانت ناقتي قوية جَلْدة شَهْمة فجعلت تلصق بناقته ، واريد أن اُنحّيها فلا تطاوعني حتى لصقت بناقته وأصابتْ رجلَه ، فرفع رجلَه من غرْز الركاب كأنها جُمّارة النخل بياضاً وقال : أخْ ! أوجعتَني ، ورفع المحجَن ( العصا المعقوفة ) بيده فدفع به رجلي ، وسكت لا يتكلم .

        قال ابو رُهْم الغِفاري : فلما أصبحنا بالجِعرّانة خرجت أرعى الرواحلَ وأنا أخشى أن ينزلَ في القرآن لعظيم ما صنعتُ ، فلما روّحت الركاب قالوا لي : طلبك رسول اللّه ! فذهبت إليه وأنا أترقّب فإذا به قال لي : إنّك أوجعتني برجلك ، فقرعتك بالسوط ، فخذ هذه الغنم عوضاً من ضربتي !

        وقال ابن أبي حَدْرد الأسلمي : فلما نزلنا الجِعرّانة وأنا أخاف أن ينزل فيّ عذابٌ ، قلت لأصحابي : أنا أرعى لكم ، ولم يكن ذلك يوم رِعيتي ، فلما روّحت الركاب قالوا لي : جاء رسول اللّه يبغيك ، ثم جاء رجل من قريش يبتغيني ، فخرجت خائفاً حتى واجهتُ رسولَ اللّه ، فجعل يبتسم في وجهي وقال : أوجعتك بِمحجني البارحة ! فخذ هذه القطعة من الغنم . فوجدتها ثمانين شاةً .

        وقال أبو زُرعة : فلما نزل الجِعرّانة إذا رِبضة من غنم الغنائم في ناحية ،

(315)

فسأل عنها صاحب الغنائم فأخبره عنها بشيء ، فصاح رسول اللّه : أين أبو زُرعة ؟ قلت : ها أناذا ، قال : خذ هذه الغنم بما أصابك من السوط أمس . فوجدتها مئة وعشرين رأساً .

 

        وفي طريقه بعد قرن المنازل مرّ على نخْلة ، وفيها اعترض طريقه رجل مسلم من أسلم مع غنم .. فأخذ يعدو في عرض ناقة رسول اللّه وقال : يا رسول اللّه ، تدركني الصلاة وأنا في معطن الإبل ( مباركها ) أفاُصلي فيه ؟ قال : لا . قال : فتدركني الصلاة وأنا في مُراح الغنم ، أفاُصلّي فيه ؟ قال : نعم . قال : يا رسولَ اللّه ، وتكون فينا الحائض ! قال : تتيمّم . قال : وربّما تباعد منّا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها ! قال : نعم ، ويتيمّم .

        ثم قال له رسول اللّه : وتقدم علينا الجِعرّانة فنعطيك غنماً إن شاء اللّه ! فلحق النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالجِعرانة فأعطاه مئة شاة(1) .

        وكان يحيط به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في انحداره إلى الجِعرّانة مِقنب من خيل الأنصار (الثلاثون إلى الأربعين ) والناس يمشون أمامه وخلفه أفواجاً يتبع بعضهم بعضاً . فروى الواقدي عن سُراقة بن جُعشم قال : أنكرني هؤلاء الأنصار فجعلوا يقرعوني بالرماح ويقولون : ما أنت ؟ إليك إليك ! فناديت : أنا سُراقة بن جُعشم . فقال لهم رسول اللّه : أدنوه . فأدنوني منه فلما انتهيت إليه سلّمت عليه ، وقدّمت إليه ما جمعت له من الصدقة ( الزكاة )(2) ثم قلت : يا رسولَ اللّه ، أرأيتَ الضالّة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي ، فهل لي من أجر إن أنا سقيتُها ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : نعم ، في كل ذات كبدٍ حرّى أجرٌ(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 939 ـ 942 .

(2) كذا ، وسيأتي أن جمع الصدقة كان بعد رجوعه من فتح مكة .

(3) مغازي الواقدي 2 : 941 وقال : انتهى رسول اللّه إلى الجِعرّانة ليلة الخميس لخمس î؛ ليال خلون من ذي القعدة 3 : 958 وقال الطبرسي في مجمع البيان 5 : 30 : ولما دخل ذو القعدة انصرف من الطائف وأتى الجِعرّانة . فلعله لدخول الشهر الحرام أوقف الحرب ، ولم يُذكر .

        وفيه : 942 قالوا : وجعلت الأعراب في طريقه يسألونه وكثّروا عليه حتى اضطرّوه إلى شجرة سُمرة فخطفت الأعراب رداءه وهو يقول لهم : أعطوني ردائي ! أعطوني ردائي ! ولكن فيه : « لو كان عدد هذه العَضاه ( نبات الصحراء ) نَعَماً لقسمته بينكم » وهذا يناسب تقسيم الغنائم بين المقاتلين لا الأعراب ، وسنأتي على الخبر مرة اُخرى فيما يأتي .

(316)

 

غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم :

        قال الواقدي : وكان السبي ستة آلاف .. ولما قدم رسول اللّه الجِعرّانة أمر بُسر بن سفيان الخزاعي أن يذهب إلى مكة فيشتري للسبي من ثياب المُعقَّد ( من برود هجر في اليمن ) فيكسوهم ، فلا يخرج منهم أحد إلاّ كاسياً ، فاشترى بُسر كسوة لهم فكساهم كلّهم .

        قال : وكان رسول اللّه قد غنم أربعة آلاف أوقيّةً من فضة ، وجُمعت الغنائم بين يديه ، فجاء أبو سفيان بن حرب والفضة بين يدي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : يا رسول اللّه ، أصبحت أكثر قريش مالاً ! أعطِني من هذا المال يا رسولَ اللّه ! فتبسّم رسول اللّه وقال لبلال : يا بلال ، زِن لأبي سفيان أربعين أوقيّة ، وأعطوه مئة من الإبل ! فقال ابو سفيان : ولابني يزيد ! فقال رسول اللّه : زنوا ليزيد أربعين أوقيّة ، وأعطوه مئة من الإبل . فقال أبو سفيان : ولابني معاوية ! يا رسول اللّه . فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : زِن له ـ يا بلال ـ أربعين أوقيّة ، وأعطوه مئة من الإبل . فقال أبو سفيان : إنّك كريم فداك أبي واُمّي ! ولقد حاربتك فنعم الُمحارَب كنت ، ثم سالمتك فنعم المسالَم أنت ! جزاك اللّه خيراً !(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 944 .

(317)

        وأشار إلى هذا ابن اسحاق بعد ان قال : وأعطى رسول اللّه المؤلفة قلوبهم ـ وكانوا من أشراف الناس ـ يتأ لّفهم ويتأ لّف بهم قومَهم(1) .

 

        وروى الكليني في « الكافي » بسنده عن زرارة عن الباقر عليه‏السلام قال : إنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم حنين تألّف رؤوساً من رؤوس العرب من قريش وسائر مُضر ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وعُيينة بن حصن الفزاري ، وأشباههم من الناس [ وهم ] المؤلّفة قلوبهم [ و ] هم قوم وحّدوا اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وخلعوا عبادة ما يُعبد من دون اللّه وشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهم مع ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فأمر اللّه ـ عزّ وجل ـ نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يتألّفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقرّوا به(2) .

 

        وروى الواقدي عن الزُهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيّب ، عن حكيم بن حزام بن الأسدي قال : سألت رسول اللّه مئة من إبل حنين فأعطانيها ، فسألته مئة اُخرى فأعطانيها ، فسألته مئة ثالثة فأعطانيها ثم قال لي : يا حكيمَ بن حِزام ، إنّ هذا المال حُلوة خضرة ، فمَن أخذه بإشراف نفْسٍ لم يُبارَك له فيه وكان الذي يأكل ولا يشبع ، ومن أخذه بسخاوة نفْس بورك له فيه ؛ واليد العليا خيرٌ من السُفلى وابدأ بمَن تعول ! فقال حكيم بن حزام : يا رسولَ اللّه ، والذي بعثك بالحق لا آخذ من أحد شيئاً بعدك(3) .

 

        وطاف صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يتصفّح الغنائم وتبعه صفوان بن اُميّة الجُمحي ، إذ مرَّ بشِعب مملوء مما أفاء اللّه عليه من إبل وأغنام ، فجعل صفوان ينظر إليها معجباً بها ،


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 135 ، وحكى عنه الطبْرسي في إعلام الورى 1 : 236 .

(2) اُصول الكافي 2 : 411 وتفسير العياشي 2 : 91 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 945 .

(318)

فقـال له رسول اللّه : يا أبا وهب ، هل أعجبك هذا الشعب ؟ قال : نعم . قال : هو لك بما فيه ! فقال صفوان : أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قطّ إلاّ نبيّ ، وأشهد أ نّك رسول اللّه !(1) .

 

        وأعطى صاحبه عمير بن وهْب الجُمحي خمسين من الإبل(2) .

 

        وأعطى سُهيل بن عمرو العامري ( سفير قريش ) مئة من الإبل ، ومعه من بني عامر حُويطب بن عبد العُزّى مئة من الإبل ، وهشام بن عمرو خمسين من الإبل .

 

        وأعطى الحارث بن هشام المخزومي مئة من الإبل ، ومعه من بني مخزوم سعيد بن يربوع خمسين من الإبل .

        وأعطى النُضير بن الحارث بن كلْدة أخا النضر من بني عبد الدار مئة من الإبل .

        وفي حلفاء بني زهرة أعطى اُسيد بن حارثة مئة من الإبل ، والعلاء الثقفي مئة ـ عند ابن اسحاق ـ وخمسين في الواقدي ، واختلفوا في مخرمة بن نوفل الزهري .

        ومن بني سهم أعطى عديّ بن قيس أو قيس بن عديّ السهمي مئة أو خمسين(3) .

        وأعطى حكيم بن حزام الأسدي مئة بعير ، وجُبير بن مطعِم العدوي مئة بعير(4) . وزاد في الإرشاد : عِكرمة بن أبي جهل ، وزهير بن أبي اُمية ، وأخاه


(1) مغازي الواقدي 2 : 946 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 136 وفي الواقدي : عثمان بن وهب ، مصحّفاً .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 136 ومغازي الواقدي 2 : 946 .

(4) سيرة ابن هشام 4 : 137 ـ 139 وفي مغازي الواقدي 2 : 948 أن القائل سعد بن أبي وقاص .

(319)

عبد اللّه ابن أبي اُمية ، وهشام بن ( الوليد بن ) المغيرة من بني مخزوم بل هي رواية ابن هشام عن الزهري عن ابن عباس ، وفيها من بني مخزوم أيضاً : الحارث بن هشام بن المغيرة واخوه خالد ، وسفيان بن عبد الأسد ، والسائب بن عائذ .

 

        وزاد في بني اُمية : طليق بن سفيان ، وخالد بن اُسيد .

        ومن بني عبد الدار: شيبة بن عثمان ، وعِكرمة بن عامر، وأبا السنابل بن بعْكك .

        ومن بني عديّ : أبا جهم بن حُذيفة ، ومطيع بن الأسود .

        ومن بني جُمح : أخا صفوان : اُحيحة بن اُمية بن خلف .

        ومن سائر القبائل : نوفل بن معاوية الدّيلي ، وعلقمة بن عُلاثة العامري الكلابي ، وحرملة بن هَوذة العامري وأخوه خالد . وعُيينة بن حصن الفِزاري ، والأقرع بن حابس التميمي الُمجاشعي .

        فقال قائل لرسول اللّه : يا رسولَ اللّه ، أعطيتَ عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس مئة مئة ، وتركت جُعيل بن سُراقة الغفاري الضّمري ؟ ! فقال رسول اللّه : أما والذي نفس محمد بيده لجُعيل بن سراقة خيرٌ من طِلاع الأرض ( ما يطلع عليها ) كلهم مثل عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، ولكنّي تألّفتهما ليُسلما ، ووكلتُ جُعيل بن سُراقة إلى إسلامه(1) . ولم يُعط العباس بن مِرداس السُلميّ سوى أربعة من الأباعر فأنشأ يقول :

 

وما كنتُ دون امرئ منهما    ومن تضِع اليومَ لا يُرفَعِ


(1) سيرة ابن هشام 4 : 137 ـ 139 وفي مغازي الواقدي 2 : 948 أن القائل سعد بن أبي وقاص .

 أتجعل نَهبي ونَهب العُبيـ  ـدِ بين عُيينة والأقرعِ(2)
 (2) نهب : ما يُنهب . العُبيد : اسم فرسه . قاس سهمه بسهمي الأقرع وعُيينة .

(320)

        فبلغ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قوله ، فاستحضره وقال له : أنت القائل :

         أتجعل نَهبي ونَهبَ العُبيـ  ـد بين الأقرع وعُيينة ؟ !
        فقال له أبو بكر: بأبي أنت واُمّي لست بشاعر ! قال: وكيف قال ؟ فقال أبو بكر: بين عُيينة والأقرع . فقال رسول اللّه لأمير المؤمنين : قم يا عليّ إليه فاقطع لسانه !

 

        فروى عن العباس بن مِرداس قال : أخذ بيدي عليّ بن أبي طالب فانطلق بي ، ولو أرى أنّ أحداً يخلّصني منه لدعوته ، فقلت : يا علي ، إنّك لقاطع لساني ؟ ! قال : انّي مُمْضٍ فيك ما اُمرت ! ومضى بي ! فقلت : يا علي ، انّك لقاطع لساني ؟ ! قال : انّي مُمضٍ فيك ما اُمرت ! وما زال بي حتى أدخلني حظائر الإبل فقال لي : اعتدْ ما بين أربع إلى مئة ، إنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جعلك مع المُهاجرين [ إذ [ أعطاك أربعاً ، فان شئت فخذها ، وإن شئت فخذ المئة وكن مع أهل المئة ( المؤلفة قلوبهم ) . فقلت : بأبي أنتم واُمّي ، ما أكرمكم وأحلمكم وأعلمكم ! أشِر عليّ . فقال : فانّي آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى . ففعلت .

        قال المفيد : فتولّى من أمر العباس بن مِرداس ما كان سبب استقرار الإيمان في قلبه وزوال الريب في الدين من نفسه ، والانقياد إلى رسول اللّه والطاعة لأمره والرضا بحكمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p18.htm