فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

و إلى الطائف :

        مرّ عن ابن اسحاق : أن جفاة أهل مكة لما رأوا هزيمة المسلمين تكلم بعضهم


(1) مغازي الواقدي 2 : 920 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 276 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 920 ، 921 .

(4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 277 . وعنه الواقدي ونقل مختصر خبره الطبرسي في مجمع البيان 3 : 145 . وسيأتي في حصار الطائف أن رجلاً من بني ليث ـ قبيلة المقتول هنا ـ قتل رجلاً من هُذيل ، فأمر صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالقصاص منه فكان أول قصاص ! بينما مرّ قبل هذا غير واحد من مورد القصاص في المدينة قبل فتح مكة ، وانّما يُحمل مثل هذا على مبلغ علم الراوي لا الاستقصاء .

(300)

بما في نفوسهم من الطَعن والظِغن ، منهم ابو سفيان ، فانه قال : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر !(1) فسمعه ابو مَقيت الأسلمي فناداه : أما واللّه لولا أ نّي سمعت رسولَ اللّه ينهى عن قتلك ( للأمان ) لقتلتك !(2) . وصاح به ابنه معاوية : يا بن حرب ! لا قاتلت عن دينك ! ولا صبرت مع ابن عمك ! ولا كففتَ هؤلاء الأعراب عن حريمك !

 

        فلما سمع من ابنه معاوية هذا اللوم تلاوم وتقاوم وتلاءم مع جمع من أهل مكة(3) فتراجعوا لمقاومة الأعراب من هوازن وثقيف . واتّفقوا على أنه كان لأبي سفيان مصاهرة في ثقيف فاختلفوا في ابنته هل هي آمنة أم ميمونة ، وهل اُمّ داود فهل هو داود بن عروة بن مسعود الثقفي أو هو ابن أبي مُرّة بن عروة(4) . وقد غاب عروة بن مسعود عن حُنين لأنه كان قد ذهب مع غَيلان بن سلمة إلى جُرش اليمن ليتعلّما صنعة الدبّابات والمنجنيق(5) استعدادا لحرب المسلمين .

        فلعله لهذا وذاك وتأليفاً لهم ، لمّا فضّ اللّه جمع المشركين بحُنين وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف بعث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أبا سفيان بن حرب إلى الطائف فلقيتْه ثقيف


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 86 واليعقوبي 2 : 62 ومغازي الواقدي 2 : 910 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 911 .

(3) الإرشاد 1 : 144 .

(4) سيرة ابن هشام 4 : 126 .

(5) ابن اسحاق في السيرة 4 : 121 والدبّابة القديمة : مصفّحة مربعة مستطيلة من خشب عليه صفائح الجلود أو الحديد ، يدخل فيها رجال ثلاثة أو أربعة فيدبّون بها إلى الأسوار لينقبوها . والمنجنيق : معرّب منگنه ، يُرمى بها الحجارة الثقيلة . وقال الواقدي : كانا بجُرش يتعلّمان عمل الدبّابات والمنجنيق ، يريدان أن ينصباه على حصن الطائف وكانوا قد أصلحوا حصنهم ـ وله بابان ـ وصنعوا الصنائع للقتال وتهيّؤوا وادخلوه ما يصلحهم لو حوصروا فيه إلى سنة 3 : 924 .

(301)

فضربوه على وجهه ، فانهزم ورجع إلى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال له : بعثتني مع قوم من هُذيل والأعراب لا يُرقع بهم الدّلاء ، فما أغنوا عنّي شيئاً ! فسكت صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

 

        وأراد المسير إلى الطائف فبعث الطُفيلَ بنَ عمرو الدّوسي مع جمع من قومه إلى قومه ، وأمره أن يهدم صنمهم : ذا الكفّين ، ويستمدّ من قومه ، ويذهب بهم إلى الطائف . وطلب الطُفيل إليه أن يوصيه فقال له :

 

        « استحْي من اللّه كما يستحي الرجل ذو الهيئة من أهله ، وإذا أسأت فأحسن « إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ »(2) وأفشِ السلام ، وابذل الطعام » .

        فخرج الطُفيل إلى قومه وأوقد ناراً فأدخلها في جوف صنمهم ذي الكفّين وهو يقول له : يا ذا الكفّين لستُ من عُبّادكا . ميلادنا أقدم من ميلادكا . أنا حشوت النار في فؤادكا . ثم استمدّ من قومه فاستجاب له أربعمئة منهم(3) . وقدّم النبيّ من حُنين خالدَ بن الوليد على مقدّمته كذلك إلى الطائف(4) .

 

مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف :

        قال الواقدي : وأخذ رسول اللّه من الأدلاّء من يدلّه على الطريق إلى


(1) الإرشاد 1 : 151 ، 152 .

(2) هود : 114 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 923 و 2 : 870 ، وفي : 927 : يقال : قدم معه من قومه بدبّابة ومنجنيق لحرب الطائف !

(4) مغازي الواقدي 2 : 923 ولعلّه ليريهم كيف أن أبطال قريش قد خضعوا له ، فيفتّ ذلك في عضد أهل الطائف .

(302)

الطائف ، فسار من أوطاس على نخلة اليمانية ، ثم على قرن(1) ثم على المُليح ، ثم على بحْرة الرُّغاء من وادي لِيّة ، وبها بنى مسجداً بيده وأصحابه ينقلون إليه الحجارة ، فصلى فيه الظهر . وأتاه رجال من هُذيل برجل من بني ليث قتل رجلاً من هُذيل ، فاختصموا عنده ، فدفعه رسول اللّه إليهم فقدّموه فضربوا عنقه(2) .

 

        وصلى رسول اللّه العصر ، ورأى قصراً فسأل عنه فقالوا : هو قصر مالك بن عَوف . فقال : أين هو ؟ قالوا : هو الآن في حصن ثقيف . فقال : مَن في قصره ؟ قالوا : ما فيه أحد . فقال : حرّقوه ! فحرُّق من حين العصر إلى أن غابت الشمس .

 

        وكان هناك قبرٌ مشرف لسعيد بن العاص الاُموي ، وابناه : أبان وعمرو مع رسول اللّه ، فلما نظر أبو بكر إلى قبره قال : لعن اللّه صاحب هذا القبر فانه كان يحادّ اللّه ورسولَه ! وسمعه ابناه عمرو وأبان فقالا لعن اللّه أبا قحافة فانه كان لا يمنع الضيم ولا يُقري الضيف فقال رسول اللّه : إن سبّ الأموات يؤذي الأحياء ، فإن شئتم المشركين فعُمّوا . ثمّ مضى رسول اللّه من لَيّة على طريق الضّيقة ، فقال رسول اللّه : بل هي اليُسرى ! ثم خرج على وادي النِخب عند حائط رجل من ثقيف ، أبى أن يخرج إلى رسول اللّه ، فأرسل إليه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إما أن تخرج وإما أن نحرق عليك حائطك ! فأبى أن يخرج ، فأمر رسول اللّه بإحراق حائطه وما فيه(3) .



(1) قرية في طريق الطائف بينها وبين مكة خمسون ميلاً ( 80 كم تقريباً ) معجم البلدان 7 : 64 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 924 وعند ابن اسحاق في السيرة مثله 4 : 125 وقالا : فكان أول دم اقيد به في الإسلام . هذا وقد ذكر الواقدي مثله في قصاص جَثّامة قبله في حُنين ، بل وقبله جرى من موارد القصاص أكثر من واحد ، وانما يُحمل مثل هذا على مبلغ علم الراوي إلاّ الاستقصاء ، كما مرّ قبل قليل .

(3) مغازي الواقدي 2 : 925 وعند ابن اسحاق في السيرة مثله 4 : 125 إلاّ أنه قال : فأمر بإخرابه ، لا إحراقه . وليس فيها خبر لعن أبي بكر لسعيد ولعن ابنيه له بالمثل .

(303)

 

بدء حصار الطائف :

        قال : ومضى رسول اللّه حتى نزل قريباً من حصن الطائف ، فلما حلّ جاءه الحُباب بن المنذر فقال له : يا رسولَ اللّه ، إنّا قد دنونا من الحصن ، فان كان عن أمر سلّمنا ، وإن كان عن الرأي فالتأخر عن حصنهم ؟ فسكت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

        فروى عن عمرو بن اُمية الضَّمْري قال : لما نزلنا جاءنا من نبلهم شيء كأنه جراد كثير حتى اُصيب عدد من المسلمين بجراحات . فحينئذٍ دعا رسول اللّه الحباب بن المنذر فقال له : انظر لنا مكاناً مُرتفعاً مستأخراً عن القوم . فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف ( اليوم ) فارتضاه ، فرجع إلى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخبره . فأمر رسول اللّه أصحابه أن يتحوّلوا إليه . ونزل رسول اللّه على الأكمة ، ومعه امرأتان من نسائه اُمّ سلمة وزينب . وثار المسلمون إلى الحصن ، وخرج أمامهم يزيد بن زمعة بن الأسود وسألهم الأمان ليكلمهم ، فأعطوه الأمان ، فلما دنا من حصنهم رموه بالنبل فقتلوه !

        فيقال : كمن لهم يعقوب بن زمعة أخو المقتول ، وخرج من باب الحصن هُذيل بن أبي الصلت ، فأسره يعقوب وأتى به النبيّ فقال له : هذا قاتل أخي يا رسولَ اللّه ، فأمكنه النبيّ منه فضرب عنقه بأخيه .

 

مشورة سلمان بالمنجنيق :

        قال : وشاور رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أصحابه ، فقال سلمان الفارسي : يا رسولَ اللّه ، أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم ، فإنّا كنّا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون ، وتُنصَب علينا ، فنصيب من عدوّنا ، ويصيب منّا ، وإن لم يكن المنجنيق طالت الإقامة . فأمره رسول اللّه أن يصنعه، فعمل بيده منجنيقاً ونصبه باتجاه حصن الطائف(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 924 ـ 927 وعنه في إعلام الورى 1 : 234 . ولم يسلم بعضهم î؛ لسلمان بهذه المشورة المثمرة فقال : بل جاء بالمنجنيق ودبابتين الطفيلُ بن عمرو الدّوسي من أرض الدوس ! ولم يُعهد منهم ذلك ، ولعلّه لذلك قال آخر : بل جاء بهما خالد بن سعيد بن العاص من الجُرش في اليمن .م .ن .

(304)

        ومرّ الخبر عن بعث النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الطُفيل بن عمرو الدّوسي إلى قبيلته الدّوس ، وأنه أمره أن يستمدّ منهم ويوافيه بالطائف، فأسرع معه أربعمئة رجل من قومه، وقدم معه بمنجنيق ودبّابتين ، فوافوا النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالطائف بعد مُقامه بأربعة أيام فاليوم حاول المسلمون أن يفيدوا من الدبّابتين وعليهما جلود البقر ، فدخَلوا تحتهما ثم زحفوا بهما إلى جدار الحصن ليحفروه وينقبوه. فأحموا لهم سكك الحديد وأرسلوها عليهم فاحترقت الدّبابتان وخرج المسلمون من تحتهما، فرمتهم ثقيف بنبالهم فقُتل منهم رجال واُصيب آخرون. فقيل لذلك اليوم: يوم الشَدْخة، لما قُتل واُصيب فيه من المسلمين.

 

        قال : فأمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يقطع كل رجل من أعنابهم خمس حَبلات(1) . مما يؤكل ثمره ، وقال : مَن قطع حَبَلةً فله حَبلة في الجنة . فجعل المسلمون يقطعونها قطعاً ذريعاً . فنادى سفيان بن عبد اللّه الثقفي : يا محمد ، لِمَ تقطع أموالنا ؟ إما أن تأخذها إن ظهرتَ علينا ، وإما أن تدعها للّه وللرّحِم كما زعمت ! فقال رسول اللّه : فإنّي أدعها للّه وللرّحِم(2) .

        وكان رجل منهم يقوم على الحصن فيقول للمسلمين : روحوا رِعاء الشاء ! رحوا عبيد محمد ! روحوا جلابيب محمد ! أترونا نتباءس على أحبُل من كرومنا أصبتموها ؟ ! فقال رسول اللّه : اللهم روِّح مُروِّحاً إلى النار ! فأهوى إليه سعد بن أبي وقّاص بسهم في نحره ، فهوى من الحصن ميّتاً ، فسُرّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بذلك(3) .

 



(1) الحَبلة : شجر العنب أو المثمر منه .

(2) مغازي الواقدي 2 : 928 وعنه فـي إعلام الورى 1 : 234 وفي شرح المواهب اللدنية 3 : 37 : أن الرَحِم هنا لأن إحدى اُمهات آمنة بنت وهب هند بنت يربوع الثقفي.

(3) مغازي الواقدي 2 : 929 ، 930 .

(305)

 

حمية جاهلية :

        ومرّ الخبر عن مصاهرة عروة بن مسعود الثقفي لأبي سفيان بن حرب على ابنته آمنة ، أو مصاهرة أبي مرّة بن عروة له على ابنته ميمونة(1) ، ولكنّ عروة بن مسعود كان قد خرج إلى الجُرَش في أوائل اليمن من ناحية الحجاز ليتعلّم منهم صنعة الدبّابة والمنجنيق(2) فافتقد أبو سفيان صهره عروة ليكلّمه في ابنته آمنة مخافة أن تُسبى ، فلجأ إلى المغيرة بن شعبة الثقفي واتّفق معه على أن يتقدّما إلى الحصن فيكلّما ثقيفاً في نساء عندهم من قريش وبني كنانة منهن آمنة أو ميمونة ، والفِراسيّة بنت سويد بن عمرو ، واُميمة بنت اُميّة الفُقيمية .

        فتقدّما فناديا : أمّنونا حتى نكلّمكم . فأمّنوهما . فطلبا منهم أن يدعوا لهم هذه النساء ، فدعوهنّ لهما ، فلما عرض أبو سفيان على ابنته ميمونة أو آمنة الأمان من السبي مع نساء الطائف ـ مع صواحبها ـ أبت عليه ، وأبين عليهما(3) . ولم تأخذ العزّة بالإسلام أبا سفيان أن يدعو ابنته إلى الإسلام ، وانما النصّ : خاف عليها السباء ، فدعاها إلى الأمان لا الإيمان ، ولم يخف عليها الكفر والشرك فيدعوها إلى الإسلام ، دعتْه الحميّة إلى ذلك ، ولكنّها لم تكن حميّة الإسلام بل لعلها حميّة جاهلية .

 

وحميّة جاهلية :

        وصدّق ابليس ظنّه على رجل من مُزينة كان مع رُماة المسلمين ، وزيّن له


(1) ابن اسحاق وابن هشام في السيرة 4 : 126 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 121 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 126 وفقئت عينه [ أبي سفيان ] في حصار الطائف فصار أعور ، كما في سفينة البحار 4 : 196 .

(306)

الدنيا في عينِه فقال لصاحبه : إن افتتحنا الطائف فعليك بنساء بني قارب بن الأسود ـ ومنهن الفِراسيّة بنت سويد بن عمرو امرأة قارب ، والتي تشفّع لها المغيرة بن شعبة فلم تجبهُ ـ فانهنّ أجمل إن أمسكتَ ، وأكثر فداءً إن فاديتَ ! وسمعه المغيرة بن شعبة فغار لها لأنها من نساء ثقيف ! وكان ابو مِحجن الثقفي من رُماتهم على رأس الحصن يرمي بنصال طوال عريضة يقال لها المعابل لا يسقط منه سهم دون غرضه ، فأراد المغيرة أن يثير المُزني على أبي محجَن ، فيرميه أبو محجن فيقتله ، غيرة من المُغيرة على نساء ثقيف . فنادى المُزنيّ : يا أخا مُزينة ! قال : لبّيك ! قال : ارمِ ذلك الرجل ـ يعنى أبا مِحجن ـ فرماه المُزنيّ فلم يُصبه ، وفوّق له أبو مِحجن بمعبَلةٍ فرمى المُزنيّ في نحره فقتله .

 

        فقال عبد اللّه بن عمرو المزنيّ للمغيرة : قاتلك اللّه يا مُغيرة ! أنت عرّضته لهذا فأنت ـ واللّه ـ منافق ، واللّه لولا الإسلام ما تركتك حتى أغتالَك ! إن معنا الداهية وما نشعر ! وأخذ المغيرة يطلب من هذا أن يكتم ذلك عليه ، والمزنيّ يقول : لا واللّه أبداً !(1) .



(1) فلما ولاّه عمر الكوفة بلغه ذلك فقال : واللّه ما كان المُغيرة بأهل أن يُولّى وهذا فعله ! وكأن المشكلة في فعله فقط وليس كاشفاً عن نِفاقه ! مغازي الواقدي 3 : 930 وهذا مما يسوء بعض الناس ذكره ، فلم يذكره ابن هشام .

    والمُـزنيّ الذي أقسم أن لا يكتم هذا على المغيرة فأفشاه حتى بلغ عمـر على عهده ، هل أفشى ذلك لدى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أم لا ؟ لا يُدرى ، ولكن إن بلغه ذلك فلعلّه لم يقتصّ للمقتول لمباشرة الكافر لقتله وعدم مباشرة المُغيرة . ولعلّ أولياء المقتول لم يطالبوا بشيء لأنه كان قد هاجر إلى امرأة يصيبها ومنّى الرجال بها ، مما يحملهم على الحياء من ذلك فالسكوت والكتمان . ومع كلّ هذا زعموا عدالتهم جميعاً !

(307)

 

ومن النفاق المفضوح :

        ولم يكشف النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن نفاق الثقفيّ والمُزنيّ فيفضحهما ، ولكن اختلف الحال مع عُيينة بن حصن الفزاري . وكأنّ عُيينة لما رأى أن رؤوساً مثله كالثقفي وأبي سفيان يطلبون من ثقيف الأمان فيكلّمونهم ، أراد أن يجعل له يداً عندهم ، فتقدّم إلى رسول اللّه وقال : يا رسول اللّه ، ايذن لي أن أذهب إلى حصن الطائف فاكلّمهم فأذن له . فدنا من الحصن وقال لهم : أدنو منكم وأنا آمن ؟ فعرفه أبو محجن المذكور فقال : نعم ادنُ فادخل . فدنا ودخل عليهم الحصن فقال لهم : فداؤكم أبي واُمّي ! واللّه لقد سرّني ما رأيت منكم ، واللّه لو أنّ في العرب أحداً غيركم ! واللّه ما لاقى محمد مثلكم قطّ ، ولقد ملّ المُقامَ ، فاثبتُوا في حصنكم ، فانّ حصنكم حصين وسلاحكم كثير ، وماءَكم واتن : لا تخافون قطعه !

        قال الراوي من جانب ثقيف : إنه لما خرج قال جمع منهم لأبي مِحجن : إنّا كرهنا دخوله إذ خشينا أنه إن رأى فينا أو في حصننا خللاً أن يخبر محمداً ! فقال لهم أبو مِحجن : بل ليس منا أحد أشدّ على محمد منه ، وإن كان معه ! فلما رجع إلى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال له : ما قلتَ لهم ؟ قال : خذّلتهم ما استطعتُ وقلت لهم : إنّ محمداً ( كذا ) قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم : قَينُقاع والنضير وقريظة وخيبر : أهل ا لحَلْقَة والعُدّة والآطام ( الحصون ) واللّه لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا ! فادخلوا في الإسلام ! أو خذوا لأنفسكم أماناً ! وخذّلتُهم ما استطعت !

        فلما فرغ من حديثه ، قال له رسول اللّه : كذبت ! قلت كذا وكذا فأخبره بالذي قال لهم(1) . فقال له أبو بكر : ويحك يا عُيينة ! إنما أنت تُوضِع في الباطل أبداً ، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر ، تُجلب علينا وتقاتلنا بسيفك ، ثم


(1) الخرائج والجرائح 1 : 118 ، الحديث 195 ، ومغازي الواقدي 2 : 932 .

(308)

أسلمت ـ كما زعمت ـ فتحرّض عدوّنا علينا ! فقال له عُيينة : يا أبا بكر ، لا أعود أبداً ، أستغفر اللّه وأتوب إليه . فقال عمر لرسول اللّه : يا رسولَ اللّه ، دعني اُقدّمهُ فأضرب عنقه ! فقال رسول اللّه : لا ، يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي(1) .

 

 

وإغراء بالنساء ! :

        اُمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، المنسوب إليه بنو زهرة ، منهم اُمّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وليست من بني مخزوم ولا اُختاً لفاختة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، ومع ذلك وصفها الواقدي بأنها خالته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وقال : كان لها موليان يسمّيان : هيت وماتع ، وأنهما انتهيا إليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فكان يراهما من غير اولي الإربة ( الحاجة في النساء ) وأنهما لا يفطنان لشيء مما يفطن إليه الرجال من أمر النساء ، فكان ماتع لذلك يدخل في بيوته على نسائه ، وكأ نّه كان من قبل في الطائف فكان يعرف امرأة جميلة منهم تُدعى بادية بنت غيلان .

        فسمعه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في حصار الطائف يقول لعبد اللّه بن أبي اُميّة أو خالد بن الوليد المخزوميّين : إن افتتح رسول اللّه الطائف غداً فلا تُفلتَن منك بادية بنت غيلان ؛ فانّها إذا جلست تثنّت وإذا تكلّمت تغنّت ، وإذا اضطجَعت تمنّت ، مع ثغر كالاُقحوان ، وبين .. مثل الإناء المكفوء ! فلما سمع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هذا قال : ألا أرى هذا الخبيث يفطن للجمال ! لا يدخلن على أحد من نسائكم ! ثم غرّبه وصاحبه إلى حِمى الإبل(2) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 932 ، 933 ويلاحظ حسب هذا الخبر أنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أطلق ( أصحابي ) حتى على مثل هذا المنافق أيضاً ! ومع ذلك زعموا عدالتهم جميعاً ! فهل أن استغفاره لساناً ملأ ضميره إيماناً من حينِه ؟ ! ليت شعري !

(2) فشكيا الحاجة ، فأذن لهما أن ينزلا كل جُمعة يسألان ثم يرجعان إلى مكانهما ، إلى أن î؛ توفي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فدخلا مع الناس ، فلما ولّي أبو بكر أخرجهما إلى موضعهما ، فلما مات أبو بكر دخلا مع الناس ، فلما ولّي عمر أخرجهما إلى موضعهما ، فلما قُتل عمر دخلا مع الناس . مغازي الواقدي 2 : 933 ، 934 .

(309)

 

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p17.htm