فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وممّن أمر بقتله :

        وكان ممّن أمر بقتله رسول اللّه : مِقْيَسُ بن صُبابة الليثي ، وكانت اُمّه من بني سهم فاختفى فيهم ، وتتبّع أخباره نُميلة بن عبد اللّه الليثي حتى علم بمكانه في بني سهم ، فأتاه ودعاه ، وكان قد تنادم الخمرة فهو ثمل ومع ذلك خرج إليه ، وكأنّ الدار التي آوى إليها كانت بين الجبَلين الصفا والمروة ، فخرج وهو يغنّي بشعر ، فضربه نُميلة بسيفه ، ورآه المسلمون فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه(2) فهو خامس من قُتل من الرجال والنساء : عبد اللّه بن هِلال بن خطَل الأدْرَمي ، وحُويرث بن نُقيذ ، ومِقْيَس بن صُبابة هذا مع إحدى قينتي ابن خَطَل ، وسارة مولاة عمرو بن هاشم . أما هند بنت عتبة فقد أسلمت كما يأتي ، وأسلمت اُمّ حكيم زوج عِكرمة بن أبي جهل المخزومي فاستأمنت له فأمّنه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما يأتي ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي


(1) مغازي الواقدي 2 : 849 ، 850 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 860 ، 861 وقد سبقت الإشارة إلى سبب هدر دمه في دخول مكة .

(240)

سرح الاُموي فقد استوهبه اخوه من الرضاعة عثمان بن عفّان كما يأتي ، وأسلم وحشي قاتل حمزة وهبّار بن الأسود مُسقط حمل زينب بنت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلم يُقتلوا ، وانّما قتل اُولئك الخمسة فحسب .

 

        ومع ذلك فقد روى الواقدي أن هؤلاء لما قُتلوا سُمع النوح عليهم بمكة ، فجاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول اللّه يقول له : فداك أبي واُمّي ! البقيّةَ في قومك ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا تُقتل قريش صبراً بعد اليوم(1) يعني على الكفر .

 

وممّن عفى عنه :

        روى الكليني في « فروع الكافي » بسنده عن أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام قال : كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ممّن أهـدر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دمـه يـوم فتح مكة(2) .

        وروى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : لما فتح رسول اللّه مكة أمر بقتل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أخي عثمان بن عفّان من الرضاعة ، فجاء به عثمان قد أخذ بيده ، ورسول اللّه في المسجد ، فقال : يا رسولَ اللّه اعفُ عنه . فسكت رسول اللّه ، ثم أعاد فسكت رسول اللّه ، ثم أعاد ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : هو لك . فلما مرّ قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لأصحابه : ألم أقل : من رآه فليقتله ؟ ! فقال رجل : كانت عيني إليك يا رسول اللّه أن تشير إليّ فأقتله ! فقال رسول اللّه : إن الأنبياء لا يقتلون بالإشارة . فكان من الطلقاء(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 862 .

(2) فروع الكافي 8 : 200 وتفسير العياشي 1 : 369 .

(3) تفسير القمي 1 : 211 .

(241)

        وزاد ابن اسحاق : أنه فرّ إلى عثمان بن عفان أخيه من الرضاعة فغيّبه حتى اطمأنّ أهل مكة فأتى به رسول اللّه يستأمن له ، فصمت طويلاً ثم قال : نعم ، فلما انصرف قال رسول اللّه لمَن حوله من أصحابه : لقد صمتُّ طويلاً ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه(1) .

 

        وقال الواقدي : جاء ابن أبي سرح يوم الفتح إلى عثمان بن عفّان فقال : يا أخي إنّي واللّه اخترتك فاحتبسني ها هنا واذهب إلى محمد فكلّمْه فيّ ، فانّ محمداً إن رآني ضرب الذي فيه عيناي إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا ... واللّه لئن رآني ليضربنّ عنقي ، وأصحابه يطلبونني في كل موضع . فقال عثمان : بل انطلق واذهب معي فلا يقتلك إن شاء اللّه .

 

        وفوجئ رسول اللّه بعثمان آخذاً بيد عبد اللّه بن سعد واقفين بين يديه وعثمان يقول : يا رسول اللّه ، إن امّه كانت تحملني وتمشّيه ، وتُرضعني وتقطعه ، وتلطفني وتتركه ، فهَبْه لي وكلّما كان يعرض عنه رسول اللّه كان عثمان يستقبله في وجهه فيعيد عليه الكلام ثم اكبّ عثمان على رسول اللّه يقبّل رأسه ويقول : يا رسول اللّه فداك أبي واُمّي تبايعه ؟ ! فقال رسول اللّه : نعم ، ثم بايعه ( أي قبل توبته إلى الإسلام ) .

        فلما انصرفا التفت إلى أصحابه فقال لهم : ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الفاسق ـ أو الكلب ـ فيقتله ؟ ! فقال عبَّاد بن بِشر : ألا أومأتَ إليَّ يا رسولَ اللّه ؟ فوالذي بعثك بالحق انّي لأتّبع طَرْفك من كل ناحية رجاءَ أن تشير إليّ فأضرب عنقه ! فقال رسول اللّه : انّي لا أقتل بالإشارة . أو : إنّ النبيّ لا تكون له خائنة الأعين !(2) .



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 52 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 856 .

(242)

 

صفوان بن اُمية الجُمحي :

        لم يذكـر صفـوان بـن اُمية الجُمحي في مَن أمر رسول اللّه بقتله سوى الحلبي(1) وهو مِن المطعمين لجيش المشركين في مسيرهم إلى بدر ، وقُتل أبوه اُمية بن خلف فيمن قتل منهم يومئذٍ ، ولذلك كفل عيالَ عُمير بن وهب الجُمحي على أن يذهب إلى المدينة بحجة السعي لفك ابنه الأسير وهب فيغتال رسول اللّه ، وأنبأه النبيّ بما أضمر عليه في ضميره فأسلم الرجل ، فحلف صفوان أن لا يكلمه أبداً .

        ومع ذلك لم يُذكر في مَن أمر رسول اللّه بقتله ، ولكنّه مَع ذلك لم يأمن على نفسه ، فروى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير قال : خرج صفوان بن اُمية من مكة(2) .. وقال الواقدي : مع غلامه يسار يريد الشُعيبة(3) ليركب منها إلى اليمن .

        قال ابن اسحاق : فأتى عمير بن وهب إلى النبيّ وقال له : يا نبيّ اللّه ، إنّ صفوان بن اُمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمِّنه صلى اللّه عليك ! قال : هو آمن . فخرج عمير في أثره حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر ..

 

        قال الواقدي : ورآه صفوان فقال لغلامه يسار : ويحك انظر مَن ترى ؟ قال : هذا عُمير بن وهب . فقال صفوان : وما أصنع بعُمير وقد ظاهر محمداً عليّ ؟ ! واللّه ما جاء إلاّ يُريد قتلي . ولحقه عمير فقال له صفوان : يا عُمير ، ما كفاك ما صنعتَ بي ؟ ! حمَّلتني دينَك وعيالك ثم جئتَ تريد قتلي !

        قال ابن اسحاق : فقال عمير : يا صفوان فداك أبي واُمي ! اللّه اللّه في نفسك


(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 208 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 60 .

(3) الشعيبة : ميناء الحجاز على البحر الأحمر قبل جدّة ، وقال ابن اسحاق قصد جدّة .

(243)

أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول اللّه قد جئتك به ! قال صفوان : ويحك اعزب عنّي فلا تكلّمني ! قال عُمير : أي صفوان ، فداك أبي واُمّي ! أفضل الناس وأبرّ الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمّك ، عزّه عزّك ، وشرفه شرفك ، ومُلكه مُلكك ! قال : إنّي أخافه على نفسي ! قال : هو أحلم من ذاك وأكرم ! إن رسول اللّه قد أمّنك !

 

        قال الواقدي : فقال صفوان : لا واللّه لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها ! فرجع عُمير إلى رسول اللّه وقال : يا رسول اللّه ، أدركت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه ( بركوب البحر ) فأخبرتُه بما أمَّنْتَه فقال : لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها . يا رسول اللّه فأعطني آية يعرف بها أمانك .

        فأعطاه رسول اللّه عمامته وكانت حِبرة يمانية دخل فيها رسول اللّه يومئذٍ معتجراً بها ( غير مُتحنّك ) فخرج عمير بها إليه حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر . فقال له : يا أبا وهب ، جئتك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبرّ الناس وأحلم الناس ، مجده مجدك وعزّه عزّك وملكه ملكك ، ابن اُمّك وأبيك ، فاذكّرك اللّه في نفسك ! قال له : أخاف أن اُقتل !

        قال : قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام فان رضيت وإلاّ سيّرك شهرين ، وهو أوفى الناس وأبرّهم ، وقد بعث إليك ببُرده الذي دخل به معتجراً ، تعرفه ؟ قال : نعم ، فأخرجه له ، فقال : نعم هو هو .

        فرجع صفوان ومعه غلامه يَسار مع عمير بن وهب حتى انتهوا إلى المسجد الحرام ورسول اللّه يصلي بالمسلمين العصر ( قصراً : ركعتين ) فلما سلّم ، صاح صفوان : يا محمد ! إنّ عمير بن وهْب جاءني ببردك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فان رضيْتُ أمراً ( ؟ ! ) وإلاّ سيّرتني شهرين ؟ ! فقال رسول اللّه : انزل أبا وهْب . قال : لا واللّه حتى تبيّن لي ! قال : بل تسير أربعة أشهر ! فنزل صفوان(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 853 ، 854 .

(244)

 

بيعة النساء :

        مرّ الخبر عن نزول الآيات الأوائل إلى التاسعة من سورة الممتحنَة بشأن محاولة حاطب بن أبي بلتعة أن ينذر أهل مكة بمحاولة فتحها ، ونزول الآيتين التاليتين العاشرة والحادية عشرة بشأن النساء المسلمات المهاجرات قبل الفتح . والآية التالية الثانية عشرة بشأن بيعة النساء المسلمات لتوّهن بعد الفتح : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المؤمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن ... فَبَايِعْهُنَّ » بلا خلاف في ذلك ، ومن دون آية في بيعة الرجال ، وانمّا تصدّر خبر بيعة النساء ، أنها كانت بعد بيعة الرجال ، بلا تفصيل لذلك .

        ومن المعهود أنّ البيعة للنصرة في الحروب ، ولا يتوقع ذلك من النساء ، ولذلك ذكر الشيخ الطوسي في « التبيان » : أنّ الوجه في بيعة النساء مع أنهنّ لسن من أهل النصرة في المحاربة هو أخذ العهد عليهنّ بما يُصلح شأنهنّ في الدين للأنفس والأزواج ، وَكان ذلك في صدر الإسلام لئلاّ ينفتق بهنّ فتق لما صيغ من الأحكام ، فبايعهنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حسماً لذلك(1) .

        هذا ، وقد مرّ الخبر عن هدْر الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لدم جمع منهم : هند بنت عتبة المخزومية زوج أبي سفيان(2) وقال الحلبي عنها : إنّها دخلت دار أبي سفيان ، فتكلم ابو سفيان مع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في بيعة النساء وأعانته اُمّ الفضل فقبل منهن البيعة(3) .

 

        وعن عدد النساء ومحلّ بيعتهن ما روى الواقدي بسنده عن عبد اللّه بن الزبير قال : إنّ عشر نسوَة من قريش أتين رسول اللّه بالأبطح فدخلن عليه ،


(1) التبيان 9 : 587 وعنه في مجمع البيان 9 : 415 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 825 واليعقوبي 2 : 59 ، 60 والحلبي في المناقب 1 : 208 .

(3) مناقب آل أبي طالب 1 : 208 .

(245)

وعنده ابنته فاطمة ، وزوجته ( ؟ : اُمّ سلمة ) ونساء من بني عبد المطلب . وسمّى خمسة منهن : هند بنت عتبة ، وهند بنت المنبّه بن الحجاج اُمّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، واُمّ حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي امرأة عِكرمة بن أبي جهل ، والبَغوم بنت المعذِّل الكنانية امرأة صفوان بن اُمية ، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومي(1) .

 

        بينما روى الطبْرسي في « مجمع البيان » : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بايعهنّ وهو على الصفا ، وكان عمر بن الخطاب أسفل منه ، فقال النبيّ : ابايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئاً . وكانت هند بنت عتبة متنكرة بين النساء ومتنقّبة خوفاً أن يعرفها رسول اللّه ، وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد بايع الرجال يومئذٍ على الإسلام والجهاد فقط ، فقالت هند : إنّك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال ؟ ! ( فسكت عنها رسول اللّه ) .

 

        ثم قال : ولا تسرقن . وكان أبو سفيان واقفاً يسمع . فقالت هند : إنّ أبا سفيان رجل ممسك ، وانّي أصبت من ماله هِنات ، فلا أدري أيحلّ لي أم لا ؟ ! فقال لها أبو سفيان : ما أصبتِ من مالي فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ! فعرفها رسول اللّه وضحك وقال : وانّك لهند بنت عتبة ؟ ! فقالت : نعم ، فاعف عمّا سلف يا نبيّ اللّه ، عفا اللّه عنك ! ( فسكت عنها ) .

        ثم قال : ولا تزنين . فقالت هند : أو تزني الحُرّة ؟ ! فتبسّم عمر بن الخطاب لما بينهما في الجاهلية !

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ولا تقتلن أولادكنّ . فقالت هند : ربّيناهم صغاراً وقتلتموهم


(1) مغازي الواقدي 2 : 850 وعن الأبطح قال البلادي في معجم معالم مكة : إذا تجاوزت ريع الحَجون مشرقاً فهو الأبطح إلى المنحني عند بئر الشَيبي ، أما البطحاء فهو من مهبط ريع الحَجون إلى المسجد الحرام .

(246)

كباراً ( تعني ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب عليه‏السلام يوم بدر ) فتبسّم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        وقال : ولا تأتين ببهتان . فقالت هند : واللّه إنّ البهتان قبيح ، وما تأمرنا إلاّ بالرشد ومكارم الأخلاق !

        وقال وهو يتلو الآية : « وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ .. » . فقالت هند : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء(1) . وقالت اُمّ حكيم بنت الحارث امرأة عكرمة : يا رسولَ اللّه ، ما ذلك المعروف الذي أمرنا اللّه أن لا نعصيك فيه ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا تلطمن خدّاً ولا تخمشن وجهاً ولا تنتفن شعراً ، ولا تشققن ثوباً ، ولا تسوّدن ثوباً ، ولا تدعين بويل(2) . فقالت : يا رسولَ اللّه كيف نبايعك ؟ قال : انّني لا اُصافح النساء . ثم دعا بقدح من ماء فأدخل يده ثم أخرجها فقال : أدخِلن أيديكنّ في هذا الماء ، فهي البيعة(3) .

        ثم قالت اُمّ حكيم امرأة عكرمة : يا رسول اللّه ، إن عِكرمة خاف أن تقتله فهرب منك إلى اليمن ، فأمِّنْه . فقال لها رسول اللّه : هو آمن . وكان لهم غلام روميّ ، فخرجت معه في طلب عِكرمة حتى أدركته في ساحلٍ من أرض تِهامة يريد ركوب البحر ، فلما أدركته جعلت تقول له : يا بن عمّ ، جئتك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس وخير الناس ، فلا تُهلك نفسك ! فوقف لها حتى وصلت إليه فقالت له : إنّي قد استأمنت لك محمداً رسولَ اللّه . قال : أنتِ فعلتِ ؟ قالت : نعم ، أنا كلّمتُه فأمّنك . فرجع معها ..

 


(1) مجمع البيان 9 : 414 .

(2) وحكاه في التبيان 9 : 588 عن زيد بن أسلم. وفي مجمع البيان 9 : 414 عن مقاتل والكلبي !

(3) بحار الأنوار 21 : 134 عن فروع الكافي 5 : 527 بثلاث طرق عن الصادق عليه‏السلام . وتفسير القمي 2 : 364 وفيه : انه قعد في المسجد يبايع الرجال إلى العصر ثم قعد لبيعة النساء .

(247)

        فلما دخل مكة وأقبل معها إلى رسول اللّه ـ أو قبل ذلك ـ قال النبيّ لأصحابه ! يأتيكم عِكرمة بن أبي جهل مؤمناً(1) فلا تسبّوا أباه فإن سبّ الميت يؤذي الحيّ ولا يبلغ الميّت . ودنا عِكرمة من رسول اللّه وزوجته معه متنقبة ، ورسول اللّه جالس ، فوقفا بين يديه وقال عِكرمة وهو يشير إليها : يا محمد ، إنّ هذه أخبرتني أ نّك أمّنتني ! فقال رسول اللّه : صدقَتْ فأنت آمن . فقال عِكرمة : فإلى ما تدعو يا محمد ؟ قال : أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة(2) .. وعدَّ خصالاً من الإسلام . فقال عكرمة : واللّه ما دعوت إلاّ إلى الحقّ وأمرٍ حَسنٍ جميل ، قد كنت فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً وأبرّنا بِرّاً .. فانّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله . فردّ عليه رسول اللّه امرأته بنكاحه السابق(3) وذلك أنّ إسلام عِكرمة كان في عدة امرأته لإسلامها قبله(4) .

 

تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء :

        قالوا : وقدمت اخت حليمة السعدية من بني سعد بن بكر على رسول


(1) في نصّ‏الواقديزيادة:ومهاجراً.وأظنه زيادة إذ إن ذلك يتنافى وقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا هجرة بعدالفتح.

(2) كذا ، وسيأتي أن الزكاة إنما فرضت في التاسعة بعد رجوعه من فتح مكة .

(3) مغازي الواقدي 2 : 852 وفي بقية الخبر : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لعِكرمة : قل : انّي مسلم مهاجر . بينما ثبت عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال : لا هجرة بعد الفتح .

(4) مغازي الواقدي 2 : 855 . وبقي ممّن أهدر رسول اللّه دمه وأسلم فيما بعد فأمن : وحشي قاتل حمزة ، وقد هرب إلى الطائف حتى قدم في وفد الطائف فأسلم فأمن . وهبّار ابن الأسود الذي كان قد أسقط زينب بنت النبيّ جنينها يوم هجرتها ، فأهدر النبيّ دمه ، ففرّ في فتح مكة حتى قدم المدينة بعد الجعرّانة فأسلم وأمن ، وسنأتي على خبرهما في موضعه من سياق التاريخ .

(248)

اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد فتح مكة وهو بالأبطح ، فلما دخلت عليه وانتسبت له عرفها رسول اللّه ، وكان معها جُراب فيه أقِط(1) وزقّ فيه سمن فقدمتها له هدية إليه ، فدعاها رسول اللّه إلى الإسلام فأسلمت ، فأمر بقبول هديتها ، ثم جعل يسائلها عن حليمة فأخبرته أنها توفيت من زمان ، فذرفت عينا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثم سألها عمّن بقي منهم فقالت : أخواك واختاك ، ولقد كان لهم موئل ( ملجأ ) فذهب فهم واللّه محتاجون إلى صلتك وبرّك . فأمر لها رسول اللّه بكسوة وجمل ومئتي درهم ، فانصرفت وهي تقول : واللّه نعم المكفول كنت صغيراً ونعم المرء كنت كبيراً عظيم البركة !(2) .

 

        وروى الواقدي بسنده عن ابن عباس قال : قـدم صديق لرسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عليه من ثقيف بعد فتح مكة ومعه راوية خمر قدّمها هدية لرسول اللّه ! فقال له رسول اللّه : أما علمت أنّ اللّه حرّمها ؟ ! فسارّ الرجل غلامه فقال له رسول اللّه : بمَ أمرته ؟ قال : ببيعها ! فقال : إنّ اللّه الذي حرّم شربها حرّم بيعها . ففرّغوها في البطحاء .

 

        وروى عن الزهري أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نهى بعد الفتح عن ثمن الخمر وثمن الأصنام وثمن الميتة وثمن الخنزير ، وحُلوان الكُهّان(3) وأنه قال : لا يزيد الإسلام حلف الجاهلية إلاّ شدة ( ولكن ) لا حلف في الإسلام(4) .



(1) الأَقِط : لبَن مجفَّف على شكل كُريات مدوّرة يستعمل في الطبخ وغيره .

(2) مغازي الواقدي 2 : 869 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 864 وزاد عن الزهري : أ نّه يومئذٍ حرّم متعة النساء ! فكأ نّها كانت كسوابقها مورد ابتلاء شائع في أهل مكة ! والحُلوان : الحلاوة .

(4) مغازي الواقدي بسنده عن ربيعة بن عبّاد 2 : 867 ، ولعله يشير إلى مثل حِلف الفضول ، كما مرّ الكلام فيه .

(249)

        وروى عن عطاء بن أبي رباح قال : جاء رجل إلى رسول اللّه بعد الفتح فقال : انّي كنت قد نذرت أن إذا فتح اللّه عليك مكة أن اُصلي في بيت المقدس ! فقال رسول اللّه : ها هنا أفضل . كرّر ذلك ثلاثاً ثم قال : والذي نفسي بيده لَصَلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان(1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p11.htm