فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

مفتاح الكعبة :

        مرّ الخبر عن قدوم عثمان بن طلحة من بني عبد الدار مع عمرو بن العاص السهمي وخالد بن الوليد المخزومي من مكة إلى المدينة في هلال صفر سنة ثمان ،


(1) اخرج خبره اُمة من أئمة التاريخ والحديث ، ذكر الأمينيّ له أربعين مصدراً في الغدير 7 : 10 ـ 13 . وفي كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : هبل رمى به عليّ عليه‏السلام عن ظهر الكعبة لمّا علا ظهر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأمر به فدفن عند باب بني شيبة ، فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنةً لاجل ذلك 2 : 238 ط طهران و 154 ط النجف . وليس في السيرة شيء عن كسر هُبل . واكتفى الواقدي بجملة مجملة قال فيها : ثم وقف على هُبل فأمر بكسره فكُسر وهو واقف عليه ومعه الزبير وابو سفيان ! 2 : 832 ولم يذكر علياً عليه‏السلام .

(2) و ( 3 ) مغازي الواقدي 2 : 832 .

 

(229)

وإسلامهم . وعثمان بن طلحة هو سادن الكعبة بعد أبيه طلحة ، الذي كان من حملة لواء المشركين ببدر والمقتول يومئذٍ . وقد ترك المفتاح بيد امّه وهي بنت شيبة المخزومي المقتول ببدر أيضاً .

 

        وقد روى الواقدي بسنده عن ابن عمر قال : دخل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوم الفتح مكة على بعير ومعه بلال بن أبي رباح واُسامة بن زيد وعثمان بن طلحة ، فلما بلغ رأس الثنيّة أنزل عثمان فأرسله إلى اُمه ليأتيه بمفتاح الكعبة(1) . ودخل رسول اللّه المسجد الحرام فطاف ، ثم انصرف فجلس في ناحية من المسجد والناس حوله(2) ، ثم أرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة يأتيه بمفتاح الكعبة(3) .

        وروى الطَبْرسي في « إعلام الورى » عن أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي عن بشير النبّال عن الصادق عليه‏السلام قال : سأل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن مفتاح الكعبة فقالوا : عند اُمّ شيبة ( بنت شيبة ) فدعا بابنها ( عثمان بن طلحة ) وقال له : اذهب إلى اُمّك فقل لها ترسل بالمفتاح(4) . قال عثمان : نعم . وخرج إلى اُمّه فقال لها : يا اُمه ، أعطني المفتاح فإنّ رسول اللّه قد أرسلني وأمرني أن آتيه به . فقالت له اُمّه(5) : قتلتَ مقاتلتنا وتريد أن تأخذ منا مكرُمتنا ؟ ! فقال لها : لتُرسِلِنّ به أو لأقتلنّكِ ! فوضعته


(1) مغازي الواقدي 2 : 834 .

(2) فروى الواقدي عن عامر بن واثلة قال : كنت مع اُمي يوم فتح مكة فرأيت رسول اللّه يمشي ويمشون حوله فمنهم من يقصر عنه ومنهم من هو أطول منه ، ولا أنسى شدة بياضه وسواد شعره . 2 : 867 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 832 ، 833 .

(4) إعلام الورى 1 : 225 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 833 .

(230)

في يد الغلام ، فجاء به إلى رسول اللّه فأخذه ، ودعا عمر فقال له : « هذا تأويل رؤياي من قبل » ! ثم قام ففتحه(1) ومعه عثمان بن طلحة ، وبلال بن رباح ، واُسامة بن زيد(2) ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عن الباب حتى خرج رسول اللّه ... وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة(3) .

 

        فروى الواقدي بسنده عن اُسامة بن زيد قال : لما دخلنا مع رسول اللّه الكعبة رأى فيها صوراً ، فأمرني أن آتيه بدلو من الماء ، فأتيته به ، فأخذ ثوباً وجعل يبلّه ويضرب به الصور ويقول : قاتل اللّه قوماً يصوّرون ما لا يخلقون . وروى عن الزهري : أنه رأى فيها صور الملائكة ، وصورة مريم ، وصورة ابراهيم عليه‏السلام شيخاً كبيراً يستقسم بالأزلام ! فقال : قاتلهم اللّه جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام !(4) أو : جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ، ما شأن ابراهيم والأزلام ! « مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفا مُسْلِما وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » وأمر بتلك الصور كلها فطُمست(5) ووجد فيها حَمامة من عيدان فكسرها بيده وطرحها(6) ثم جعل عمودين ( من أعمدة البيت ) عن يمينه وعموداً عن يساره وثلاثة وراءه(7)


(1) إعلام الورى 1 : 225 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 835 وعن الصادق عليه‏السلام ذكر اُسامة فقط في التهذيب 1 : 245 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 835 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 834 وفي قرب الأسناد : 61 عن الباقر عليه‏السلام ، أنه رأى فيه صورتين ( لإبراهيم ومريم ) فدعا بماء وثوب فبلّه ثم محاهما .

(5) سيرة ابن هشام 4 : 55 ونحوه في فروع الكافي 1 : 227 عن الصادق عليه‏السلام ، واليعقوبي 1 : 60 .

(6) سيرة ابن هشام 4 : 54 .

(7) مغازي الواقدي 2 : 835 . وقريب منه عن الصادق عليه‏السلام في التهذيب 1 : 245 .

(231)

وجعل الباب خلف ظهره حتى كان بينه وبين الجدار قدر ثلاث أذرع(1) وصلى ركعتين . ثم خرج إلى الناس وقد اجتمعوا له .

 

 

خطبة الفتح ، والعفو العام :

        فروى الكليني بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : ثم أخذ رسول اللّه بِعضادتي باب الكعبة فقال : « لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ماذا تقولون ؟ وماذا تظنّون ؟ فقالوا : نقول خيراً ونظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت . فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : فانّي أقول كما قال أخي يوسف : « لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّه‏َُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »(2) ألا إن اللّه قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام بحرامه إلى يوم القيامة : لا يُنفَّر صيدها ، ولا يُعضد شجرها ، ولا يُختلى خلاها(3) ولا تحل لُقَطتها إلاّ لمُنشد . فقال العباس : يا رسول اللّه إلاّ الإذخِر(4) فانه للقبر وللبيوت . فقال رسول اللّه : إلاّ الإذخِر(5) .

        أيها الناس ، ليبلّغ الشاهدُ الغائب : أنّ اللّه تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالإسلام نخوة الجاهلية والتفاخر بآبائها وعشائرها .

 

        أيها الناس ، انّكم من آدم وآدم من طين .


(1) سيرة ابن هشام 4 : 56 . والغريب : أن الواقدي روى أن النبيّ بعث من البطحاء عمر بن الخطاب مع عثمان بن طلحة وأمره أن يتقدم فيفتح البيت فلا يدع فيه صورة إلاّ محاها إلاّ صورة إبراهيم ! وعن الزهري : امسحوا ما فيها من الصور إلاّ صورة إبراهيم !

(2) يوسف : 92 .

(3) يُعضد : يقطع . الخلا : النبات الرطب . اختلى : اقتطع .

(4) الإذخر : نبات طيّب الرائحة .

(5) فروع الكافي 1 : 126 .

(232)

        ألا وإنّ خيركم عند اللّه وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم وأطوعكم له .

        ألا وإنّ العربية ليست بأب والد ولكنّها لسان ناطق ، فمن قصر به عمله لم يبلغ به حسبه .

        ألا وإنّ كل دم أو مظلمة أو إحنةٍ كانت في الجاهلية فهي مُطَلٌّ تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة(1) إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحاج فانهما مردودتان إلى أهليهما .

        ثم قال : ألا لبئس جيران النبيّ كنتم ، لقد كذّبتم وطردتم وأخرجتم وفللتم ، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي فقاتلتموني ! فاذهبوا فانتم الطلقاء !(2) .

 

        وزاد ابن اسحاق : ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلّظة : مئة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها(3) .

 

        وأضاف الواقدي : ولا وصية لوارث ، وإنّ الولد للفِراش وللعاهر الحجر . ولا يحلّ لامرأة تعطي من مالها إلاّ باذن زوجها . والمسلم أخو المسلم والمسلمون اخوة وهم يد واحدة على من سواهم ، تتكافأ دماؤهم ، يردّ عليهم اقصاهم ويعقد عليهم أدناهم .. ولا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين .. ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلاّ في بيوتهم وبأفنيتهم . ولا تُنكح المرأة على عمتها وخالتها . والبيّنة على من ادّعى واليمين على من انكر .. ولا صلاة بعد الصبح وبعد العصر . وانهاكم عن صيام يومين : يوم الأضحى ويوم الفطر(4) .

 



(1) بحار الأنوار 21 : 137 و 138 عن روضة الكافي وكتاب المؤمنين للحسين بن سعيد الأهوازي ، مخطوط وإعلام الورى 1 : 225 .

(2) إعلام الورى 1 : 226 وقصص الأنبياء : 350 . والمناقب للحلبي 1 : 209 وذكر ابن اسحاق في السيرة 4 : 54 ، 55 : اذهبوا فأنتم الطلقاء واليعقوبي 1 : 60 ، ولم يروه الواقدي !

(3) سيرة ابن هشام 4 : 54 .

(4) مغازي الـواقدي 2 : 836 ، 837 . وانظـر مصـادر الكتاب والبحث فيه في كتاب î؛ مكاتيب الرسول 1 : 54 و 2 : 521 ـ 525 .

(233)

        فروى الطبْرسي في « إعلام الورى » في خبر أبان عن بشير النبّال عن الصادق عليه‏السلام قال : ثم دعا الغلام ( عثمان بن طلحة وقال له : ابسط رداءك ) فبسط رداءه فجعل مفتاح الكعبة فيه وقال : ردّه إلى اُمّك(1) .

 

        وروى ابن اسحاق قال : ثم جلس رسول اللّه في المسجد ومفتاح الكعبة في يده ، فقام إليه علي بن أبي طالب فقال له : يا رسول اللّه اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى اللّه عليك ( فلم يجبه ) وقال : اين عثمان بن طلحة ! فدُعي له فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليومُ يومُ برٍّ ووفاء(2) .

 

        وزاد الواقدي عن عثمان قال : فاستقبلته ببشِر واستقبلني ببِشر ثم قال : خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا ينزِعها إلاّ ظالم ، يا عثمان ، إنّ اللّه استأمنكم على بيته .. فقم على الباب وكُل بالمعروف .. وأعطاه المفتاح وهو مضطجع في ثيابه ، وقال للناس : أعينوه . وجاء خالد بن الوليد فقال له رسول اللّه : يا خالد ، لم قاتلتَ وقد نُهيت عن القتال !

 

        فقال : يا رسول اللّه ، انهم بدؤونا بالقتال ، رشقونا بالنبل ووضعوا فينا السلاح ، وقد كففتُ ما استطعتُ ، ودعوتهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، فأبوا حتى إذا لم أجد بدّاً قاتلتهم ، فظفّرنا اللّه عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول اللّه ! فقال رسول اللّه : قضى اللّه خيراً ! ثم قال رسول اللّه : كفّوا السلاح إلاّ خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر . وهي الساعة التي اُحلّت لرسول اللّه لم تحل لأحد قبله(3) فقتلت خزاعة جمعاً من بني بكر قصاصاً قبل صلاة العصر .



(1) إعلام الورى 1 : 225 .

(2) سيرة ابن هشام 4 : 55 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 838 ، 839 . وروى عن عطاء بن أبي رَباح الخراساني مـولى î؛ ابن عباس قال : جاء يوم الفتح رجل إلى النبيّ وقال : انّي نذرت ان فتح اللّه عليك مكة أن اصلي في بيت المَقدِس . فقال النبيّ : ها هنا أفضل ، فاعاد الرجل مقاله فقال رسول اللّه : والذي نفسي بيده لَصلاة ها هنا أفضل من ألف فيما سواه من البلدان 2 : 866 .

(234)

 

ثم أذّنوا لصلاة الظهر :

        فروى الطبرسي في « إعلام الورى » في خبر أبان عن بشير النبّال عن الصادق عليه‏السلام قال : ودخل وقتُ ( الظهر(1) ) فأمر رسول اللّه بلالاً فصعد على الكعبة وأذّن .. فقال عِكرمة : واللّه إن كنت لأكره صوت ابن رباح ينهق على الكعبة ! وقال ( عتاب )(2) بن اُسيد أخو عتّاب : الحمد للّه الذي أكرم أبا عتّاب من أن يرى هذا اليوم ابن رباح قائماً على الكعبة ! وكان أقصدهم سهيل بن عمرو إذ قال : هي كعبة اللّه وهو يرى ولوشاء لغيَّر !(3) . وقال ابو سفيان : أما أنا فلا أقول شيئاً ، واللّه لو نطقت لظننت أن هذه الجُدر تُخبر به محمداً ( كذا )(4) .

        وزاد ابن هشام : انهم كانوا بفناء الكعبة ، فخرج عليهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : قد علمت الذي قلتم . ثم ذكر ذلك لهم ! فقال الحارث بن هشام وعتّاب بن اُسيد : واللّه ما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك ، فنحن نشهد أنك رسول اللّه(5) .

 

        وفي خبر أبان قال : قال عتّاب : يا رسول اللّه ، قد واللّه قلنا ذلك ،


(1) الخرائج والجرائح 1 : 98 ، الحديث 158 و 162 ، والحديث 252 وكذلك في مغازي الواقدي 2 : 737 ودلائل النبوة للبيهقي 4 : 328 وفي الخبر : العصر .

(2) في المصدر : خالد ، ثم يذكر اعتذار عتّاب كسائر المصادر .

(3) وسيأتي أنه دخل داره حتى أجاره النبيّ ، فلعل هذا كان بعد جواره .

(4) أليس كان قد أسلم ؟ فكيف يحضرهم ويقول هكذا ؟ !

(5) سيرة ابن هشام 4 : 56 .

(235)

فنستغفر اللّه ونتوب إليه ، وأسلم . فولاّه رسول اللّه مكة(1) .

 

        ورواه الواقدي بسنده عن ابن المسيّب قال : لما أذّن بلال رفع صوته كأشدّ ما يكون ، فلما بلغ إلى قوله : « أشهد أنّ محمداً رسول اللّه » قال خالد بن اُسيد : الحمد للّه الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم ! وقال الحارث بن هشام : واثكلاه ! ليتني متّ قبل هذا اليوم ولا أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة ! وقال الحكم بن أبيالعاص : هذا واللّه الحدَث العظيم أن يصيح عبد بني جُمح على بَنيّة أبي طلحة ! وقال سُهيل بن عمرو : إن كان هذا يُسخط اللّه فسيغيّره وإن كان يُرضيه فسيقرّه ! وقال ابو سفيان ( ؟! ) : أمّا أنا فلا أقول شيئاً لو قلت شيئاً لأخبرته هذه الحَصباء ! وكانوا قد تغيّبوا فوق رؤوس الجبال خوف أن يُقتلوا(2) وأتى جبرئيل عليه‏السلام رسول اللّه فأخبره خبرهم(3) .

 

 

اليوم الثاني والخطبة فيه :

        مرّ أن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دخل المسجد الحرام فطاف بالبيت ثم دخله ثم خطب الناس ، ثم صلى الظهر ثم قال : يا معشر المسلمين ! كُفّوا السلاح إلاّ خزاعة عن


(1) إعلام الورى 1 : 226 والخرائج والجرائح 1 : 98 ، الحديث 158 و 163 ، والحديث 252 .

(2) فما محلّ أبي سفيان منهم ؟ ! فان دلّ هذا فعلى ماذا يدلّ ؟ !

(3) مغازي الواقدي 2 : 846 ومرّ خبر مثله ، عنه في عمرة القضاء عن سعيد بن المسيب ، وهو الأنسب . وروى بسنده عن الزهري : أنّ رسول اللّه أقام بمكة خمس عشرة يوماً ـ وفي خبر آخر عشرين ليلة ـ يصلي ركعتين ، أي قصراً 2 : 871 . وروى الطوسي في التبيان 3 : 448 عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر : يا رسول اللّه صنعت شيئا ما كنت تصنعه ؟ قال : عمدا فعلته يا عمر ! وعنه في مجمع البيان 3 : 253 .

(236)

بني بكر إلى صلاة العصر(1) فبدخول صلاة العصر انتهت الساعة التي أحلّها رسول اللّه لخزاعة على بني بكر قصاصاً .

 

        وكان من ثارات خزاعة من غير بني بكر ، من هُذيل إذ كانوا قد أغاروا في الجاهلية على حيّ بني أسلم من خزاعة يقودهم جُنيدب بن الأدلع الهُذلي ، وقتل هذا شجاعاً من بني أسلم من خزاعة يُدعى أحمر بأساً . فكأ نّه أمِن بأمان الإسلام فدخل مكة في الغد من يوم الفتح(2) أي بعد الفتح بيوم ، والناس آمنون ، يرتاد وينظر(3) ويسأل عن أمر الناس ، وهو على شركه(4) فاجتمع حوله جمع من الناس ليحدثهم عن قتله أحمر بأساً وغارته على بني أسلم من خزاعة . فرآه جُندب بن الأعجم الأسلمي الخزاعي فقال له : أنت جُنيدب بن الأدلع قاتل أحمر بأساً ؟ ! قال : نعم(5) أنا قاتل أحمر ، فمه ؟ !

        فانطلق جُندب فلقي خِراش بن اُمية الكعبي الخزاعي فأخبره واستجاشه عليه ، فاشتمل خِراش على السيف وأقبل معه إليه ، فرآه مستنداً إلى الجدار والناس حوله وهو يحدثهم ، فصاح بالناس : هكذا عن الرجل ! فانفرجوا عنه ، فحمل عليه خِراش بالسيف فطعنه في بطنه فسالت أحشاؤه وقال : أقد فعلتموها يا معشر خزاعة ؟ ! ثم وقع ميّتاً . وبلغ ذلك رسول اللّه فقال يلوم خِراش : إنّ خِراشاً لقتَّال !

 

        وروى ابن اسحاق بسنده عن أبي شريح الخزاعي قال : لما عدت خزاعة على


(1) مغازي الواقدي 2 : 838 ، 839 .

(2) سيرة ابن هشام 4 : 57 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 843 .

(4) سيرة ابن هشام 4 : 57 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 843 وفي السيرة : تارة : ابن الأثوع واُخرى ابن الأكوع .

(237)

الهُذلي فقتلوه وهو مشرك في الغد من يوم الفتح قام فينا خطيباً(1) فهي خطبة الغد من يوم الفتح بعد صلاة الظهر ، قال :

 

        « يا أيها الناس ، إن اللّه حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام من حرام ، إلى يوم القيامة ، فلا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيه دماً ، ولا يعضِد فيها شجراً . لم تحلِل لأحد كان قبلي ولا تحلّ لأحد يكون بعدي ، ولم تُحلَلْ لي إلاّ ساعة من نهار(2) غضباً على أهلها ! ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، فمَن قال لكم : إنّ رسول اللّه قد قاتل فيها فقولوا : إنّ اللّه قد أحلّها لرسوله ولم يُحلِلْها لكم . يا معشر خُزاعة ! ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر القتل إن نفع . وقد قتلتم قتيلاً لأدينّه . فمَن قُتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين : إن شاؤوا فدم قاتله ، وإن شاؤوا فعَقْله » .

        ثم ودَى رسول اللّه ذلك الرجل الذي قتلته خُزاعة بمئة ناقة(3) .

        وروى الواقدي بسنده عن عِمران بن الحُصين أن النبيّ قال : لو كنتُ قاتلاً مؤمناً بكافر لقتلت خِراشاً بالهُذلي . ثم أمر رسول اللّه خُزاعة يخرجون ديته ، فأخرجت خُزاعة ديته ، وفيها غنم بيض من بني مُدلج من خزاعة بدلاً من الإبل(4) .

 

        ثم بعث رسول اللّه تميم بن أسد الخُزاعي إلى أنصاب الحرم ليجدّدها ، وهي الأنصاب التي جدّدها من قبل قُصي على آثار أنصاب اسماعيل بن ابراهيم عليهماالسلام وهي بتعليم جبرئيل لإبراهيم عليهماالسلام (5) .

 



(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 58 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 844 وإلى هنا في فروع الكافي 1 : 228 .

(3) سيرة ابن هشام 4 : 58 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 845 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 842 .

(238)

 

خبر سفير الصلح :

        كان سفير مشركي قريش للصلح مع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الحُديبية : سُهيل بن عمرو المخزومي المشرك أبا عبد اللّه المسلم ، فأين هو اليوم ؟

        روى الواقدي بسنده عنه قال : لما دخـل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مكـة منتصراً ( ونادى مناديه : مَن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ) دخلت داري وأغلقت عليّ بابي(1) .. وأخذت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه فليس أحد أسوأ أثراً منّي . وأني لقيت رسول اللّه يوم الحديبية بما لم يلقه به أحد ، وكنت أنا الذي كاتبتُه ، بالإضافة إلى حضوري بدراً واُحداً ، وكلّما تحركت قريش كنت فيها ، فلم آمن مِن أن اُقتل ! ( وكان ابني عبد اللّه مع رسول اللّه ) فارسلتُ إليه أن يطلب لي من محمد جِواراً ! فذهب‏ابني عبداللّه إلى رسول‏اللّه وقال له : يا رسول اللّه تؤمِّن سهيل بن عمرو ؟ قال : نعم ، هو آمن بأمان اللّه ، فليظهر . ثم قال لمَن حوله : مَن لقي سُهيل بن عمرو فلا يشدّ النظر إليه ، فليخرج ، فلعَمري إنّ سهيلاً له عقل وشرف ، وما مثل سُهيل يجهل الإسلام ، ولقد رأى أن ما كان يوضِع فيه لم يكن بنافع له . فخرج إليّ ابني يخبرني بمقالة رسول اللّه ، فقلت : كان واللّه بَرّاً صغيراً وكبيراً . وأخذت اُقبل واُدبر وأنا على شركي(2) .



(1) هذا وقد مرّ عن الواقدي نفسه خبر مقاله عند سماعه أذان بلال مع رجال قريش في رؤوس الجبال ، فلعل ذلك كان بعد هذا .

(2) وتمامه : وخرجت مع النبيّ إلى حُنين وأنا على شركي حتى أسلمت بعد ذلك في الجِعرّانة . مغازي الواقدي 2 : 847 وعليه فلم يكن حاضراً في خطبة الفتح ، وقد جاء في خبر الطبرسي عن أبان عن بشير النبّال : أن الذي قال : أخ كريم وابن أخ كريم ، هو سُهيل بن عمرو ، وكذلك في تاريخ اليعقوبي 1 : 60 فلا يصح هذا .

(239)

        واختفى حُويطب بن عبد العُزّى في حائط عوف ، ودخله أبو ذر الغفاري لحاجته ، فلما رآه حويطب هرب ، فناداه ابو ذر : تعال ، أنت آمن ! فرجع إليه ، فسلّم عليه أبو ذر وقال له : أنت آمن ، فإن شئت فاذهب إلى منزلك وإن شئت أدخلتك على رسول اللّه . فقال حويطب : وهل لي سبيل إلى منزلي ! اُلقى فاُقتل قبل أن أصل إلى منزلي ، أو يُدخل عليّ منزلي فاُقتل ! فقال ابو ذر : فأنا أبلغ معك إلى منزلك . فبلغ معه إلى منزله ، ثم جعل ينادي على بابه : إنّ حُويطباً آمن فلا يُهجمْ عليه . ثم انصرف أبو ذر إلى رسول اللّه فأخبره خبره ، فقال : أوليس قد أَمَّنّا كلّ الناس إلاّ من أمرت بقتله(1) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p10.htm