فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان :

        قال العباس : فلما أصبحت غدوت به ، فلما رآه رسول اللّه قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلاّ اللّه ؟ ! قال : بأبي أنت ، ما أحلمَك وأكرمَك ! وأعظمَ عفوَك ! قد كان يقع في نفسي أنه لو كان مع اللّه إله لقد أغنى عنّي شيئاً بعدُ(1) يا محمد ! استنصرتُ الهي واستنصرتَ الهك . فلا واللّه ما لقيتك من مرة إلاّ ظَفِرت عليّ ! فلو كان الهي محقّاً والهك مبطلاً غلبتُك !(2) .

        فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا أبا سفيان : ألم يأنِ لك أن تعلَم أني رسولُ اللّه ؟ ! فقال ابو سفيان : بأبي أنت واُمّي ، ما أحلمَك وأكرمك ! وأعظم عفوَك ! أما هذه فواللّه‏ِ إنّ في النفس منها لشيئاً بعدُ ! فقلت له : ويحك ، اشهدْ أن لا إله إلاّ اللّه واشهدْ أنّ محمداً عبده ورسوله !(3) . فقال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله(4) ثم قال : يا محمد ! جئتَ بأوباش الناس ! مَن يُعرف ومن لا يُعرف ، إلى أصلك وعشيرتك ؟ ! فقال رسول اللّه : أنت أظلم وأفجر ! غدرتم بعهد الحُديبية ، وظاهرتم على بني كعب ( من خزاعة ) بالإثم والعُدوان في حَرم اللّه وأمنه ! فقال ابو سفيان : يا رسولَ اللّه ، وحَيُّكم ؟ ! لو كنت جعلت حِدّتك ومكيدتك بهوازن فهم أبعد رحماً وأشدّ لك عداوة ! فقال رسول اللّه : إنّي لأرجو من ربّي أن يجمع ذلك لي كله بفتح مكة وإعزاز الإسلام بها ، وهزيمة هوازن ! وأن يغنّمني اللّه أموالهم وذراريهم ، فإني


(1) مغازي الواقدي 2 : 818 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 816 .

(3) في إعلام الورى 1 : 221 يضربُ عنقك أو تشهد . وفي السيرة : قبل أن تُضرب عنقك 4 : 46 ولكن ليس فيه اجارته من قِبل العباس .

(4) مغازي الواقدي 2 : 818 .

(209)

راغب إلى اللّه تعالى في ذلك(1) . فقال لي أبو سفيان : فما نصنع باللات والعُزّى ؟ ! فقال عمر : إسلَح عليهما(2) . فقال له أبو سفيان : اُفٍّ لك ! ما أفحشَك يا عمر ! ما يُدخلُك في كلامي وكلام ابن عمي !

 

        ثم قال أبو سفيان : يا رسولَ اللّه ، إني اُحبّ أن تأذن لي إلى قومك فاُنذرهم وأدعوهم إلى اللّه ورسوله ! فأذن له رسولُ اللّه . فقال ابو سفيان للعباس : كيف أقول لهم ؟ بيّن لي من ذلك أمراً يطمئنّون إليه . فقال له رسول اللّه : تقول لهم : مَن قال : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً رسول اللّه ، وكفَّ يده ، فهو آمن ! ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن ! فقلت : يا رسول اللّه ، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر ، فلو خصصته بمعروف ! فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ! قال أبو سفيان : داري ؟ ! قال : دارك . ثم قال : ومَن أغلق بابه فهو آمن !

        فقام أبو سفيان ومضى لوجهه . فقلت للنبيّ : يا رسولَ اللّه ، إنّ أبا سفيان رجل من شأنه الغدر ، وقد رأى من المسلمين تفرّقاً . فقال لي رسول اللّه : فادركْه واحبسه في مضيق الوادي حتى تمرّ به جنودُ اللّه . فلحقته فناديته : يا أبا حنظلة ! فوقف وقال : أغدراً يا بني هاشم ؟ ! فقلت له : ستعلم أن الغدر ليس من شأننا ، ولكن اصبح حتى تنظر إلى جنود اللّه(3) .

        وعليه فان العباس استصحب أبا سفيان تلك الليلة معه إلى خيمته .

 

        وهنا روى الصدوق مُرسلاً في « كمال الدين » : أن أبا سفيان قال في نفسه :


(1) مغازي الواقدي 2 : 816 .

(2) سلَح : أي سلَخ أوساخه وقذاراته .

(3) إعلام الورى 1 : 221 ـ 222 .

(210)

مَن فعلَ مثلَ ما فعلتُ ؟ ! جئتُ فدفعتُ يدي في يده ! ألا كنتُ أجمع عليه الجموع من الأحابيش وكِنانة فكنت القاه بهم فلعلّي كنت أدفعه ! فناداه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من خيمته قال : يا أبا سفيان : إذا كان اللّه يخزيك(1) .

 

 

استعراض عسكر المسلمين :

        قال الواقدي : وعبّأ رسول اللّه أصحابه ، وكان قد قدّم بني سُليم في ألف رجل بقيادة خالد بن الوليد ، ورايته يحملها الحجاج بن عِلاط السُلميّ ، ولواءين : أحدهما للعباس بن مرداس ، والآخر يحمله خُفاف بن ندبة .

        فلما حاذى خالد العباس وأبا سفيان كبّر ثلاثاً فكبّروا معه ، فقال أبو سفيان : مَن هذا ؟ قال : خالد بن الوليد . قال : الغلام ! قال : نعم .

        ثم مرّ الزبير بن العوّام براية سوداء ومعه مهاجرون وأعراب ، فلما حاذاهما كبّر فكبّروا، فقال: مَن هذا؟ قال: الزبير بن العوّام. قال : ابن اختك (صفيّة) قال : نعم.

        ثم مرّ ابو ذرّ الغفاري ـ أو ايماء بن رَحْضة ـ بثلاثمئة من بني غفار ، فلما حاذوهما كبّروا ، فقال : يا أبا الفضل من هَؤلاء ؟ قال : بنو غفار ، قال : ما لي ولهم ؟ !

        ثم مرّ بُريدة بن الحُصيب الأسلمي بمئتين من بني أسلم ، وناجية بن الأعجم بمئتين آخرين منهم ، بلواءين معهما ، ولما حاذوهما كبّروا ، فقال : مَن هؤلاء ! قال : أسلم . قال : يا أبا الفضل ما لي ولأسلم ؟ ! قال العباس : هم قوم دخلوا الإسلام .

        ثم مرّ بُسر بن سفيان الكعبي الخزاعي بخمسمئة منهم ، وكبّروا ، فقال صخر : من هؤلاء ؟ قال : بنو كعب بن عمرو ( من خزاعة ) قال : نعم ، هؤلاء حلفاء محمد ! ( وليس النبيّ ) .


(1) كمال الدين : 313 .

(211)

        ثم مرّت مزينة في ألف رجل ، ومئتي فرس ، وثلاثة ألوية مع بلال بن الحارث وعبد اللّه بن عمرو والنعمان بن مُقرِّن ، وكبّروا ، فقال : مَن هؤلاء ؟ قال : مُزينة . قال : يا أبا الفضل ما لي ولمزينة ؟ جاءتني تُقعقع من شواهقها(1) .

        ثم مرّت جُهينة في ثمانمئة ، كل مئتين بلواء مع : رافع بن مَكيث ، وسُويد بن صخر ، وعبد اللّه بن بدر ، ومعبد بن خالد ، وكبّروا ثلاثاً .

 

        ثم مرّ أبو واقد الليثي بمئتين من بني ليث وبني بكر ، وبني ضمرة من كنانة ، وكبّروا ، فقال : مَن هؤلاء ؟ قال : بنو بكر ( من كِنانة ) قال : نعم ، واللّه هم الذين غزانا محمد ( ! ) بسببهم ، أهل شؤم واللّه ، أما واللّه ما شورِرْت فيه ولا علمتُه ، ولقد كنت له كارهاً حيث بلغني ، ولكنّه أمر حُمَّ ( أي صار أجله ) . فقال له العباس : قد خار اللّه لك في غزو محمد ، فقد دخلتم في الإسلام كافّة !

        وقيل : بل كان لواء بني ليث مع الصعب بن جُثّامة الليثي في مئتين وخمسين من بني ليث فحسب ، وكبّروا ، فقال : مَن هؤلاء ؟ قال : بنو ليث .

        وفي الأخير مرّت ثلاثمئة من أشجع بلواءين مع نُعيم بن مسعود الأشجعي ومعقل بن سنان الأشجعي ، وكبّروا ، فقال : مَن ؟ فقال العباس : هم من أشجع ! فقال أبو سفيان : هؤلاء كانوا أشدَّ العرب على محمد ( وهكذا ) ! فقال العباس : أدخلَ اللّه في قلوبهم الإسلام ، وهذا من فضل اللّه ـ عزّ وجل ـ فسكت(2) .

 

المهاجرون والأنصار :

        وكان الأنصار أربعة آلاف ولهم خمسمئة من الخيل ، وكان المهاجرون سبعمئة


(1) كانت منازل مزينة في الجبال الشواهق ، والقعقعة : أصوات الأسلحة .

(2) مغازي الواقدي 2 : 819 ، 820 .

(212)

ولهم ثلاثمئة فرس(1) وقد مرّ في الخمسمئة مع الزبير بن العوّام جمع من المهاجرين(2) مئة أو مئتان ، وبقي خمسمئة منهم بعد الخمسة آلاف من الأنصار . مع كل بطن من الأنصار راية ولواء ، فيهم ألف دارع بالحديد لا يُرى منهم إلاّ الحَدَقّ(3) ولذلك قيل لهم الكتيبة الخضراء أي السوداء(4) .

 

 

الكتيبة الخضراء ، والراية :

        روى الواقدي قال : لما طلعت كتيبة رسول اللّه الخضراء ، طلع سواد وغَبْرة من سنابك الخيل ، وجعل الناسُ يمرّون ، كل ذلك وأبو سفيان يقول للعباس : ما مَرّ محمد ؟ ! ( كذا ) فيقول العباس : لا .

        وكان رسول اللّه قد أعطى رايته سعدَ بن عُبادة الخزرجي فكان هو أمام الكتيبة ، فلما مرّ سعدٌ براية النبيّ نادى ونادى معه من كان معه : يا أبا سفيان ! اليوم يوم المَلْحمة ! اليومُ تُستحلّ الحرمة ! اليوم أذلّ اللّه قريشاً !

        وأقبل رسول اللّه يسير على ناقته القَصواء(5) معتماً بغير ذوابة بنصف برد يماني أحمر(6) أو أسود(7) بين الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصن(8) واُسيد بن حُضير


(1) مغازي الواقدي 2 : 800 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 819 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 821 وسيرة ابن هشام 4 : 47 .

(4) سيرة ابن هشام 4 : 46 ، 47 .

(5) مغازي الواقدي 2 : 821 .

(6) ابن اسحاق في السيرة 4 : 47 .

(7) مغازي الواقدي 2 : 823 و 824 .

(8) مغازي الواقدي 2 : 804 .

(213)

الأنصاري ، وابي بكر . وكان على عمر بن الخطّاب الحديد ، وله زَجَل بصوت عال ( فلم يعرفه أبو سفيان ) فقال للعباس : يا أبا الفضل ، ومَن هذا المتكلِّم ؟ قال : هو عمر بن الخطاب . فقال ابو سفيان : واللّه لقد قوي أمر بني عَديّ بعد قِلّة وذِلّةٍ ! فقال له العباس : يا أبا سفيان ، إنّ اللّه يرفع ما يشاء بما يشاء ، وإنّ عمر ممّن رفعه الإسلام(1) . فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل ، ما رأيت مثل هذه الكتيبة قطّ ، ولا خبّرنيه مخبّر ؟ سبحان اللّه ، ما لأحد بهذه طاقة ولا يدان ! ثم قال : لقد أصبح ملك ابن اخيك الغداة عظيماً !

 

        فروى عن العباس قال : قلت له : ويحك يا أبا سفيان ، ليس بملك ولكنّها نبوة ! فقال ابو سفيان : نعم(2) إذن(3) .

        وأقبل رسول اللّه حتى إذا حاذى أبا سفيان ، ناداه أبو سفيان : يا رسولَ اللّه ، أمرت بقتل قومك ؟ ! إن سعداً ـ ومَن معه ـ حين مرّ بنا قال : يا أبا سفيان ، اليومُ يومُ الملحمة ! اليومُ تُستحلّ الحرمة ! اليوم أذلّ اللّه قريشاً ! وإنّي اُنشدك اللّه في قومك ، فأنت أبرّ الناس وأرحم الناس وأوصل الناس !(4) .

 

        فقال العباس للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا رسولَ اللّه ، إنّي لا آمَنُ أن تكون لسعد صولة في قريش(5) أو قالها عمر بن الخطاب(6) أو عثمان بن عَفّان وعبد الرحمن بن


(1) مغازي الواقدي 2 : 821 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 822 وتاريخ اليعقوبي 1 : 59 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 47 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 821 .

(5) الإرشاد 1 : 135 وفي 60 : بعض القوم .

(6) سيرة ابن هشام 4 : 49 قال ابن اسحاق : رجل من المهاجرين ، فقال ابن هشام : هو عمر بن الخطاب .

(214)

عوف(1) فقال رسول اللّه لعلي بن أبي طالب : أدركه ، فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها(2) مكة ، فأدركه علي عليه‏السلام فأخذها منه ، ولم يمتنع عليه سعد من دفعها إليه(3) .

 

        وجاء حكيم بن حِزام ، وبُديل بن وَرْقاء(4) وجُبير بن مُطْعم العدوي(5) إلى رسول اللّه فأسلموا وبايعوه ، فبعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الأولين بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام ( أو التسليم ) وكانت دار أبي سفيان في أعلى مكة ودار حكيم ابن حِزام في أسفل مكة ، فأضاف صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : من دخل دار حكيم بن حِزام فهو آمن ، ومن أغلق بابه وكفّ يده فهو آمن(6) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 821 و 822 .

(2) الإرشاد 1 : 60 ومثله في سيرة ابن هشام 4 : 47 وفي مغازي الواقدي 2 : 822 : يقال : إنّ رسول اللّه أمر علياً فأخذ اللواء فذهب به . بعد أن قال : أعطى رايته سعد بن عُبادة . وليس اللواء .

(3) الإرشاد 1 : 135 وفي مغازي الواقدي 2 : 822 : فأرسل إلى سعد فعزله عن اللواء وجعلها إلى ابنه قيس فأبى سعد أن يسلّم اللواء لابنه قيس إلاّ بأمارة من النبيّ ! فأرسل إليه رسول اللّه بعمامته علامة ، فعرفها ، فدفع اللواء لابنه قيس ! وقيل : بل لم يعزله ! وهكذا شحّوا على علي عليه‏السلام بذلك ! وابن اسحاق نقل ذلك في دخول مكة ، وكذلك المفيد في الإرشاد .

(4) إعلام الورى 1 : 223 ومجمع البيان 10 : 847 .

(5) إعلام الورى 1 : 223 .

(6) تفسير القمي 2 : 321 ومجمع البيان 10 : 848 . فروى العلاّمة الحلّي في كشف الحق عن الحُميدي في الجمع بين الصحيحين عن مسند أبي هريرة في صحيح مسلم : أن الأنصار لما سمعوا بذلك قال بعضهم لبعض : أما الرجل ( كذا ) فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في تربته أو قريته ! كما في دلائل الصدق 3 القسم الثاني : 26 ط بغداد .

(215)

 

î؛

 

أبو سفيان ينادي بالأمان :

        روى الواقدي : أن العباس قال لأبي سفيان : فانجُ ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم ! فخرج أبو سفيان فتقدّم الناس كلهم حتى دخل من قِبَل جَبَل كَداء ( بأعلى مكة ) وقد رفع النداء(1) صارخاً بأعلى صَوته : يا معشر قريش ! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به ! فمَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن !(2) ومَن أغلق بابه فهو آمن ! حتى انتهى إلى هند بنت عتبة المخزومية ، فأخذت برأسه فقالت : ما وراءك ؟ قال : هذا محمد في عشرة آلاف ، عليهم الحديد ! وقد جعل لي : من دخل داري فهو آمن ، ومن طرح السلاح فهو آمن ! فقالت : قبّحك اللّه رسولَ قوم !(3) وأخذت بشاربه تقول : اقتلوا هذا الزُقّ الدّسِم السّمين ، قُبّح من طليعة قوم ! فقال أبو سفيان : ويلكم ، لا تغرنّكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به ، فمَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ! فقالوا له : قاتلك اللّه ! وما تُغني عنّا دارُك ؟ فقال : ومَن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومَن دخل المسجد فهو آمِن(4) ويلكم رأيتُ ما لم تروا ! رأيت الرجال والسلاح والكُراع ، فلا لأحدٍ بهذا طاقة(5) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 822 .                        (2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 47 .

 

(2) مغازي الواقدي 2 : 822 ، 823 .                (4) ابن اسحاق في السيرة 4 : 47 .

 

(3) مغازي الواقدي 2 : 823 . وروى المعتزلي عن المفاخرات للزبير بن بكار عن الحسن بن علي عليه‏السلام في مجلس معاوية قال له : أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك :

 يا صخر لا تسلمنّ يوما فتفضحنا  بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
 خالي وعمي وعمّ الاُم ثالثهم  وحنظل الخير قد أهدى لنا أرقا
 لا تركننّ إلى أمر تكلّفنا  والراقصات به في مكة الخُرقا
 فالموت أهون من قول العداة لقد  حاد ابن حرب عن العزى اذا فرقا

كما في شرح النهج 6 : 289 . وروى العلامة الحلّي : أن معاوية يوم الفتح كان باليمن وكتب إلى أبيه يعيّره بالاسلام ويقول : أصبوت إلى دين محمد وفضحتنا ؟! وقد أهدر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دمه فهرب إلى اليمن حق شفع له العباس فأسلم قبل موته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بخمسة أشهر ( أي في شوال من العاشرة ) وكتب له رسائل . كشف الحق ونهج الصدق : 310 ، ط . قم ، ومختصر الخبر الاول في تذكرة السبط : 182 .

(216)

 

وحماسٌ أحمق :

        مرّ الخبر عن ابن اسحاق بإسناده قال: كان حِماس بن قيس بن خالد الدّيلي من بنيبكر (من كِنانة) قبل دخول رسول اللّه يُعد سلاحاً ويصلحه. فقالت له امرأته: لماذا تُعِدّ ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ! قالت : واللّه ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء !

        ثم هو وصفوان بن اُميّة ، وعِكرمة بن أبي جهل المخزومي ، وسُهيل بن عمرو جمعوا ناساً بموضع يقال له الخندمة ليقاتلوا ويقاوموا(1) وانضم إليهم ناس من قريش وناس من بني بكر من كنانة وهُذيل ، وتلبّسوا السلاح ، وهم يُقسمون باللّه : لا يدخلها محمد عَنوةً أبداً ( فكانت هند المخزومية تريد زوجها الاُموي إلى جانب ابن عمها المخزومي ) !

 

النبي في ذي طُوى :

        قالوا : وانتهى المسلمون إلى ذي طُوى ، فوقفوا وتلاحقوا ينظرون ما يفعل


(1) ابن اسحاق في السيـرة 4 : 49 ، 50 . وخندمة بل خنادم سلسلة جبال خشنـاء تبدأ من شعب عامر قرب المسجد الحرام فتتّجه شرقا حتى المفجر ثم جنوباً فيكون نهايتها جبل سُدير مقابل الحجون ، والخنادم مشرفة على كل مَعلاة مكة في أعلى مكة إلى المسجد الحرام ، كما في مقال عبد الرحمن خويلد في مجلة الميقات 4 : 203 و 204 وحيث إن دخول رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان من هناك فهم أرادوا مقابلته .

(217)

رسول اللّه(1) فروى ابن اسحاق : أنّ رسول اللّه انتهى في مسيره إلى ذي طُوى فوقف على راحلته .. وفرّق جيشه ، فجعل الزّبير بن العَوّام على الجناح الأيسر وأمرَه أن يدخل من ثنيّة كُدى ( بأسفل مكة ) وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن ومعه من قبائل العرب : أسلم وسُليم وجُهينة ومُزينة وغِفار ، وأمره أن يدخل من اللِيط أسفل مكة أيضاً(2) وأن يغرز رايته دون البيوت ( بيوت الشعر = عروش مكة ) وقد أمر الزبير أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحَجون ، وقال له : لا تبرح حتى آتيك . وبعث سعد بن عُبادة على كتيبة من الأنصار في مقدَّمته(3) وأمره أن يدخل من ثنية كَداء بأعلى مكة(4) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 823 .

(2) ابن اسحاق في السيرة 4 : 47 و 49 ومغازي الواقدي 2 : 825 . وأطلق الأزرقي في أخبار مكة اسم الليط على جزء من وادي ذي طُوى في الطرف الغربيّ لجبل الكعبة يُسمى اليوم وادي التنضباوي نسبة إلى أشجار التنضب التي كانت تنبت في هذا الوادي ، كما في معجم معالم مكة التاريخية لعاتق بن غيث البلادي ، وعنه في مجلة الميقات 3 : 151 .

(3) مجمع البيان 10 : 848 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 825 وابن اسحاق في السيرة 4 : 49 كذا ، وقيل : المعروف أن جيوش الفتح أحاطت بمكة من ثلاث جهات : أذاخر حيث دخل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وكَداء حيث دخل الزبير وكتائب الأنصار ، ودخل خالد بن الوليد من كُدى المعروف اليوم بريع الرّسام ، وكان سيره على طول الشارع المعروف اليوم بشارع خالد بن الوليد ، وفيه مسجد يُنسب إليه ، وذلك غربيّ المسجد الحرام . أما الزبير فقد جرّ فيلقه من المعلاة بأعلى مكة ( ريع الحَجون اليوم ) إلى ثنيّة المدنيّين في سفح جبل الخنادم إلى المسجد الحرام حيث اجتمعوا فيه .

(218)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p08.htm