فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

وفي قُديد عقد الألوية :

        روى الواقدي بسنده عن عبّاس بن مِرداس السُّلمي قال : هبط رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من ثنيّة المشلَّل(3) في آلة الحرب ، ونحن علينا الحديد .. واصطففنا له(4) .

        وكان قد أرسل رسول اللّه إلى بني سُليم : الحجّاج بن عِلاط السُّلمي


(1) سورة الإسراء : 93 .

(2) إعلام الورى 1 : 219 ونحوه في مجمع البيان 10 : 846 ومثله في سيرة ابن هشام 4 : 42 ، 43 . والواقدي في المغازي 2 : 810 ، 811 بعد النقل الأول .

(3) ثنيّة مشرفة على قُديد . معجم ما استعجم : 560 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 813 .

(200)

وعِرباض بن سارية(1) فنفروا من بلادهم وحشّدوا : تسعمئة أو ألفاً ، وهم على الخيول جميعاً ، مع كل رجل رمحه وسلاحه ، ومعهم الرسولان إليهم ، ولواءان وخمس رايات سود مطوية غير معقودة . وتقدم عيينة بن الحصن فنادى النبيّ من خلفه : أنا عُيينة ! هذه بنو سُليم قد حضرت بما ترى من العُدة والعدد والسلاح ، وإنهم لأحلاس الخيل(2) ورجال الحرب ، ورُماة الحَدق(3) .

 

        وقال قائلهم : يا رسولَ اللّه ، إنك تُقصينا وتستغشّنا ونحن أخوالك(4) فقدِّمنا يا رسول اللّه ، حتى تنظر كيف بلاؤنا ، فانا صُبُرٌ عند الحرب صُدُق عند اللقاء ، فُرسان على متون الخيل ، فاعقِد لنا ( لواءً ) وضَع رايتنا حيث رأيت . فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يحمل رايتكم اليوم من كان يحملها في الجاهلية ، فما فعل فتى كان حسن الوجه جيّد اللسان كان قد قدم مع وفدكم عليَّ ؟ قالوا : مات(5) .

 

        فسلَّم رايتهم إلى رسوله إليهم [ الحجاج بن عِلاط السُّلمي(6) ] وعقد لواءين لهم فلواء يحمله عباس بن مِرداس ، ولواء يحمله خُفاف بن نُدبة(7) ثم جعلهم مقدمته مع خالد بن الوليد حتى بلغوا مَرَّ الظهران(8) . فلما رأى عيينة ذلك عضّ على أنامله ! فقال له أبو بكر : علامَ تندم ؟ قال : على قومي أن لا يكونوا نفروا مع محمد فأين


(1) مغازي الواقدي 2 : 799 .

(2) الأحلاس جمع الحَلْس ، وهو جُلّ الفرس والبعير .

(3) أي يرمون حَدَق العيون .

(4) ذلك أن اُم هاشم بن عبد مناف هي عاتكة بنت مرّة بن هِلال السُّلمي من بني سُليم .

(5) مغازي الواقدي 2 : 812 ، 813 .

(6) المواهِب اللدنيّة 2 : 364 عن الواقدي .

(7) مغازي الواقدي 2 : 819 .

(8) مغازي الواقدي 2 : 813 وانظر : 819 .

(201)

يريد محمد يا أبا بكر ! قال : حيث يشاء اللّه !(1) ومن هنا يُعلم مدى الكتمان الشديد .

 

        وكان رسول اللّه قد أرسل إلى بني كعب بن عمرو من خزاعة : بُسر بن سفيان وبُديل بن ورقاء ، فلقيه بنو كعب أيضاً بقُديد(2) وكانوا خمسمئة ، فعقد لهم ثلاثة ألوية : لواء مع بُسر بن سفيان ، ولواء مع ابن شريح ، ولواء مع عمرو بن سالم(3) .

 

        وفي بني مُزينة ثلاثة ألوية : لواء مع بلال بن الحارث ، ولواء مع عبد اللّه بن عمرو ، ولواء مع النعمان بن مقرِّن .

 

        وفي جُهينة ـ وهم ثمانمئة ـ أربعة ألوية : لواء مع أبي زرعة ، ولواء مع ابن مُكيث ، ولواء مع سويد بن صخر ، ولواء مع عبد اللّه بن بدر .

        وفي بني أسلم ـ وهم أربعمئة ـ لواءان : أحدهما لبُريدة بن الحُصيب ، والآخر لناجية بن الأعجم .

        وكانت رايات الأوس : راية بني عبد الأشهل مع أبي نائلة ، وراية بني ظفر مع قَتادة بن النعمان ، وراية بني حارثة مع أبي بُردة بن نيار ، وراية بني معاوية مع جَبر بن عتيك ، وراية بني خطمة مع أبي لُبابة بن عبد المنذر ، وراية بني اُميّة مع نُبيض ، وراية بني ساعدة مع أبي اُسيد الساعدي .


(1) مغازي الواقدي 2 : 804 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 800 و 801 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 801 . وأما بُديل بن ورقاء فقد تخلّف في مكة ثم قدم مع أبي سفيان ، كما يأتي ، ولم يُعرف لماذا تخلف ؟ وأنا لا أستبعد أن يكون رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد تقدّم إلى بُديل أن يستدرج قريشاً وأبا سفيان للخروج به ليلاً ليرى نيران المسلمين ، فيُستدرج إلى فتح مكة سلماً بغير حرب ، باستسلام أبي سفيان صخر بن حرب بن اُمية .

(202)

        ورايات الخزرج : راية الحارث بن الخزرج مع عبد اللّه بن زيد ، وراية بني سلمة مع قطبة بن عامر بن حديدة ، وراية بني مالك بن النجّار مع عُمارة بن حزم ، وراية بني مازن مع سليط بن قيس ، وراية بني دينار مع ...

        وللمهاجرين ثلاث رايات : راية مع علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، وراية مع الزبير ، وراية مع سعد بن أبي وقّاص(1) .

 

إفطار الصيام ، والعُصاة :

        روى الطبْرسي في « إعلام الورى » عن الباقر عليه‏السلام قال : خرج رسولُ اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في غزوة الفتح فصام وصام الناس حتى نزل كراع الغميم(2) فأفطر وأفطر الناس ، وصام قوم فسُمّوا العصاة ، لأنهم صاموا(3) .

        وروى الكليني في « فروع الكافي » بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشـاة ، فلمـا انتهى إلى كـراع الغميم فيما بين الظهر والعصر دعا بقدح من ماءٍ فشربه وأفطـر فافطر النـاس معه ، وتمّ اناس على صومهم ، فسمّـاهم العصاة(4) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 800 وسيأتي أن لواء الفتح كان مع سعد بن عبادة فنقله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى علي عليه‏السلام .

(2) كراع الغميم على مرحلتين من مكة من جهة المدينة . القاموس المحيط 3 : 78 .

(3) إعلام الورى 1 : 219 .

(4) فروع الكافي 4 : 127 ، الحديث 5 وكتاب الفقيه 2 : 91 ، الحديث 407 . وتمام الخبر : وانما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه . مما يُشعر بأن الأمر بالافطار كان هو الأمر الأخير بعد ترخيص الصيام والافطار في الأسفار .

(203)

        ورواه الواقدي بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : لما كنّا بالكَديد بين الظهر والعصر أخذ رسولُ اللّه إناءً من ماءٍ في يده حتى رآه المسلمون ثم أفطر . وبلغ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أن قوماً صاموا ، فقال : اولئك العُصاة !(1) .

 

        وقال ابن اسحاق : خرج فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكَديد ـ بين عُسفان وأمجّ ـ أفطر(2) .

 

        وهنا في منزل القُديد نقل المعتزليّ عن كتاب الجمل لأبي مخنف روى بسنده قال : قالت اُمّ سلمة لعائشة عند خروجها إلى البصرة : أتذكرين يوم أقبل رسول اللّه ونحن معه حتى إذا هبط من قُديد ذات الشمال ، فخلا بعلي يناجيه فأطال ، فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني وهجمت عليهما ، فما لبِثتِ أن رجعتِ باكية فقلت لك : ما شأنك ؟ فقلتِ : أتيتهما وهما يتناجيان فقلتُ لعلي : ليس لي من رسول اللّه إلاّ يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني ـ يا بن أبي طالب ـ ويومي ؟ ! فأقبل عليّ رسول اللّه وهو محمرّ الوجه غضباً فقال لي : ارجعي وراءك ! واللّه لا يبغضه أحد من الناس إلاّ وهو خارج من الإيمان ! فرجعتِ نادمة ساخطة . فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 802 هذا وقد روى من قبل في غزوة بدر : أن النبيّ أفطر لما خرج من المدينة إلى بيوت السقيا المتصلة بالمدينة 1 : 22 مما يدل على أنّ هذا الإفطار المتأخّر إلى مرحلتين عن مكة إنّما كان لإفطار من التحق به أخيراً من بني سليم وبني كعب بن عمرو من خزاعة والعصاة .

(2) سيرة ابن هشام 4 : 42 .

(3) شرح النهج للمعتزلي 6 : 217 عن كتاب الجمل لأبي مخنف .

(204)

 

وهل علمت قريش بالخبر ؟

        المنزل التالي مرّ الظَّهران ، وسيأتي عن ابن اسحاق : أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نزل مرَّ الظَّهْران وقد عُمّيت الأخبار عن قريش فلم يأتهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل(1) .

        ثم هو يروي أن حِماس بن قيس بن خالد من بني بكر ( من كنانة ) كان قبل دخول رسول اللّه يُعدّ سلاحاً ويصلحه ، حتى سألته امرأته : لماذا تُعدّ ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ! واني لأرجو أن اُخدِمَكِ بعضهم ، وارتجز يقول :

 

 إن يُقبلوا اليومَ فما لي عِلّة  هذا سلاح كامل وإلّةْ

 

وذو غِرارين سريع السَّلَةْ(2)

 

        فهذا يقتضي أن يكونوا قد أتاهم خبر عنه وعلموا بخروجه ومسيره إليهم ، وأنه سيقبل عليهم اليوم أو غداً .

 

        وأظنّ أن هذا هو السرّ في ما مرّ من خروج العباس بن عبد المطّلب بأهله ، وابن أخيه : أبي سفيان المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب ، وابن اخت العباس وابن عمّة أبي سفيان : عبد اللّه بن ابي اُمية المخزومي اخو اُمّ سلمة المخزومية من ابيها . وأنّ هذا هو سرّ خروج أبي سفيان صخر بن حرب مع حكيم بن حِزام ليلة وصول عسكر المسلمين إلى مرّ الظَّهران في ظهر مكة ، وإلاّ فما سبب خروجه حينئذٍ ؟! وستأتي هذه الأخبار .


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 42 .

(2) ابن اسحاق في سيرة ابن هشام 4 : 49 ، 50 وانظر مغازي الواقدي 2 : 823 . وإلّةْ : الحربة عليها السنان .

(205)

 

وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة :

        قال الطَبْرسي : ونزل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مرَّ الظَّهران وقد غُمّت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر عنه(1) .

        وقال الواقدي : واجتمع المسلمون بمَرِّ الظَّهْران ولم يبلغ قريشاً حرف واحد من مسير رسول اللّه اليهم . وبلغ رسول اللّه إلى مَرّ الظَّهْران عشاءً ، فأمر أصحابه أن يوقدوا النيران . فأوقدوا عشرة آلاف نار ! وَأجمعت قريش أن تبعث أبا سفيان بن حرب يتحسّب الأخبار وقالوا له : إن لقيت محمداً ، فان رأيت في أصحابه رِقّةً فآذِنْه بحرب ، وإلاّ فخُذ لنا منه جِواراً ! فخرج ابو سفيان وحكيم بن حِزام ، ولقيا بُديل بن وَرْقاء فاستتبعاه فخرج معهما . فلمّا بلغوا الأراك من مَرِّ الظَّهْران رأوا الأبنية ( الخيام ) والعسكر والنيران ، وسمعوا صهيل الخيل ورُغاء الابل فأفزعهم ذلك فزعاً شديداً(2) . فقالا لبُديل : هؤلاء بنو كعب (من خزاعة) حاشتها ( جمعتها وساقتها ) الحرب ! فقال بُديل : هؤلاء أكثر من بني كعب ! فقال بعضهم : فهل هي هوازن جاءت إلى أرضنا للنُجعة ( طلب الماء والكلاء ) ؟ وقالوا : واللّه ما نعرف هذا ، إنّ هذا العسكر مثل يوم الحُجّاج(3) .

 

 

أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

        روى الواقدي بسنده عن ابن عباس عن أبيه قال : لما نزل رسول اللّه بمَرّ


(1) مجمع البيان 10 : 846 .

(2) وعليه فبعث قريش لأبي سفيان لتحسّب الأخبار لم يكن لرؤيتهم النيران ولا لانه بلغهم ـ كما قال ـ حرف واحد من مسير رسول اللّه ، اذن فلماذا أجمعوا أن يرسلوه ؟ ! اللهم إلاّ ما رجّحناه آنفاً .

(3) مغازي الواقدي 2 : 814 .

(206)

الظَّهْران قلت ( في نفسي ) : واصباح قريش ! واللّه لئن دخلها رسول اللّه عَنوةً إنّه لهلاك قريش آخرَ الدهر ! فأخذت بغلة رسول اللّه الشهباء فركبتها ألتمس انساناً ابعثه إلى قريش فيلقَون رسولَ اللّه قبل أن يَدخلها عليهم عنوة . فَبينا أنا في الأراك ( من مَرِّ الظَّهْران ) أبتغي انساناً ، إذ سمعت كلاماً يقول : واللّه ما رأيت كالليلة من النيران ! وإذا بأبي سفيان . فناديته : أبا حنظلة ! فعرف صوتي فقال : يا لبّيك أبا الفضل مالك فداك أبي واُمّي ! فقلت له : ويلك ، هذا رسولُ اللّه في عشرة آلاف ! فقال : بأبي واُمّي ! فما تأمرني ؟ هل من حيلة ؟ قلت : نعم ، تركب عجُز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول اللّه ، فإنه واللّه إن ظُفر بك دون رسول اللّه لتُقتلنّ ! فقال ابو سفيان : وأنا أرى ذلك .

 

        فرجع عنه بُديل وحكيم . وجاء هو فركب خلفي ، فتوجّهتُ به . فكلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا : مَن هذا ؟ ( فقلت : العبّاس ) فاذا رأوني قالوا : عمّ رسول اللّه على بغلته . حتى مررتُ بنار عمر بن الخطّاب ، فلما رآني قام فقال : مَن هذا ؟ فقلتُ : العبّاس ، فنظر فرأى أبا سفيان خلفي فقال : ابو سفيان عدوّ اللّه ؟ الحمد للّه الذي أمكن منك بلا عَهْد ولا عَقْد . ثم أخذ يشتدّ إلى رسول اللّه . وأنا ركضت البغلة حتى اجتمعنا جميعاً على باب خيمة النبيّ ، فدخلت عليه ، ودخل عمر على إثري فقال عمر : يا رسولَ اللّه ، هذا أبو سفيان عدوّ اللّه ، قد أمكن اللّه منه بلا عهد ولا عقد ، فدعني أضرب عنقه . فقلت : يا رسولَ اللّه ، إني قد أجرته ! ثم قلت لعمر : مَهلاً يا عمر ! فانه لو كان رجل من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا ( لانه من عشيرتك ) ولكنه أحد بني عبد مَناف ! فقال رسول اللّه : اذهب به ، فقد أجرتُه لك ، فلْيَبِت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت . فذهبت به(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 816 ، 817 مسنداً ، وابن اسحاق في السيرة 4 : 44 ـ 45 ونحوهما في إعلام الورى 1 : 219 ومجمع البيان 10 : 846 ، 847 .

(207)

        وفي نقل آخر للواقدي : أن العباس أقبل على حكيم بن حِزام وبُديل بن ورْقاء فقال : أسلما ، فاني جارٌ لكما حتى تنتهوا إلى رسول اللّه ، فاني أخشى أن تُقطعوا دونه ! فوافقوا ، فخرج بهم العباس حتى أتى رسولَ اللّه فدخل عليه فقال : يا رسولَ اللّه ، أبو سفيان وحكيم بن حِزام وبُديل بن وَرْقاء قد أجرْتهم ، يدخلون عليك ؟ قال : أدخِلهم . فدخلوا عليه .. فقال لهم : تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأ نّي رسولُ اللّه ؟ ! فشهدوا : أن لا إله إلاّ اللّه ، وشهد بُديل وحكيم بالرسالة، ولم يشهد أبو سفيان ! فقال النبيّ : وأ نّي رسول اللّه ! فقال ابوسفيان : يامحمد ! واللّه إنّ في النفس من هذا لشيئاً يسيراً بعد ! فأرجئها ! فقال رسول اللّه للعباس : قد أجرَناهم ، فاذهب بهم إلى منزلك . فذهب بهم .

 

 

وأصبح الصباح :

        قال العباس : فلما طلع الفجر أذّن العسكر كلُّه ! ومن أذانهم فزع ابو سفيان فقال لي : ما هذا ؟ فقلت : الصلاة . فقال : كم يصلون في اليوم والليلة ؟ قلت : يصلون خمس صلوات . فقال : واللّه كثير ! ثم خرجا ووقفا حيث يرون رسول اللّه وهو يتوضأ ، ورآهم يبتدرون وَضوءَ النبيّ(1) وأيدي المسلمين تحت شعره ، فليس قطرة تصيب رجلاً منهم إلاّ مسح بها وجهه !(2) . فقال لي : يا أبا الفضل ، ما رأيت ملكاً هكذا قط ، لا مُلك كِسرى ، ولا ملك بني الأصفر(3) فلما صلّى(4) قال : أدخِلني عليه يا أبا الفضل(5) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 815 ، 816 والوَضوء بفتح الواو : ماء الوضوء .

(2) إعلام الورى 1 : 221 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 816 وبنو الأصفر : الروم .

(4) إعلام‏الورى 1:221 وفيه أن أباسفيان أسلم ليلاً وعلّمه العباس‏الوضوءوالصلاة فصلى معهم.

(5) مغازي الواقدي 2 : 816 .

(208)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p07.htm