فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
اتخاذ المنبر للنبيّ
إسلام خالد وعمرو بن العاص
سريّة إلى الكَديد
سريّة إلى أرض بني عامر
سريّة إلى ذات أطلاح
غزوة مُؤْتَة
سبب الحرب
تعيين الاُمراء
خطاب الرسول فيهم
خطبة الوداع
وصايا خاصة وهي عامة
مسيرهم إلى الشام
حرب مؤتةحرب مؤتة
سريّة وادي الرمل اليابس
مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم
اشتباك الحرب
سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة
نزول سورة الطلاق
بدايات روايات الفتحبدايات روايات الفتح
وانتصرت خزاعة لرسول اللّه
ندوة قريش للمشورة
استنصار خزاعة بالرسول
لقاء أبي سفيان بالخزاعيّين
ابو سفيان في المدينة
الاهتمام بفتح مكة بلا إعلام
و تجسَّستْ قريش
المؤمنات المهاجرات
نزول سورة النصر
التعمية على قريش بَسرّية أبي قَتادة
نفيرٌ عام بلا إعلام
خروج الرسول إلى مكة
و تجسسَّت هوازن أيضاً
مَناة صنم خُزاعة وهُذيل
سابقتان سيئتان وحسنتان
وفي قُديد عقد الألوية
إفطار الصيام ، والعُصاة
وهل علمت قريش بالخبر ؟
وفي مرّ الظَّهران ظهرت مكة
أبو سفيان عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وأصبح الصباح
حِوار أبي سفيان ورسول الإيمان
استعراض عسكر المسلمين
المهاجرون والأنصار
الكتيبة الخضراء ، والراية
أبو سفيان ينادي بالأمان
وحماسٌ أحمق
النبي في ذي طُوى
المهدور دماؤهم
عِكرمة المخزومي يواجه خالد المخزومي
هزيمة المقاومة
جِوار اُمّ هانئ
نزول الرسول إلى بيت اللّه
مفتاح الكعبة
خطبة الفتح ، والعفو العام
ثم أذّنوا لصلاة الظهر
اليوم الثاني والخطبة فيه
خبر سفير الصلح
و ممّن أمر بقتله
و ممّن عفى عنه
صفوان بن اُمية الجُمحي
بيعة النساء
تكريم ، وتحريم ، وفضيلة ، وعطاء
و خبر وفد بكر بن وائل
الأصنام في مكة وحواليها
خالد ، وبنو جَذيمة
علي عليه‏السلام يرْأب الصّدع
خالد عند رجوعه
و مَن يَعذِر خالداً ؟!
غزوة هوازن في حُنين
خروجهم بعوائلهم
الإعداد للجهاد
و أعجبتْهم كثْرتُهم
سَنن السابقين
عيون الطرفين
الاستعداد للجهاد
الهزيمة أولاً
محاولة قتل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الثابتون مع النبيّ
النساء الثوابت
شماتة الكفّار
مقتل أبي جَرْول
تراجع المنهزمين
نزول النصر
قتل الصغار و الاُسارى
مصير الأمير مالك
و إلى أوطاس
الغنائم و الأسرى
خبر بِجاد، والشَيماء
الشهداء و القتلى
دمُ عامر الأشجعي
و إلى الطائف
مسيره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الطائف
بدء حصار الطائف
مشورة سلمان بالمنجنيق
حمية جاهلية
و حميّة جاهلية
و من النفاق المفضوح
و إغراء بالنساء!
تحرير العبيد
علي عليه‏السلام إلى خَثْعم
تريدون عَرَض الدنيا
اختلاف المسلمين
و عند ارتحالهم
إلى الجِعِرّانة
غنايمهم ، والمؤلّفة قلوبهم
تنبّؤ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمر الخوارج
ثم سِهام الناس
حيرة الأنصار ثم خيرتهم
وفد هوازن
نية عُيينة والعجوز !
وأمّا مصير النَصْري المهزوم
ثم مضى إلى الجِعرّانة
كتابه إلى بكر بن وائل
وأمان لبني ثعلبة
عمرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الجِعِرّانة
وفد الطائف الأول
رسل الاسلام الى البحرين وهجر
وماذا عن القرآن في هذه الحوادث ؟
إسلام عروة بن مسعود وشهادته
و وفاة ابنته زينب
وماذا نزل من القرآن ؟
سورة النور
أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومارية ، في غيبته وبعد عودته
حديث الافك
حكم اللِعان
آيات الإفك
مولد ابراهيم ابن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آيات الاستيذان
آيتا إيجاب الحجاب
مكاتبة العبيد ، وتحصين الإماء
تزكية بيت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وارتابوا في حكمه!
و تسلية له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عود على الاستئذان
امتحان الإيمان
آية الإذن في القتال
إلقاء الشيطان في أماني أنبياء الإيمان
مجالس النبي وأصحابه
النجوى مع نبيّ اللّه
حزب الشيطان وحزب الرحمن
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

سريّة وادي الرمل اليابس (2) :

        روى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ(2) أهل وادي اليابس اجتمعوا اثني عشر ألف فارس ، فتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على أن لا يتخلف رجل عن رجل ولا يخذل أحد أحداً ولا يفرّ رجل عن صاحبه حتى يموتوا


(1) سيرة ابن هشام 4 : 15 وإعلام الورى 1 : 212 ومناقب آل أبي طالب 1 : 205 ، 206 .

(2) هذا ما نراه في تفسير القمي 2 : 434 ويبدو عنه في تفسير فرات الكوفي : 599 ، الحديث 761 وعنهما في بحار الأنوار 21 : 67 ـ 74 ، وباسم وادي الرمل لدى المفيد في الإرشاد 1 : 113 وقال : ويقال : انها كانت تسمى بغزوة السلسلة . وفي 162 بتقديم اسم : غزاة السلسلة .. قوم من العرب بوادي الرمل . وعن القوم وموضعهم قال : بني سُليم ، وهم قريب من الحَرّة . وذكر الخبر الراوندي باسم ذات السلاسل ، وعن الموضع فيه : ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل . الخرائج والجرائح 1 : 167 و 257 . وفي ابن هشام 4 : 272 عن ابن اسحاق : ذات السلاسل من أرض بني عُذْرة .. إلى جهة الشام .. على ماء بأرض جُذام يقال له السَلْسَل ، وبذلك سمّيت الغزوة : ذات السلاسل . وفي الطبقات الكبرى 2 : 94 : ذات السلاسل : وراء وادي القَرْس بينها وبين المدينة عشرة أيام . وليس لوادي الرمل اليابس ذكر في التواريخ والسِيَر .

(160)

كلهم ـ على حلف واحد ـ أويقتلوا محمداً صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعلي بن أبي طالب فنزل جبرئيل عليه‏السلام على محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأخبره بقصتهم وما تعاقدوا عليه وتواثقوا ، وأمره أن يبعث أبا بكر(1) إليهم في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والأنصار .

 

        فصعد رسول اللّه المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : يامعشر المهاجرين والأنصار ، إنّ جبرئيل أخبرني : أن أهل وادي اليابس اثني عشر ألف فارس قد استعدوا وتعاقدوا وتعاهدوا أن لا يغدر رجل بصاحبه ولا يفرّ عنه ولا يخذله حتى يقتلوني وأخي علي بن أبي طالب ، وقد أمرني أن اُسيّر إليهم أبا بكر في أربعة آلاف فارس ، فخذوا في أمركم ، واستعدوا لعدوّكم ، وانهضوا إليهم على اسم اللّه وبركته يوم الاثنين إن شاء اللّه تعالى .

 

        فأخذ المسلمون عُدتهم وتهيؤوا ، وأمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أبا بكر بأمره ، وكان فيما أمره به أنه إذا رآهم أن يعرض عليهم الإسلام ، فإن تابعوه ، وإلاّ واقَعهم فيقتل مقاتلتهم ، ويسبي ذراريهم ، ويستبيح أموالهم ، ويخرّب ضياعَهم وديارَهم . فمضى أبو بكر ومَن معه من المهاجرين والأنصار في أحسن عُدّة وأحسن هيئة ، يسير بهم سيراً رفيقاً ، حتى انتهوا إلى أهل وادي اليابس .

        فلما بلغ القوم نزلوا إليهم ، ونزل أبو بكر وأصحابه قريباً منهم . وخرج إليهم من أهل وادي اليابس مئتا رجل مدجّجين بالسلاح ، فلما صادفوهم قالوا لهم : من أنتم ! ومن أين أقبلتُم ؟ وأين تريدون ؟ فخرج إليهم أبو بكر في نفر من أصحابه المسلمين فقال لهم : أنا أبو بكر صاحب رسول اللّه . قالوا : ما أقدمك علينا ؟ قال : أمرني رسول اللّه أن أعرض عليكم الإسلام ، فإن تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون


(1) كذا في نسخة بحار الأنوار ، وتفسير فرات الكوفي ، وفي المطبوع : فلاناً ، وكذا في سائر الموارد .

(161)

فلكم مالهم وعليكم ما عليهم ، وإلاّ فالحرب بيننا وبينكم . فقالوا له : أما واللات والعزّى ، لولا رحم بيننا وقرابة قريبة ( ؟ ) لقتلناك وجميع أصحابك قِتلةً تكون حديثاً لمن يكون بعدكم ، فارجع أنت ومن معك واربحوا العافية ، فانّا انما نريد صاحبكم بعينه وأخاه علي بن أبي طالب . فقال ابو بكر : يا قوم ، إنّ القوم أكثر منكم أضعافاً وأعدُّ منكم ، وقد نأت داركم عن اخوانكم من المسلمين ، فارجعوا نُعلمْ رسولَ اللّه بحال القوم . فقالوا له : يا أبا بكر ، خالفت قولَ رسول اللّه وما أمرك به ، فاتّق اللّه وواقِع القوم ولا تخالف رسولَ اللّه ! فقال : إنّي أعلم ما لا تعلمون ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب .

 

        فانصرف وانصرف الناس أجمعون ، فأخبر رسولَ اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمقالة القوم وما ردّ عليهم . فقال رسولُ اللّه :يا أبا بكر ، خالفت أمري ، ولم تفعل ما أمرتك ، وكنت لي ـ واللّه ـ عاصياً فيما أمرتك ! ثم قام النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : يا معشر المسلمين ، انّي أمرت أبا بكر أن يسير إلى أهل وادي اليابس ، وأن يعرض عليهم الإسلام ، ويدعوهم إلى اللّه ، فإن أجابوه ، وإلاّ واقَعهم . وإنّه سار إليهم ، فخرج إليه مئتا رجل ، فلما سمع كلامهم وما استقبلوه به انتفخ سَحَره(1) ودخله الرعب منهم ، فترك قولي ولم يطع أمري . وإنّ جبرئيل أمرني عن اللّه : أن أبعث إليهم عمر مكانه في أصحابه الأربعة آلاف فارس . فسِر يا عمر على اسم اللّه ، ولا تعمل كما عمل أخوك ، فانه قد عصى اللّه وعصاني . وأمره بما أمر أبا بكر .

        فخرج ومعه المهاجرون والأنصار الذين كانوا مع أبي بكر ، يقتصد بهم في سيرهم ، حتى شارف القوم وكان قريباً منهم حيث يراهم ويرونه . فخرج إليهم


(1) كذا في تفسير الكوفي ، وفي القمي : صدره . والسَحَر : الرئة ، أي انتفخت رئته خوفاً . انظر مجمع البحرين .

(162)

منهم مئتا رجل ، فقالوا لهم مثل مقالتهم لأبي بكر ، فانصرف ، وانصرف الناس معه ، وكاد أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم وجمعهم !

 

        وقدم على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخبره بمثل ما أخبره به صاحبه . فقال له : يا عمر ، عصيت اللّه في عرشه وعصيتني ، وخالفت قولي ، وعملت برأيك ! ألا قبّح اللّه رأيك ! وإن جبرئيل قد أمرني أن أبعث علي بن ابي طالب في هؤلاء المسلمين ، وأخبرني أن اللّه يفتح عليه وعلى أصحابه .

        فدعا عليّاً عليه‏السلام وأوصاه بما أوصى به أبا بكر وعمر وأصحابهم الأربعة آلاف فارس ، وأخبره أن اللّه سيفتح عليه وعلى أصحابه . فخرج علي عليه‏السلام ومعه المهاجرون والأنصار وأعنف بهم في السير حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب ، وتحفى دوابهم(1) وقال لهم : لا تخافوا ، فإن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد أمرني بأمر وأخبرني أنّ اللّه سيفتح عليَّ وعليكم ، فأبشروا ، فانكم على خير وإلى خير . فطابت نفوسهم وقلوبهم ، وساروا على ذلك السير والتعب . حتى إذا كانوا قريباً منهم حيث يرونهم ويراهم أمر أصحابه أن ينزلوا .

 

مواجهة الإمام علي عليه‏السلام القوم :

        وسمع أهل وادي اليابس بقدوم علي بن أبي طالب وأصحابه ، فخرجوا إليهم فيهم مئتا رجل شاكين بالسلاح ، فلما رآهم علي عليه‏السلام خرج إليهم في نفر من أصحابه . فقالوا لهم : مَن أنتم ؟ ومن أين أقبلتم ؟ وأين تريدون ؟ فقال عليه‏السلام : أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه وأخوه ورسوله إليكم ، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسول اللّه ، فإن آمنتم فلكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم من خير وشر . فقال له : إياك أردنا ، وأنت طلبتنا ، قد سمعنا مقالتك وما عرضتَ


(1) كان إذا تقشّر حافر الدابّة قيل : حفيت الدّابّة ، كأ نّها أصبحت حافية من حافرها .

(163)

علينا ، فخذ حِذرك واستعِدّ للحرب العَوان(1) واعلم أنا قاتلوك وقاتلوا أصحابك ، والموعد بيننا وبينك غداً ضحوة ، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينكم ! فقال لهم علي عليه‏السلام : ويلكم ! تهدّدوني بكثرتكم وجمعكم ! فأنا أستعين باللّه وملائكته والمسلمين عليكم ، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم .

 

        فانصرفوا إلى مراكزهم ، وانصرف علي عليه‏السلام إلى مركزه . فلما جنّه الليل أمر أصحابه أن يُقضموا(2) دوابّهم ويحسنوا إليها ويُسرجوها .

 

اشتباك الحرب :

        فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغَلَس(3) ثم أغار عليهم بأصحابه ، فلم يعلموا حتى وطأتهم الخيل ، فما أدرك آخِرُ أصحابه حتى قتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، واستباح أموالهم ، وخرّب ديارهم . وأقبل بالاُسارى والأموال معه .. وما رزقهم اللّه من أهل وادي اليابس .. وما غنم المسلمون مثلها قط ، إلاّ أن يكون من خيبر ، فانها مثل ذلك .

        وأنزل اللّه تبارك وتعالى في ذلك اليوم سورة « والعاديات ضبحاً » يعني بالعاديات الخيل تعدو بالرجال ، والضبح صيحتها في أعنّتها ولجُمها(4) .



(1) الحرب العَوان : التي فيها جولات وكرّات .

(2) يُقضموا الدّوابّ أي يجعلوها تقضِم أي تأكل شعيرها .

(3) الغلَس : الظلام في آخر الليل ، والغسق في أوّله .

(4) كذا في هذا الخبر في تفسير القمي ، والكوفي : 602 ، الحديث 761 والطوسي في الأمالي : 407 ، الحديث 913 بسنده عنه عليه‏السلام أيضاً مختصراً قال : وجّه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عمر ابن الخطاب في سرية ( ولم يعيّن ) فرجع منهزماً يجبّن أصحابَه ويجبّنه أصحابُه ، فلما انتهى إلى النبيّ قال لعلي عليه‏السلام : أنت صـاحب القـوم ، فتهيّأ أنت ومَن تـريده مـن فـرسان î؛ المهاجرين والأنصار .. وقال له : اكمُن النهار وسِر الليل ولا يُفارقك العين . فسار علي عليه‏السلام إليهم فلما كان عند الصبح أغار عليهم ، فأنزل اللّه على نبيّه : « وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحا » إلى آخرها . والخبر من مرويات أبي القاسم بن شبل الوكيل ، وإليه أشار الحلبي في مناقب آل أبي طالب 3 : 140 وإلى الحديث الطويل أشار الطبرسي في مجمع البيان 10 : 803 فقال : نزلت السورة لما بَعث النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عليّاً عليه‏السلام إلى ذات السلاسل فأوقع بهم .. وهو المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه‏السلام في حديث طويل ، قال : ولما نزلت السورة خرج رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى الناس فصلّى بهم الغداة وقرأ فيها « وَالْعَادِيَاتِ » فلما فرغ من صلاته قال أصحابه : هذه سورة لم نعرفها ! فقال رسول اللّه : نعم ! إنّ عليّاً ظفر بأعداء اللّه وبشّرني بذلك جبرئيل في هذه الليلة . هذا وقد نقل الطوسي في التبيان 10 : 395 عن الضحاك : أن السورة مدنية ، والطبرسي أيضاً نقل ذلك عن ابن عباس وقتادة . 10 : 801 .

    وفيآيات اطعام أهل البيت عليهم‏السلام من سورتهم سورة الإنسان قال : إن بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال : هذه السورة مكية ، فكيف يتعلق بها ما كان بالمدينة ؟! واستدل بذلك على أنها مخترعة ، جرأة على اللّه وعداوة لأهل بيت رسوله ، فأجبت .. كشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه ..

    فنقل عن كتاب الإيضاح للاستاذ أحمد الزاهد باسناده عن سعيد بن المسيّب عن علي بن أبي طالب عليه‏السلام أنه قال : سألت النبيّ عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة ، على نحو ما نزلت من السماء ، فأوّل ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب .. إلى أن قال : وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة .. وباسناده عن الحسن البصري وعكرمة .. وباسناده عن عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس .. ورواه الطبْرسي أيضاً عن الحاكم الحسكاني النيشابوري 10 : 612 ـ 614 وليس في قوائم هذه الأخبار مدنية العاديات ، بل هي فيها مكية . ولذلك فنحن ذكرنا نزولها في عداد المكيات الأوائل ، وبناءً على هذه الأخبار عن الصادق عليه‏السلام بنزولها هنا في المدينة فهي نازلة هنا اما ابتداءً أو ثانية وبمعنى ثان .

(164)

        ونزل جبرئيل فأخبر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بما فتح اللّه لعلي عليه‏السلام وجماعة

(165)

المسلمين . فصعد رسول اللّه المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه وأخبر الناس بما فتح اللّه على المسلمين ، وأعلمهم أنه لم يُصَب منهم إلاّ رجلان ، ونزل .

 

        ثم خرج يستقبل عليّاً في جمع من أهل المدينة من المسلمين ، إلى ثلاثة أميال من المدينة ، فلما رآه علي عليه‏السلام مقبلاً نزل عن دابّته ونزل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حتى التـزمه وقبّل ما بين عينيه ، فنزل جماعة المسلمين إلى علي عليه‏السلام ، حيث نزل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

        والمفيد في « الإرشاد » نقل الخبر عن أصحاب السير إلى أن قال : فرُوي عن اُمّ سلمة رحمها اللّه قالت : كان نبيّ اللّه عليه‏السلام قائلاً في بيتي إذ انتبه من منامه فزعاً ، فقلت له : اللّه جارك !قال : صدقتِ ، اللّه جاري ، لكن هذا جبرئيل عليه‏السلام يخبرني : أنّ علياً قادم . ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليّاً عليه‏السلام .

 


(1) تفسير القمي 2 : 434 ـ 438 ويبدو عنه في تفسير فرات الكوفي 599 ـ 602 ، الحديث 761 وروى قبله حديثاً أطول منه عن سلمان الفارسي رضى‏الله‏عنه فيه : أنّ الذي أخبر النبيّ بخبر استعداد القوم أعرابيّ من بني لُجيم ، وأن القوم من خثعم يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسمئة منهم ، وكان الحارث يعدّ بخمسمئة فارس ، وأنه أرسل إليه علياً رأساً بخمسمئة أو بخمسين ومئة فارس ، فقتل الحارث صباحاً وهزمهم وغنم وسبى منهم ، ونزلت سورة العاديات ، واستقبله الرسول والمسلمون على ثلاثة أميال من المدينة . وروى قبله خبراً عن أبي ذر الغفاري وفيه : أنّ النبيّ أقرع بين أهل الصفة فبعث منهم ومن غيرهم ثمانين رجلاً إلى بني سُليم ولّى عليهم رجلاً فهُزِموا ، فدعا لها عليّاً عليه‏السلام فبعثه إليهم وشيّعه إلى مسجد الأحزاب ، فلما طلع الفجر أغار عليهم وكان رئيسهم الحارث بن بشر فقتله ومئة وعشرين منهم وسبى منهم مئة وعشرين فتاةً ناهدة ، ونزلت سورة العاديات قبله عن ابن عباس ، وهنا سمّى السرية ذات السلاسل ، وفيه : أنّ النبي بعث فيها أبا بكر ثم عمر ثم خالد بن الوليد فهُزِموا ، فدعا لها علياً عليه‏السلام وسيّرهم معه ، وكمن لهم خلف جبل إلى السحر ، فلما كان السحر أشرف عليهم من الجبل فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم ، ونزلت سورة العاديات في ذلك .

(166)

        وقام له المسلمون صفّين مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلما بصر بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ترجّل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبّلهما ، فقال له : اركب ، فإن اللّه تعالى ورسوله عنك راضيان ! فبكى أمير المؤمنين عليه‏السلام فرَحاً . فقال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عليّ ، لو لا أ نّني اُشفِق أن تقول فيك طوائف من اُمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم ، لقلت فيك ـ اليوم ـ مقالاً لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك(1) .

        وانصرف عليّ عليه‏السلام إلى منزله ، فقال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لبعض من كان معه في الجيش : كيف رأيتم أميركم ؟ قالوا : لم ننكر منه شيئاً إلاّ أنه لم يؤمّ بنا في صلاة إلاّ قرأ بنا فيها بقل هو اللّه أحد فقال النبيّ لهم : سأسأله عن ذلك . فلما جاءه قال له : لِمَ لَمْ تقرأ بهم في فرائضك إلاّ بسورة الإخلاص ؟ فقال عليه‏السلام : يا رسولَ اللّه أحببتُها .

 

        فقال له النبيّ عليه‏السلام : فان اللّه قد أحبّك كما أحببتها(2) .



(1) الإرشاد 1 : 116 ، 117 و 165 .

(2) الإرشاد 1 : 116 ، 117 . وروى خبر سورة التوحيد الصدوق في التوحيد : 94 بسنده عن عمران بن الحصين الأنصاري : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعث سرية . ولم يُسمّها . والطبْرسي في إعلام الورى نقل ما ذكره المفيد في الإرشاد أولاً 1 : 113 ـ 116 . وأرسل النقل الراوندي في الخرائج والجرائح 1 : 167 ، 168 ، الحديث 257 . مع ذكر دور عمرو بن العاص في الغزوة نحو ما في الإرشاد . وأشار المفيد إلى أصحاب السيَر ولم يسمّهم ، وأشار الحلبي في مناقب آل أبي طالب 3 : 140 ، 141 إلى أسمائهم فقال : وكيع والزجاج والثوري والسدّي ومقاتل وابو صالح عن ابن عباس . مع ذكر دور خالد بن الوليد أو عمرو بن العاص .

    أما ابـن اسحاق والواقدي فقد قالا : إنّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعث عمرو بـن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بني عذرة إلى الشام على ما بأرض جُذام يقال له السَّلْسَل وبذلك سميت الغزوة : ذات السلاسل . وذلك أنه بلغه أن جمعاً من بَليٍّ وقُضاعة قد تجمّعوا يريدون المدينة ، فبعثه في ثلاثمئة من سراة المهاجرين والأنصار ، وأمره أن يستعين بمن مرّ به من العرب وهي بلاد بَليٍّ وعُذرة وبَلْقَين . وانما اختاره النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لان اُمّ أبيه العاص بن î؛ وائل كانت مِن بَلىٍّ ، فأراد أن يتألّفهم بذلك . فلمادنامن القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً ، فخاف منهم ، فبعث رافع بن مُكيث الجُهني إلى رسول اللّه يخبره ويستمدّه ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرّاح في مئتين من سراة الأنصار والمهاجرين منهم ابو بكر وعمر فساروا وكان قبل هذا يسير الليل ويكمن النهار أما الآن فسار الليل والنهار حتى وطِئ بلاد بَليٍّ ، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا به تفرقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بَليٍّ وعُذرة وبَلْقَين ، فهناك لقي جمعاً غير كثير ، فتراموا بالنبل وتقاتلوا ساعة ، ثم حمل المسلمون عليهم فهربوا وتفرّقوا ، وأقام عمرو هنالك أياماًيبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشياة والنَّعم .

    ويروون عن رافع بن عميرة الطائي أنه كان نصرانياً يُدعى سيرجس فأسلم وانبعث في هذا البعث مع أبي بكر فاستنصحه فقال له : آمرك أن توحّد اللّه ولا تشرك به شيئاً ، وأن تقيم الصلاة ، وأن تؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج هذا البيت ، وتغتسل من الجنابة ، ولا تتأمّر على رجلين من المسلمين أبداً .

    فلما توفي رسول اللّه واستخلف أبو بكر قدم عليه فقال له : يا أبا بكر ، ألم تك نهيتني عن أن أتأمّر على رجلين من المسلمين ؟ ! فقال : بلى ، وأنا الآن أنهاك عن ذلك ! قال : فما حملك على أن تلي أمر الناس ؟ ! أو : ما لك تأمّرت على اُمّة محمد ؟ ! قال : اختلف الناس فخشيت عليهم الهلاك ، ودعوا اليّ فلم أجد لذلك بداً، أو : خشيت على اُمة محمد الفُرقة ! سيرة ابن هشام 4 : 272 ـ 274 ومغازي الواقدي 2 : 771 ـ 772 وفي مقدمته ذكر أنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان .

(167)

 

سَريّة أبي قتادة إلى خَضِرة(1) :

        روى ابن اسحاق عن عبد اللّه بن أبي حدْرد الأسلمي قال : أقبل رجل من بني جُشم يقال له : رفاعة بن قيس أو قيس بن رُفاعة بقومه حتى نزل


(1) على عشرين ميلاً ( ثمانين كم ) بناحية نجد عند بستان ابن عامر . مغازي الواقدي 1 : 6 .

(168)

بالغابة يريد أن يجمع قيساً على حرب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

 

        وروى عنه الواقدي قال : وكنت قد تزوّجت ابنة سُراقة بن حارثة النجّاري الشهيد ببدر ، وأصدقتها مئتي درهم ، ولا أجدها ، فجئت النبيّ فأخبرته وقلت له : يا رسول اللّه أعنّي في صَداقها . فقال رسول اللّه : ما وافقتُ عندنا شيئاً اُعينك به ، ولكنّي قد أجمعتُ أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلاً [ في سرية ] فهل لك أن تخرج فيها ؟ فانّي أرجو أن يغنّمك اللّه مَهرَ امرأتك . فقلت : نعم .

 

        فبعثنا النبيّ إلى غطَفان نحو نجد ، وقال لنا : سيروا الليل واكمنوا النهار ، وشُنوا الغارة ، ولا تقتلوا النساء والصبيان . فخرجنا حتى أتينا ناحية غطفان ليلاً ، فألّف ابو قَتادة بين كل رجلين منّا ، ثم خطبنا .. فأوصانا بتقوى اللّه : لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إلي فيخبرني خبره ، ولا يأتيني رجل فأسأله عن صاحبه فيقول : لا علم لي به ! وإذا كبّرتُ فكبّروا ، وإذا حملت فاحملوا ، ولا تمعِنوا في الطلب . ثم جرّد ابو قتادة سيفه وجرّدنا سيوفنا ، وكبّر وكبّرنا معه ، فشددنا وهجمنا على حاضر منهم عظيم(2) .

        وفي خبر ابن اسحاق قال : قربنا حاضرهم عُشيشية ( عشاءً ) مع غروب الشمس ، ونحن ننتظر غِرّة القوم حتى غشينا الليل وذهبت فَحمةُ العشاء ( ظلمتها ) فقام صاحبهم رفاعة بن قيس وأخذ سيفه وجعله في عنقه وخرج يتّبع أثر راع قد سرّح فأبطأ عليهم فتخوّفوا عليه ، فقال له نفر ممن معه : نحن نكفيك ، قال : لا واللّه لا يذهب إلاّ أنا . فقالوا له : فنحن معك ، قال : لا واللّه لا يتّبعني أحد منكم . ثم خرج فمرّ بي ، فلما أمكنني رميته بسهمي فوضعته في فؤاده ، ثم وثبت إليه


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 278 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 778 .

(169)

فاحتززت رأسه . ثم شددنا في ناحية العسكر وكبّرنا ، فواللّه ما كان إلاّ النجّاء بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خفّ معهم من أموالهم . ونحن سقنا إبلاً وغنماً كثيراً فجئنا بها إلى رسول اللّه . وجئته برأسه أحمله معي . فأعانني رسول اللّه من تلك الابل بثلاثة عشر بعيراً(1) .

 

        وروى الواقدي : أنهم غابوا خمس عشرة ليلة( في شعبان سنة ثمان(2) ) وجاؤوا بمئتي بعير وألف شاة ، مع سبي كثير : أربع نسوة ، وأطفال مِن غلمان وجَوارٍ .. وعزلوا الخمس ، وكان سهم كل رجل اثني عشر بعيراً ، وكان البعير يعدل بعشر من الغنم . وجاء محميّة بن جَزء الزُبيدي إلى النبيّ فقال : يا رسول اللّه ،إنّ أبا قتادة قد أصاب في وجهه هذا جارية وضيئة ، وقد كنتَ وعدتني جارية من أول فيء يفيء اللّه عليك .

 

        فأرسل رسول اللاهّءلى أبي قَتادة فقال : ما جارية صارت في سهمك ؟ فقال ابو قتادة : نعم جارية من السبي أخذتها لنفسي بعد أن أخرجنا الخمسَ من المَغنم . فقال النبيّ : هبها لي . قال ابو قتادة : نعم ، يا رسولَ اللّه . فأخذها رسول اللّه فدفعها إلى مَحميّة بن جَزء الزُّبيدي(3) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y08-p03.htm