فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

آية التطهير :

        روى الحسين بن الحكم الكوفي في « ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم‏السلام » بسنده عن شهر بن حوشب قـال : أتيت اُمّ سلمة زوج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاُسلّم عليـها ، فقلت لها : أما رأيت هذه الآية يا اُمّ المؤمنين : « ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا » ( وكأنه كان يراها من أهل البيت ) قالت : [ كنت ] أنا ورسول اللّه على منامة لنا تحتنا كساء خيبري(1) في البيت(2) غداة ( (3) أو ) كانت ليلة قارة ( باردة(4) ) فقالت الخادم(5) : هذا علي وفاطمة معهما الحسن والحسين بالسُدّة(6) فقال لي : قومي تنحَّي عن أهل بيتي . فقمت فجلست في ناحية ، فأذن لهم فدخلوا ، فقبّل فاطمة واعتنقها ، وقبّل عليّاً واعتنقه ، وضمّ الحسن والحسين صبيّين صغيرين(7) وجاءت فاطمة ببُرمة ( قدر(8) ) فخار فيه حريرة


(1) ما نزل من القرآن : 72 . ومجمع البيان 8 : 559 عن تفسير أبي حمزة الثمالي .

(2) عنه في تفسير فرات : 333 .

(3) تفسير فرات : 335 .

(4) تفسير فرات : 333 .

(5) الخادم في العربية اعم من الذكر والانثى ، وهنا انثى .

(6) تُطلق على الباب وعتبتها والظُلة عليها والساحة أمامها . مجمع البحرين .

(7) ما نزل من القرآن : 74 . ومسند أحمد 6 : 296 .

(8) تفسير فرات : 335 ومجمع البيان 8 : 559 عن تفسير الثعلبي النيسابوري . وفي مسند أحمد 6 : 292 وأسباب النزول للواحدي : 295 .

(129)

( أو(1) ) عصيدة، تحمله في طبق ، فوضعته بين يديه(2) فقربتها فأكلوا .

 

        ثم أقام فاطمة إلى جنب علي والحسن والحسين إلى جنب فاطمة ـ وكانت ليلة قارة ـ فأدخل رسول اللّه رجليه إلى فخذ علي وفاطمة(3) فأخذ الكساء من تحتنا فعطفه(4) فألبسهم الكساء الفدكي ( (5) وهي ) خميصة(6) له سوداء(7) فلفّه رسول اللّه عليهم جميعاً وأخذ بشماله طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى السماء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً . ثلاث مرات(8) كما أذهبت عن اسماعيل واسحاق ويعقوب ، وطهّرهم من الرجس كما طهّرت آل لوط وآل عمران وآل هارون(9) اللهم ان هؤلاء آل محمد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على ابراهيم انك حميد مجيد(10) .

 

        فقلتُ ـ وأنا عند عتبة الباب ـ : يا رسول اللّه وأنا منهم أو معهم(11) ! هل أنا من أهل بيتك(12) ؟ ألستُ من أهل البيت(13) ؟ ألست من أهلك يا رسول


(1) ما نزل من القرآن : 72 .

(2) تفسير فرات : 335 .

(3) تفسير فرات : 333 .

(4) تفسير فرات : 332 .

(5) تفسير فرات : 333 . وفدك من خيبر فلا منافاة بينهما .

(6) قيل : لا تكون خميصة إلاّ إذا كانت سوداء معلمة من صوف أوخز . النهاية 2 : 81 .

(7) ما نزل من القرآن : 74 .                    ( 8 ) تفسير فرات : 335 .

 

(8) تفسير فرات : 337 .

(9) الدر المنثور 5 : 198 .

(10) ما نزل من القرآن : 72 .

(11) التبيان 8 : 339 .

(12) تفسير فرات : 334 .

(130)

اللّه(1) ؟ يا رسول اللّه ألستُ من أهلك(2) ورفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال(3) : لا(4) انك زوج النبيّ ، وأنتِ على خير(5) وهؤلاء أهل بيتي(6) وما قال انّك من أهل البيت(7) فلو كان قال نعم كان أحبَّ إلي مما تطلع عليه الشمس(8) ونزلت هذه الآية : « ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... » في النبيّ وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‏السلام (9) .

 

        فروى عن أبي الحمراء قال : خدمت النبيّ نحواً من تسعة أشهر(10) واللّه لرأيت رسول اللّه تسعة أشهر أو عشرة عند كل صلاة فجر يخرج من بيته فيأخذ


(1) تفسير فرات : 333 .

(2) تفسير فرات : 335 .

(3) الدر المنثور 5 : 198 .

(4) التبيان 8 : 339 .

(5) ما نزل من القرآن : 73 .

(6) مستدرك الحاكم 2 : 416 صحيحاً على شرط البخاري .

(7) تفسير فرات : 334 .

(8) تفسير فرات : 337 .

(9) تفسير فرات : 332 ، وفي 335 روى عن عبد اللّه الجدلي أ نّه سأل اُمّ سلمة عن الآية فقالت له : لو سألتَ عائشة لحدّثَتْك أن هذه الآية نزلت في بيتي . قال الجدلي : فدخلت على عائشة فقلت : أين نزلت هذه الآية : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ .. » ؟ قالت : نزلت في بيت اُمّ سلمة . تفسير فرات : 334 . وروى الطبرسي عن تفسير الثعلبي باسناده عن مجمع عن عائشة قالت : لقد رأيت رسول اللّه قد جمع بثوبٍ على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال .. فقلت : يا رسول اللّه أنا من أهلك ؟ قال : تنحّي .. مجمع البيان 8 : 559 وعنها في مستدرك الحاكم 3 : 147 .

(10) ما نزل من القرآن : 76 .

(131)

بعضادتي باب علي عليه‏السلام ثم يقول : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . فيقول علي وفاطمة والحسن والحسين : وعليك السلام يا نبيّ اللّه ورحمة اللّه وبركاته . فيقول : الصلاة رحمكم اللّه « ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا » ثم ينصرف إلى مصلاه(1) .

 



(1) ما نزل من القرآن : 77 وفي : 76 رواه عن أنس بن مالك وعنه في مسند أحمد 3 : 259 و 285 ومستدرك الحاكم 3 : 158 . وفي تفسير فرات الكوفي عن أبي الحمراء وعن أبي سعيد الخُدري : 338 و 339 . وعن أبي الحمراء وابن عباس كل يوم خمس مرات في وقت كل صلاة في الدر المنثور 5 : 198 وما بعدها .

        وروى الطبْرسي في مجمع البيان 8 : 560 عن الحاكم الحسكاني بسنده عن الحسن بن علي عليه‏السلام قال : جمعنا رسول اللّه وإياه في كساء خيبري لاُمّ سلمة ثم قال ..

        وفي تفسير القمي 2 : 193 عن أبي الجارود عن الباقر عليه‏السلام نزول الآية في بيت اُمّ سلمة .

        ثم روى عن زيدبن علي بن الحسين عليهم‏السلام قال : إن جُهالاً من الناس يزعمون انّما أراد بهذه الآية أزواج النبيّ ، وقد كذبوا وأثموا ، لوعني بها أزواج النبيّ لقال : ليُذهب عنكنّ الرجس ويطهّركنّ تطهيراً ، وكان الكلام مؤنثاً كما قال : « وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ » « وَلاَ تَبَرَّجْنَ » و « لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ » .

        وروى الطبْرسي عن تفسير الثعلبي عن أبي سعيد الخُدري 8 : 559 . وعنه الواحدي في أسباب النزول : 295 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 : 198 والطبْرسي أيضاً عن الحاكم الحسكاني عن جابر الأنصاري 8 : 560 . ونقل عنه المظفر في دلائل الصدق 2 : 67 خبراً صحّحه يدل على تأخّر نزول الآية عن خيبر وزواج النبيّ بصفية ، ورجوع جعفر الطيّار وأهله من الحبشة : عن عبد اللّه بن جعفر قال : قال رسول اللّه : ادعوا لي ! ادعوا لي ! فقالت صفية : مَن يا رسولَ اللّه ؟ قال : أهل بيتي : علياً وفاطمة والحسن والحسين . فجيء بهم . فألقى عليهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كساءً ثم رفع يديه ثم قال : اللهم هؤلاء آلي فصل على محمد وآل محمد ، وأنزل اللّه : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ .. » . î؛

        والطباطبائي في الميزان 16 : 311 في تفسير هذه الآية قال : ورد في أسباب النزول : أنّ الآية نزلت في النبيّ وعلي وفاطمة والحسنين عليهم‏السلام خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم ، وهي روايات جمّة تزيد على سبعين حديثاً ، يربو ما ورد منها من طرق أهل السنة على ما ورد منها من طرق الشيعة ، فقد :

        روتها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا عليهم‏السلام واُمّ سلمة وأبي ذر وابي الاسود الدؤلي .. وروتها السنة عن علي والحسن عليهماالسلام واُمّ سلمة وعائشة وعبد اللّه بن جعفر وعبد اللّه بن عباس وثوبان مولى النبيّ وأنس بن مالك وأبي الحمراء وأبي سعيد الخدري وواثلة بن الاسقع وسعد بن أبي وقاص في قريب من أربعين طريقاً .

        ثم أورد الإشكال بسياق الآيات في خطاب نساء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فأجاب : إنّ كثيراً من هذه الروايات وخاصة ما رويت عن اُمّ سلمة ـ وفي بيتها نزلت الآية ـ تصرح باختصاصها بهم وعدم شمولها لأزواج النبيّ .. فهذه الأحاديث ـ على كثرتها البالغة ـ ناصّة على نزول الآية وحدها ، ولم يرد حتى في رواية واحدة نزول هذه الآية ضمن آيات نساء النبيّ ، ولا ذكره أحد ـ حتى القائل باختصاص الآية بأزواج النبيّ كما يُنسب إلى عروة وعكرمة ـ فالآية بحسب النزول لم تكن جزءاً من آيات نساء النبيّ ولا متصلة بها ، وإنما وُضِعت بينها ، إما بأمر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، أو عند التأليف بعد الرحلة .

        ويؤيّده : أن لو قدّر ارتفاع آية التطهير من بين جُمل آية : « وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ » لبقيت الآية على اتصالها وانسجامها . فموقع آية التطهير من آية « وَقَرْنَ .. » كموقع آية « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا » من محرمات الأكل في سورة المائدة . الميزان 16 : 311 ، 312 .

        وللتفصيل انظر : احقاق الحق 2 : 502 و 9 : 2 وما بعدهما . دلائل الصدق : 2 : 64 ـ 75 . وتتمة المراجعات بتحقيق حسين راضي : 36 ـ 44 . ودروس في فقه الإمامية للفضلي 1 : 114 ـ 131 . وكتب خاصة : حديث الكساء عند أهل السنة للسيد العسكري ط 1402 ه وآية التطهير في الخمسة أهل الكساء للموسوي الغُـريفي ط 1377 النجف الأشرف ،î؛ في 278 صفحة . وآية التطهير للسيد الأبطحي في 812 صفحة في مجلدين . وآية التطهير للسيد مرتضى العاملي ط . بيروت 1415 ه .

(132)

(133)

        أما عن الآية 36 : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... » .

 

        ففي تفسير القمي عن أبي الجـارود عن البـاقر عليه‏السلام : أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خطب زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبيّ ، لزيد بن حارثة ، فقالت : يا رسول اللّه ، حتى اُوامر نفسي فانظُر ، فأنزل اللّه الآية(1) .

        وهذا يقتضي خلاف التأليف والسياق القائم في الآيات تقديماً وتأخيراً ، فإن الآية بناءً على هذا في زواج زيد بزينب ، بينما سبقت الآيات في طلاق زيد لزينب وزواج النبيّ بها .

 

    وهناك رواية اُخرى لا تقتضي ذلك رواها الواقدي بسنده إلى عروة بن الزبير قال : إنّ رسول اللّه قال لاُمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط : تزوّجي زيد بن حارثة فإنه خيرٌ لك ، فكرهت ذلك ، فأنزل اللّه الآية(2) ورواها الطوسي في « التبيان » عن ابن زيد(3) وعنه الطبْرسي في « مجمع البيان »(4)والسيوطي في «الدر المنثور »(5) مع ترجيح أن هذا كان بعد طلاق زيد لزينب .

 

وسلِّموا له تسليماً :

        فتح رسول اللّه خيبر ، وكان الفتح القريب الموعود به ، والقريب ذا الأثر


(1) تفسير القمي 2 : 194 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 1126 .

(3) التبيان 8 : 343 .

(4) مجمع البيان 8 : 563 .

(5) الدر المنثور 6 : 203 كما في الميزان 16 : 326 .

(134)

الشديد الثقيل على اليهود والمشركين ، وكان لخبره الأثر الكبير والعظيم في مكة ـ كما مر ـ مما جرّ عمرو بن العاص وخالد بن الوليد إلى الاستسلام للإسلام ، كما مرّ شطر من خبرهما ويأتي تمامه . وبالإفادة من جوّ الأمن والأمان المتحصّل بشروط صلح الحُديبية دخل في الإسلام أكثر ممن دخل فيه إلى ما قبله ، حتى قضى النبيّ عمرته مع ألفين من المسلمين . هذا كله من ناحية ..

 

        ومن ناحية اُخرى : تزوّج النبيّ بصفية ، ثم وصلته هدايا المقوقس الاسكندري وفيها مارية القبطية اُمّ ابراهيم ، وغنم غنائم خيبر وفدك ووادي القرى ، وتوقّع أزواجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يفتح أبواب الدنيا عليهنّ ، فاعتزلهن في مشربة اُمّ ابراهيم شهراً ، ثم خيّرهن ـ بعد زواجه بميمونة الهلالية ـ فاخترنه ، فحرّم اللّه عليهن الزواج بعده ، فتجرّأ طلحة وتجاسر على ذلك بقول كان فيه نيل وأذىً للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حسب الآية النازلة في ذلك .. من ناحية اُخرى ..

        يبدو لي أن هذه الاُمور هي السبب في تصعيد شأنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بما لم يسبق له نظير من قبله ، في قوله سبحانه ـ بعد تحريم أزواجه ـ : « إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهَُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابا مُهِينا »(1) .

        ولا خلاف في أن الصلاة على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الصلوات كانت واجبة مفروضة قبل نزول هذه الآية ، ولم تجب صلاة عليه خاصة بنزول هذه الآية ، إذن فليست الآية من آيات الأحكام التشريعية ، وعليه فليس الجديد في الآية تشريع الصلاة عليه ، وإنّما الجديد تنصيص القرآن على أنّ الصلاة عليه ليست من المؤمنين فقط ، بل من اللّه وملائكته من قبل . هذا في الصلاة عليه .

 

        وأمّا قوله سبحانه : « وَسَلِّمُوا تَسْلِيما » فهل هو بمعنى السلام عليه ؟ أي هو


(1) الأحزاب : 56 ـ 57 .

(135)

تشريع تأسيسيّ لسلام خاصّ عليه ؟ أم هو بمعنى التسليم لأمره ؟ مناسبة ما قدّمنا الإشارة إليه وما تقدم في آيات السورة من الإشارة إليه ، ونهيها وتعظيمها لأذيّة اللّه في رسوله قبل هذه الآية في قوله : « وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ .. » وبعدها مباشرة بقوله : « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهَُ .. » كل هذا لا يناسب الاوّل أي السلام عليه بمقدار ما يناسب الثاني أي التسليم لأمره ، كما سبق في الآية 22 من السورة نفسها في قوله سبحانه : « وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّهَُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانا وَتَسْلِيما » على غرار ما جاء سابقاً في قوله سبحانه : « فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما »(1) ولم يرد في القرآن الكريم تسليم في غير هذه الآيات الثلاث ، كما لم يرد الترديد بين المعنيين للتسليم فيما سوى آية الصلوات .

 

        روى البرقي في « المحاسن » بسنده عن أبي بصير قال : سألتُ أبا عبد اللّه الصادق عليه‏السلام عن قول اللّه عزّ وجل : « إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ .. » فقال : الصلاة عليه ، والتسليم له في كل شيء جاء به(2) .

        وروى فرات الكوفي في تفسيره بسنده عن أبي هاشم قال : كنت مع جعفر بن محمد عليه‏السلام في المسجد الحرام فصعد الوالي المنبر يخطب يوم الجمعة فقرأ : « إِنَّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ .. » فقال جعفر عليه‏السلام : يا أبا هاشم ، لقد قال ما لا يعرف تفسيره ،قال تعالى : وَسَلِّموا بِالوِلايَةِ لِعَلي تَسليماً(3) .

 



(1) النساء : 65 .

(2) المحاسن للبرقي 1 : 422 .

(3) تفسير فرات الكوفي : 342 .

(136)

        وإلى فحوى هذين الخبرين أشار القمي في تفسيره قال : أي وسلّموا له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالولاية ، وبما جاء به(1) .

 

        والطوسي في « التبيان » فقال : « ثم أمر المؤمنين أن يسلّموا لأمره ولأمرِ رسوله تسليماً في جميع ما يأمرهم به » ثم ذكر المعنى الآخر(2) .

 

        والطبْرسي في « مجمع البيان » روى خبر أبي بصير ثم قال : « فعلى هذا يكون معنى قوله : « وَسَلِّموا تَسليماً » : انقادوا لأمره وابذلوا الجهد في طاعته في جميع ما يأمركم به » ثم ذكر المعنى الآخر(3) .

 

        وعليه : فالآية لا تدل على التسليم بسلام التحيّة بعد التصلية عليه .

 

 

 

* * *

 

 


(1) تفسير القمي 2 : 196 .

(2) التبيان 8 : 360 .

(3) مجمع البيان 8 : 579 فهذان خبران عن الإمام الصادق عليه‏السلام في تفسير التسليم بالانقياد دون السلام ، وهناك جُلّ الأخبار عنهم عليهم‏السلام إن لم تكن كلها تصلي على النبيّ عند ذكره هكذا : صلّى اللّه عليه وآله ، بدون « وسلّم » مما يدعم معنى هذين الخبرين ، وقال به هؤلاء المفسّرون الأوائل ، والتزم بذلك جُلّ علماء المذهب ، وإنّما التزم بـ « وسلم » من لم يلتزم بـ« آله » من غير الشيعة ، ولم يكن الجمع بينهما إلاّ في القليل اليسير وإنّما شاع بفعل المطابع في هذا العصر الأخير . ومحاولة الجمع بينهما في الكلام يؤدي عملاً غالباً إلى اختزال « الآل » في درج الكلام .

(137)

 

(138)

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y07-p14.htm