فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
 (2) إعلام الورى 1 : 211 .

(3) ابن اسحاق في سيرة ابن هشام ، وبعده :

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

مبعوث قريش :

        وبعثت قريش مِكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش فالتقوا بالنبيّ في بطن يأجج ، فقالوا : يا محمد ! واللّه ما عُرفت صغيراً ولا كبيراً بالغدر ، تدخل بالسلاح الحرم على قومك وقد شرطتَ أن لا تدخل إلاّ بسلاح المسافر : السيوف في القُرُب ؟ ! فقال رسول اللّه : لا ندخلها إلاّ كذلك .

        فرجع مكرز إلى مكة مُسرعاً يقول : إنّ محمداً لا يدخل بسلاح ، وهو على


(1) الكافي 4 : 251 و 252 ، الحديث 10و 13 والفقيه 2 : 275 ، الحديث 7 . وفي مغازي الواقدي : أحرم من باب المسجد 2 : 733 و 734 .

(2) قال عاتق بن غيث البلادي في كتابه مختصر معجم معالم مكة التاريخية عن بطن يأجج : انّه يعرف اليوم باسم ياج تخفيفا ، يمر به طريق مكة للمدينة فيه بساتين ضعيفة وبئر يسمى بئر مقيت وبه يعرفه عامة أهل مكة وهو واد يمر شمال التنعيم حتى يصب في بئر الظهران بين دف‏ء خراعة وبين المقوع بطول 33 كيلومترا وفي شماله موضع قتل حبيب بن عدي الشهيد في يوم الرجيع ، كما عنه في مجلّة ميقات الحج 7 : 241 .

(110)

الشرط الذي شرط لكم . وأمر رسول اللّه أن يذهبوا بالهَدْي أمامَه فيحبسوه في ذي طُوى . وخلّف مئتي رجل على السلاح عليهم أوس بن خَوْليّ . وخرج رسول اللّه على ناقته القَصواء(1) وأصحابه محدقون به متوشّحو السيوف يلبّون ، حتى انتهى إلى ذي طُوى ، ولم يقطع التلبية حتى بلغ عروش مكة(2) ثم دخل من الثنيّة التي تطلع على الحَجون .

 

        وقالت قريش : لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه ، فخرجوا من مكة إلى رؤوس الجبال(3) وقد رفعوا الأصنام حسب شرط الصلح(4) .

        وروى ابن اسحاق عن ابن عباس : أن جمعاً اصطفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه ـ وتحدّثوا فيما بينهم : أنّ محمداً وأصحابه في عُسرة وجَهد وشدة !(5) فدخل مكة حتى طاف بالبيت .

 

        فروى الكليني في « الكافي » بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : طاف رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على ناقته العَضباء ، وجعل يستلم الأركان ( والحجر ) بمِحجنه ويُقبّل الِمحجَـن(6) .

 



(1) سيأتي عن الصادق عليه‏السلام أن الناقة كانت العَضباء .

(2) النص : حتى جاء عروش مكة ، ذلك أن أكثر بيوت مكة كانت بيوت شَعر قائمة على الأعواد ، فسُمّيت عروشاً . النهاية 3 : 81 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 734 ، 735 .

(4) انظر شروط الصلح ، وتفسير العياشي 1 : 70 .

(5) ابن اسحاق في سيرة ابن هشام 4 : 102 .

(6) فروع الكافي 4 : 426 وعنه في وسائل الشيعة 13 : 441 ، ط آل البيت . والِمحجَن : العصا المعقوفة الرأس .

(111)

        وطاف على راحلته حتى ينظر الناس إلى هيئته وشمائله وقال : خذوا عنّي مناسككم . وكان تحته رَحْلٌ رثٌّ ، وقطيفة خَلِقَة قيمتها أربع دراهم(1) . وكان عبد اللّه بن رَواحة آخذاً بخطام راحلة الرسول وهو يقول :

 

 خلّوا بني الكفّار عن سبيله  خلّوا ، فكل الخير في رسوله
 يا ربّ إنّي مؤمن بقيله(2)  أعرف حقّ اللّه في قبوله(3)
        فنهرَه عمر بن الخطّاب قال : يا بن رَواحة ! فردّ عليه رسول اللّه قال : يا عمر ، إنّي أسمع ! فلما أتم الشوط السابع نزل فصلّى ركعتي الطواف خلف مقام ابراهيم عليه‏السلام (4) .

 



(1) عوالي اللآلي 4 : 34 ، الحديث 118 وعنه في مستدرك الوسائل 9 : 420 ، الحديث 4 ، ط آل البيت .

 
 نحن قتلناكم على تأويله  كما قتلناكم على تنزيله
 ضرباً يزيل الهام عن مَقيله  ويذهل الخليل عن خليله !

    وعلّق ابن هشام على هذا يقول : نحن قتلناكم على تنزيله إلى آخر الأبيات لعمّار بن ياسر في غير هذا اليوم ( ؟صفّين ! ) قال : فإنما يُقتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل . 4 : 13 .

    والغريب : أنّ ابن اسحاق روى هذا الغلط عن عبد اللّه بن أبي بكر ! والواقدي في مغازي الواقدي 2 : 735 رواه بعينه بسنده عن اُمّ عُمارة ، ولم يتفطّن إلى هذا الإشكال . وكذلك الطبرسي في اعلام الورى 1 : 211 والحلبي في مناقب آل أبي طالب 1 : 205 بلا التفات إلى تنبيه ابن هشام .

(4) روى الكليني في فروع الكافي 4 : 223 ، الحديث 2 والصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه 2 : 158 ، الحديث 12 بسندهما عن الإمام الباقر عليه‏السلام قال : « كان موضع المقام î؛ الذي وضعه ابراهيم عليه‏السلام عند جوار البيت ، فلم يزل هناك ، حتى حوّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم ( وكذلك كان في عمرة القضاء ) فلما فتح النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مكة ردّه إلى الموضع الذي وضعه فيه ابراهيم عليه‏السلام » .

    وروى السجستاني في مسند عائشة : 82 ، الحديث 73 عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير ( عن خالته عائشة قالت ) : « كان رسول اللّه يصلي إلى صقع البيت ليس بينه وبين البيت شيء ، وابو بكر ، وعمر صدراً من إمارته ، ثم إنّ عمر ردّ الناس إلى المقام . وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 75 وعبد الرزاق في المصنف 5 : 48 وابن حجر في فتح الباري 6 : 406 و 8 : 169 والازرقي في أخبار مكة 2 : 30 وكذلك القاسمي 1 : 442 و 454 وابن كثير في التفسير 1 : 384 . وتمام الخبر السابق عن الكليني والصدوق عن الباقر عليه‏السلام قال : « فلم يزل هناك إلى أن ولي عمر بن الخطّاب فسأل الناسَ : مَن منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام ؟ ! فقال رجل : أنا ، قد كنت أخذتُ مقداره بنسع ( قيد من جلد ) فهو عندي ! فقال : ائتني به ! فأتاه به ، فقاسه ، ثم ردّه إلى هذا المكان » .

    وروى الكليني كذلك في روضة الكافي : 51 عن علي عليه‏السلام خطبة قال فيها : «قد عملت الوُلاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسولَ اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته ! ولو حملتُ الناسَ على تركها وحوّلتُها إلى مواضعها وإلى ما كانت عليه على عهد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لتفَرق عنّي جُندي وبقيت وحدي .. أرأيتم لو أمرتُ بمقام ابراهيم عليه‏السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه .. إذاً لتفرّقوا عنّي .. » .

(112)

        ثم ركب راحلته فسعى بين الصفا والمروة على راحلته ، فلما أتمّ المشوار السابع عند المروة نحَرَ هَدْيه هناك ـ أو بين المروة والصفا ـ وقال : هذا المَنْحر ، وكلُّ فِجاج مكة منحر(1) ثم حلق رأسه خِراش بن اُمية الخزاعي عند المروة(2) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 736 وانظر وسائل الشيعة 14 : 88 ومستدرك الوسائل 10 : 83 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 737 .

(113)

        ثم أمر رسول اللّه مئتين من أصحابه أن يذهبوا إلى أصحابه في بطن يأجَج فيقيموا على السلاح ، ليأتي الآخرون فيقضوا نسُكهم ، ففعلوا(1) .

 

 

أذان بلال :

        ثم أرسل رسولُ اللّه إلى المشركين ليدخل الكعبة ، فأبوا وقالوا : لم يكن في شرطك ! فدخل في فِناءِ البيت ، فلم يزل هناك حتى صار الزوال ، فأمر بلالاً أن يصعد على الكعبة فيؤذّن ، فصعد وأذّن فوق الكعبة .. فحين سمعه سُهيل بن عمرو ومعه رجال ، غطَّوا وجوههم ! وقال خالد بن اُسيد : الحمد للّه الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم ! حين يقوم بلال ابن اُمّ بلال ينهق ! فوق الكعبة ! وقال عِكرمة بن أبي جهل : لقد أكرم اللّه أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول ! وقال صفوان بن اُمية : الحمد للّه الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا(2) .

        وكان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللّه ومنزل اخوته من الرجال والنساء بمكة : فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : لا أدخل البيوت .. وضرب له مولاه أبو رابع القبطي قبّةً من أدَم الجلود بالحَجون من الأبطح ، فأقبل رسول اللّه حتى انتهى إلى القبة ومعه اُمّ سلمة ، فكان يأتي للصلاة إلى المسجد من الحَجون في عمرة القضاء(3) .

 

 

زواج النبيّ بميمونة :

        قال ابن هشام : وكانت ميمونة بنت الحارث الهلالية اُخت اُمّ الفضل زوجة


(1) مغازي الواقدي 2 : 740 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 737 ، 738 وفي 846 يتكرر الخبر أو نحوه في فتح مكة وكلاهما عن ابن المسيّب ، وهذا هو الأنسب .

(3) مغازي الواقدي 2 : 829 .

(114)

العباس بن عبد المطّلب ، جعلت أمرها إلى اختها اُم الفضل ، وجعلت اُم الفضل أمرها إلى العباس ، فلما حلّ رسول اللّه من إحرامه(1) خطبها من عمّه العباس ، فزوّجها رسول اللّه وأصدقها عنه أربعمئة درهم(2) .

 

        وأقام بمكة ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع عند الظهر ورسول اللّه مع جمع من الأنصار يتحدث معه سعد بن عُبادة ، إذ أتى سهيل بن عمرو ومعه حُويطب بن عبد العزّى ، فقال له سهيل بن عمرو : قد انقضى أجلك ، فاخرج عنّا ! فقال النبيّ : وما عليكم لو تركتموني فأعرستُ بين أظهركم فصنعتُ لكم طعاماً ؟ فقالا : لا حاجة لنا في طعامك ، اخرج عنّا ، ننشدك اللّه ـ يا محمد ـ والعهد الذي بيننا وبينك إلاّ خرجت من أرضنا ! فهذه الثلاث قد مضت .

 

        فغضب سعد بن عُبادة وقال لسهيل : كذبت ـ لا اُمّ لك ـ ليست بأرضك ولا أرض أبيك ! واللّه لا يبرح منها إلاّ طائعاً راضياً !

        فتبسّم رسول اللّه وقال لسعد : يا سعدُ لا تؤذ قوماً زارونا في رحالنا . ثم قال لأبي رافع ( القبطي ) : لا يُمسينّ بها أحد من المسلمين(3) .

 

واُعيدت الأصنام :

        أثبتُّ شروط صلح الحُديبية عن تفسير القمي ، وكل ما فيه بشأن عمرة


(1) مغازي الواقدي 2 : 738 عن عطاء الخراساني ـ وهو عطاء بن أبي رباح مولى ابن عباس ـ عن سعيد بن المسيب . بينما روى ابن اسحاق عن عطاء ومجاهد ، والواقدي عن عِكرمة عن ابن عباس : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خطبها وهو محرم وتزوّجها وهو محرم ، وفي ابن هشام : وهو حرام 4 : 14 . مع أنهم جميعاً ذكروا أنه دخل فطاف وسعى ونحر !

(2) سيرة ابن هشام 4: 14. وكانت قبله عند أبي سبرة بن‏أبي رهم العامرياعلام الورى 1: 278.

(3) مغازي الواقدي 2 : 739 ، 740 وانظر سيرة ابن هشام 4 : 14 .

(115)

القضاء هو : « وأن محمداً يرجع عنهم عامهم هذا ، وأصحابه ، ثم يدخل علينا في العام القابل مكة ، فيقيم فيها ثلاثة أيام » وكذلك في سائر مصادر السيرة والتاريخ .

 

        ولذا فهنا قال : إنّ قريشاً كانت قد وضعت أصنامها بين الصفا والمروة ، وكانوا يتمسّحون بها إذا سعوا . فلما كان من أمر رسول اللّه ما كان في الحديبية وصدّوه عن البيت وشرطوا له أن يخلوا له البيت في عام قابل حتى يقضي عمرته ثلاثة أيام ثم يخرج عنها . فلما كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكة وقال لقريش : ارفعوا أصنامكم من بين الصفا والمروة حتى أسعى . فرفعوها ، فسعى رسول اللّه بين الصفا والمروة وقد رُفعت الأصنام(1) .

        هذا وقد مرّ أن رسول اللّه أرسل إليهم أن يدخل الكعبة فأبوا وقالوا : لم يكن فى شرطك(2) وهذا هو المنسجم مع أخلاق مشركي قريش ، فكيف بما هو فوقه من رفع الأصنام بلا شرط في الصلح سابق ؟ !

 

        وتمام كلام القمي : فلما فرغ رسول اللّه من الطواف ردّت قريش الأصنام بين الصفا والمروة .. وبقي رجل من المسلمين من أصحاب رسول اللّه لم يطف .. فجاء الرجل الذي لم يسع إلى رسول اللّه فقال : قد ردّت قريش الأصنام بين الصفا والمروة ولم أسع ؟ ! فأنزل اللّه عزّ وجل : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه‏ِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. »(3) .

        وفي « فروع الكافي » و« تفسير العياشي » عن الصادق عليه‏السلام قال : « إنّ رسول اللّه كان ( من ) شرطه عليهم : أن يرفعوا الأصنام .. فتشاغل رجل من أصحابه حتى


(1) تفسير القمي 2 : 64 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 738 .

(3) تفسير القمي 2 : 64 .

(116)

اُعيدت الأصنام ، فجاؤوا إلى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فسألوه : إنّ فلاناً لم يطُف ( أي لم يَسْعَ ) وقد اُعيدت الأصنام ؟ فأنزل اللّه : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه‏ِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. » قال : أي والأصنام عليها »(1) .

 

        ولعل هذا الخبر ومثله هو الذي أشار إليه الطوسي في « التبيان » وخصّ الأصنام فقال : هذا جوابٌ لمَن توهم أن في السعي بهما جناحاً ، لصنمين كانا عليهما : إساف ونائلة . روي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهماالسلام ، وقال به الشِعبي وكثير من أهل العلم . ولكنه واصلَ قائلاً : وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد ، وكانت الأصنام على حالهاحول الكعبة .

 

        فلو كانت الأصنام حول الكعبة أيضاً في الطواف بها قبل السعي ، فما الذي خصَّ توهّم الجناح في السعي دون الطواف بالكعبة من قبل ؟ ! ولعله لدفع هذا أضاف :

        وقال قوم : سبب ذلك : أنّ أهل الجاهلية كانوا يطوفون بينهما فظنّ المسلمون أنّ ذلك من أفعال الجاهلية ، فأنزل اللّه الآية(2) .

        وقد ورد هذا في « فروع الكافي » في حديث حجّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون ، فأنزل اللّه : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ .. » فبعد ما طاف ( النبي ) بالبيت وصلى ركعتيه ( قرأ ) : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ ... » وقال : أبدأ بما بدأ اللّه عزّ وجل(3) .

 



(1) تفسير العياشي 1 : 70 وفي فروع الكافي 4 : 435 ، الحديث 8 .

(2) التبيان 2 : 44 .

(3) فروع الكافي 4 : 245 ، الحديث 4 .

(117)

        وقد اعتمد الطبْرسي في « مجمع البيان » على هذا الخبر ، ثم قال : ورويت رواية اُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‏السلام ، فروى الخبر السابق عن « الكافي » و« تفسير العياشي » في شرط النبيّ ورفع الأصنام وإعادتها(1) .

 

        وفيه عنه عليه‏السلام أيضاً قال :كان على الصفا والمروة أصنام ، فلما أن حجّ الناس لم يدروا كيف يصنعون ؟ فأنزل اللّه هذه الآية : « إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ .. » فكان المسلمون يسعون والأصنام على حالها(2) .

 

        والتنافي بين الروايتين في شأن النزول ظاهر(3) بل بين الروايات ، فلا بدّ من ترجيح . وقد مرّ أنّ النبيّ أمر بلالاً فأذّن فوق ظهر الكعبة ، فهل أذّن بين ظهراني الأوثان ؟ ولو كان لذكر لغرابته . ولو كانت الأصنام منصوبة على المروة وقد قدّموا هدْيَهم عندها لكان غريباً يذكر ، وضبط الألفين من المسلمين وانضباطهم عن أن يمدّ أحدهم يده أو لسانه بالإهانة إلى الأوثان والأصنام في المسعى وحول البيت الحرام مستبعَد جدّاً أيضاً ، ولا أقل من خوف المشركين من ذلك وقد شرطوا للنبيّ أن يُخلوا له مكة الكعبة والمسجد والمَسعى ، وهذا مما يقرّب قبولهم لاشتراط النبي عليهم رفع الأصنام ، أقرب من أن يبقوا في خوف وحذر من أن لا تُمسّ أصنامهم بسوء بيد أو حتى لسان ولعلهم جمعوها داخل البيت ، ولذلك لم يسمحوا للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بدخول البيت . ومهما كان فلا أقل من محاولة النبيّ والمسلمين اشتراط رفعها عليهم ، بينما لم يُذكرفي سوى هذا الخبر عن الصادق عليه‏السلام . فأظنّ أنّ هذه كلها مرجّحات إلى جانبه ، دون سائر الأخبار .

 


(1) مجمع البيان 1 : 440 .

(2) تفسير العياشي 1 : 71 .

(3) وانظر الميزان 1 : 387 .

(118)

 

عليّ وابنة عمه حمزة عليهماالسلام :

        كان حمزة بن عبد المطلب قد ارتضع من ثويبة مولاة أخيه أبي لهب ، وارتضع منها رسول اللّه ، فكانا أخوين من الرضاعة . وتزوّج حمزة سلمى بنت عُميس الخثعمية وتزوّج اختها أسماء جعفر بن أبي طالب ، فكانا عديلين . وهاجر حمزة وحده ، وآخى النبي بين أصحابه فآخى بين عمّه حمزة ودعيّه زيد بن حارثة ، فكانا أخوين في الهجرة ، فأوصى إليه في اُحد قبل شهادته(1) .

        فلما اعتمر النبيّ عمرة القضاء وأحلّ من إحرامه وخطب من عمّه ميمونة الهلالية اخت اُمّ الفضل ، ذكّره علي عليه‏السلام بابنة عمّه حمزة ( عُمارة ) فقال : أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة ، هي ابنة أخي من الرضاع(2) فقال عليه‏السلام : فعلامَ نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهري المشركين ؟ ! فأذن له النبيّ أن يخرجها معه ، فأخرجها(3) .

 

 

الخروج من مكة :

        وركب رسول اللّه ،وتتامّ الناس ، ولكنه خلّف ابا رافع ليحمل إليه زوجته ميمونة حين يُمسي ، فأقام ابو رافع لذلك(4) . فلما خرجوا وأخرج عليّ عليه‏السلام ابنة حمزة وعلم بذلك زيد بن حارثة زعم أ نّها ابنة أخيه وأنه كان وصيّه فهو أولى بها !

        فلما سمع ذلك جعفر قال : بل أنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء


(1) مغازي الواقدي 2 : 738 .

(2) فروع الكافي 5 : 437 ، الحديث 4 و 5 ، و 445 ، الحديث 11 ، والفقيه 3 : 260 ، الحديث 21 ، والتهذيب 7 : 292 ، الحديث 5 ، ومغازي الواقدي 2 : 739 قال : فقيل للنبيّ ولم يسم عليّاً عليه‏السلام .

(3) مغازي الواقدي 2 : 738 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 740 ، وسيرة ابن هشام 4 : 14 .

(119)

بنت عُميس ، والخالة والدة . فقال رسول اللّه : أنا أحكم بينكم ثم التفت إلى زيد وقال له :

 

        أما أنت يا زيد فمولى اللّه ورسوله . ثم التفت إلى علي عليه‏السلام وقال له(1) : وأما أنت يا عليّ فأنت مني وأنا منك ، وأنت وليّكل مؤمن بعدي(2) ثم قال لجعفر : وأما أنت يا جعفر فتُشبه خَلقي وخُلُقي ، وأنت يا جعفر أحق بها ، تحتك خالتها ، ولا تُنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها(3) وقال : الخالة والدة(4) .

        وأقام ابو رافع القبطي فيمكة حتى أمسى فخرج بميمونة ومَن معها ، فجعل سفهاء المشركين يؤذونهم والنبيّ بألسنتهم ، ولم يبطشوا بهم ، وقال لهم أبو رافع : افعلواما شئتم ،فهذه واللّه الخيل والسلاح ببطن يأجَج ! وبلغوا بطن يأجَج فإذا بالخيل قد وقفت لهم هنالك ، فلما وصلوا ساروا معهم إلى سَرِف(5) حيث بات النبيّ والمسلمون ، فوصلوا إليها وقد ذهب عامّة الليل . وهناك بُنيت للنبيّ قبّة فعرس بالهلالية(6) . واُعدّ لرسول اللّه حَيْس(7) غير قليل فأطعمه الناس وليمةً


(1) مغازي الواقدي 2 : 739 .

(2) كتاب سليم بن قيس عنه عليه‏السلام : 116 وعن الحسين عليه‏السلام : 208 بينما اكتفى الواقدي بـ : فأخي وصاحبي !

(3) مغازي الواقدي 2 : 739 ورواه القاضي النعمان المصري في دعائم الإسلام 2 : 235 وعوالي اللآلي 1 : 43 وقارن بعلل الشرائع 1 : 499 . وتمام الخبر في مغازي الواقدي : ثم زوّجها رسول اللّه سلمة المخزومي ابن اُمّ سلمة زوجته ، فقال : هل جزيت سلمة ؟ لانه هو الذي تولى تزويجه باُمّه .

(4) أمالي الطوسي : 342 برقم 700 .

(5) على عشرة أميال = 22 كم من مكة . اعلام الورى 1 : 278 .

(6) مغازي الواقدي 2 : 740 ، 741 .

(7) تمر ينزع نواه ويعجن بالسمن والأقط .

(120)

لزواجه بها(1) . ثم ارتحل فرجع إلى المدينة في ذي الحجة .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y07-p12.htm