فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

كتابه إلى أكثم بن صيفي التميمي :

        وأما سائر كتبه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للدعوة إلى الإسلام فمنها ما هو معلوم التاريخ للسنة الثامنة حتى العاشرة ، ومنها ما هو مجهول التاريخ ولكنّه مرجّح الالحاق بما هو معلوم التاريخ . وإنّما يبقى من مجهول التاريخ الذي يرجح تقديمه هنا كتابه إلى أكثم بن صيفي التميمي من حكماء العرب المعروفين . وقد روى خبره الصدوق في « كمال الدين » في الباب السابع والخمسين في المعمّرين ، وبدأ خبره بشعره قال :

 وإن امرأً قد عاش تسعين حِجةً  إلى مئةٍ لم يسأم العيش ، جاهل
 خلت مئتان غير ستّ وأربع  وذلك من عدّ الليالي قلائل

        قال : ولم تكن العرب تقدم عليه أحداً في الحكمة . ولما سمع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طلب ابنه حليساً أن يبعثه ليعرف خبره وقال له : يا بني .. إذا قدمت على هذا الرجل فإنّي قد عرفته وعرفت نسبه ، فهو في بيت قريش أعزّ العرب ، وهو أحد الرجلين : إمّا ذو نفس أراد مُلكاً فخرج المُلكُ لغيره ، فوقِّره وشرّفه وقم بين يديه ولا تجلس إلا بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك ، فإنّه ـ إن كان ذلك ـ ادفع لشره عنك وأقرب لخيره منك . وأمّا إن كان نبياً فإن اللّه لا يحب فيتوهم ، ولا ينظر فيحتم ، إنّما يأخذ الخيرة حيث يعلم ، لا يخطئ فيستعيب ، انّما أمره على ما يحب ، فستجد أمره كله

(93)

صالحاً وخبره كله صادقاً ، وستجده متواضعاً في نفسه متذللاً لربّه ، فذلّ له ، ولا تحدثن أمراً دوني ، فإنّ الرسول إذا أحدث الأمر من عنده خرج من يدي الذي أرسله . واحتفظ بما يقول لك إذا ردّك إلي ، فإنّك إن توهمت أو نسيت جشّمتني رسولاً غيرك . وكتب معه إليه :

 

        « باسمك اللّهم ، من العبد إلى العبد ، أمّا بعد ، فأبلغنا ما بلغك ، فقد أتانا عنك خبر ما ندري ما أصله ، فإن كنتَ رأيت فأرنا ، وإن كنتَ عُلّمت فعلِّمنا ، وأشركنا في كنزك ، والسلام »(1) .

        وذكر ابن حجر(2) وابن الأثير(3) وابن عبد البر(4) أ نّه انتدب عنه رجلين ( ولعلهما ابناه : جيش وحليس ) فلما وصلا إلى رسول اللّه قالا له : نحن رسولا أكثم ابن صيفي وهو يسألك : من أنت ؟ وما أنت ؟ وبمَ جئت ؟ فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أنا محمد بن عبد اللّه ، وأنا عبد اللّه ورسوله . ثم تلا هذه الآية : « إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »(5) .

 

        وذكروا : أنّ رسول اللّه كتب إليه :

 

        « من محمد رسول اللّه إلى أكثم بن صيفي ، أحمد اللّه إليك . إنّ اللّه تعالى أمرني أن أقول : لا إله إلاّ اللّه ، وأمر الناس بقولها ، والخلق خلق اللّه ، والأمر كله للّه ، خلقهم وأماتهم ، وهو ينشرهم وإليه المصير . أدبتكم بآداب المرسَلين ، ولتسألنّ عن النبأ العظيم ، ولتعلمنّ نبأه بعد حين » .


(1) كمال الدين : 530 ، 531 وكنز الفوائد 2 : 123 .

(2) في الإصابة 1 : 110 .

(3) في اُسد الغابة 1 : 112 .

(4) في الاستيعاب : 128 في ترجمة الأحنف بن قيس التميمي .

(5) النحل : 90 .

(94)

        فلما رجعوا إليه بالكتاب قال لابنه : يا بني ماذا رأيتَ ؟ قال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن مَلائمها .

        فجمع أكثم بن صيفي بني تميم ثم قال لهم : يا بني تميم ، كبرت سنّي ودخلتني ذلة الكبَر ، فإن رأيتم منّي حسناً فأتوه وإذا انكرتم مني شيئاً فقوّموني للحق أستقم له . إنّ ابني قد جاءني ، وقد شافه هذا الرجل ، فرآه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويأخذ بمحاسن الأخلاق وينهى عن مَلائمها ، ويدعو أن يُعبد اللّه وحده وتُخلع الأوثان ويترك الحلف بالنيران . ويذكر أنه رسول اللّه ، وإنّ قبله رسلاً لهم كتب .

        وإنّ أحق الناس بمعاونة محمد ومساعدته على أمره انتم ، فإن يكن الذي يدعوكم إليه حقاً فهو لكم ، وإن يكن باطلاً كنتم أحق من كفّ عنه وستر عليه . وقد علم ذوو الفضل منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به ، فكونوا في أمره أوّلاً ولا تكونوا آخراً ، اتبعوه تشرفوا وتكونوا سنام العرب ، وأتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين ، فإنّي أرى أمراً ما هو بالهوينا لا يترك مصعداً إلاّ صعده ، ولا منصوباً إلاّ بلغه . إنّ هذا الذي يدعو إليه إن لم يكن ديناً لكان في الأخلاق حسناً .

        أطيعوني واتبعوا أمري ، أسأل لكم ما لا ينزع منكم أبداً ، انّكم أصبحتم أكثر العرب عدداً وأوسعهم بلداً ، وانّي لأرى أمراً لا يتبعه ذليل إلا عزّ ، ولا يتركه عزيز إلاّ ذل . اتبعوه تزدادوا مع عزكم عزّاً ولا يكون أحد مثلكم إنّ الأول لا يدع للآخر شيئاً ، وهذا شيء له ما بعده ، فمَن سبق إليه فهو الباقي واقتدى به التالي ، فأصرموا أمركم فإنّ الصريمة قوة .

        فقال مالك بن نويرة ـ وهو منهم ـ لقد خرف شيخكم ! ( ولم يسلم بعد ) . فقال أكثم : ويل للشجّي من الخلّي(1) واللّه ما عليك آسى ولكن على العامة . ثم نادى


(1) كمال الدين : 531 ، 532 .

(95)

في قومه من يرحل معه ، فتبعه منهم مئة رجل .. فساروا حتى كانوا دون المدينة بأربع ليال .. وجهدهم العطش ، وأيقن أكثم بالموت فقال لأصحابه : أقدموا على هذا الرجل واعلموا بأ نّي أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأ نّه رسول اللّه . وانظروا إن كان معه كتاب بايضاح ما يقول فآمنوا به واتبعوه وآزروه . فقدموا المدينة وأسلموا(1) .

 

 

سرية ابن سعد إلى فدك :

        أفاء اللّه على رسوله قرى فدك ، وما أوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، وسلّط اللّه رسوله عليهم وعلى قُراهم وضياعهم ومزارعهم ، فكانت لرسول اللّه خاصة .

        وأرى أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بلغه أنّ بعض الأعراب من بني مرّة ، ولعلهم ممن حضر حرب الأحزاب ، يرعون في بوادي فدك ولا يراعون له أمراً ..

        قال الواقدي : فبعث ثلاثين رجلاً مع بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك(2) فخرج إليهم ، فلقى أنعامهم معها رُعاتها ، فساقها منحدراً إلى المدينة . وخرج صريخهم فأخبرهم ، فأدركوهم ليلاً ، فباتوا يرامونهم حتى الصباح ، ثم حمل عليهم المرّيون فقاتل بشير بن سعد حتى جُرح وسقط وظنوا أنه قتل ، وقُتل من قُتل وولّى من ولّى ، ورجع المرّيون بأنعامهم . ورجع بشير ، وقبله من أصحابه عُلبة بن زيد الحارثي وأخبر النبيّ .


(1) جمهرة رسائل العرب عن سرح العيون : 14 . وكذلك قال الكراجكي . وقال الصدوق : لا يشك الأكثر في أ نّه لم يسلم . وقال ابن عبد البر : لم يصح إسلامه في حياة رسول اللّه . وانظر مكاتيب الرسول 1 : 155 ـ 158 .

(2) وقال المسعودي : سرية بشير في شعبان إلى بني مرة بفدك . التنبيه والاشراف : 227 .

(96)

        وقدم غالب بن عبد اللّه من سرية ، فعقد النبي له اللواء وهيّأ معه مئتي رجل وقال له : سِر حتى تنتهي إلى حيث اُصيب أصحاب بشير ، فإن ظفّرك اللّه بهم فلا تُبِق منهم ! وخرج غالب بالسرية . فلما دنا منهم بعث عليهم الطلائع ، فأوفى عُلبة بن زيد على جماعة منهم ورجع إلى غالب فأخبره . فأقبل غالب يسير ليلاً حتى إذا كان منهم بمنظر العين ، وقد احتلبوا ابلهم وسقوها وأناخوها عند الماء وهدؤوا . ثم قام غالب في أصحابه فألف بين كل اثنين منهم وقال لهم : لا يفارق كل رجل زميله ، وإياكم أن يرجع إلي أحدكم فأقول : أين فلان صاحبك فيقول : لا أدري ! ثم قال لهم : إذا كبّرت فكبّروا . فكبّر وكبّروا وأخرجوا السيوف وأحاطوا بحاضرتهم ، فخرج إليهم الرجال فقاتلوهم ساعة ، فقتل منهم من قُتل ، واستولوا على النساء والماشية ، واقتسموها فكانت سهامهم لكل رجل عشرة ابعرة أو عدلها من الغنم ، وكان يُحسب الجزور بعشرة من الغنم .

        وافتقدوا اُسامة بن زيد ، وكان قد خرج فى إثر رجل منهم يُقال له نهيك بن مِرداس .. فلم يرجع إلاّ بعد ساعة من الليل . قال الراوي : فلامه آمِرنا لائمة شديدة وقال : ألم تر إلى ما عهدتُ إليك ؟ فقال : انّي خرجت في إثر رجل جعل يتهكّم بي ، حتى إذا دنوت ولحمته بالسيف قال : لا إله إلاّ اللّه . فقال آمِرنا : أغمدتَ سيفك ؟ قال : لا واللّه ما فعلتُ حتى أوردته الموت ! فقلنا له : واللّه بئسما جئت به ! تقتل امرأً يقول لا إله إلاّ اللّه ! فندم(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 723 ـ 725 . وفي : 723 قال : كان ذلك في شعبان . وقال المسعودي : في شهر رمضان إلى المَيفعة وراء بطن نخل إلى ناحية النقرة مما يلي نجداً على ثمانية بُرد من المدينة ، التنبيه والاشراف : 227 . وثمانية بُرد = 680 كم تقريباً .

(97)

        والقمي في تفسيره سمّى الرجل مرداس بن نهيك الفدكي اليهودي وقال : انّه لما أحسّ بخيل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جمع ماله وأهله وصار في ناحية الجبل ، فمرّ به اُسامة بن زيد ، فجعل يقول : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه ، وطعنه اُسامة فقتله . فلما رجع إلى رسول اللّه أخبره بذلك ، فقال له رسول اللّه : قتلت رجلاً شهد أن لا إله إلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ؟ ! فقال : يا رسول اللّه انّما قال تعوّذاً من القتل ! فقال رسول اللّه : فلا الغطاء عن قلبه شققت ، ولا ما قال بلسانه قبلت ، ولا ما كان في نفسه علمت ! فحلف أنه بعد ذلك لا يقتل أحداً شهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه . وأنزل اللّه في ذلك : « يَا أَ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ ألقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا »(1) .

 



(1) النساء : 94 والخبر في تفسير القمي 1 : 148 ، 149 وفي آخره : فتخلّف اُسامة عن أمير المؤمنين في حروبه . وروى الطوسي في التبيان 3 : 290 عن أبي الجارود عن الباقر عليه‏السلام : أنّ الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل ، كان قد أسلم ، وكان أخوه أبو جهل يعذّبه ومعه الحارث بن يزيد العامري ، وكان في وثاق المشركين حتى يوم فتح مكة ، فلقى حارثاً وقد أسلم وهو لا يعلم بإسلامه فقتله عياش . ونقله الطباطبائي في الميزان ونقل عن الدر المنثور عن عِكرمة : أنّ عياشاً هاجر فلقى الحارث في حرة المدينة وهو لا يعلم بإسلامه فقتله ، ثم أخبر النبيّ فنزلت الآية فقال له النبيّ : قم فحرّر . ثم قال : وهذا أوفق بالاعتبار وأنسب لتاريخ نزول سورة النساء . الميزان 5 : 42 وانما يراه أوفق وأنسب بالنسبة إلى الآيات السابقة : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنا إِلاَّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... » أما مع الآية الأخيرة : « يَا أَ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا .. » فلا وفق ولا تناسب . î؛

    ونقل الطوسي عن أبي زيد خبراً كخبر اُسامة منسوباً إلى أبي الدرداء ، وهو ما نقله الطبري في جامع البيان ، ثم قال الطوسي : ويجوز في سبب نزول الآية كل واحد مما قيل . التبيان 3 : 290 ، 291 ولم ينقل خبر اُسامة .

    أما الطبرسي في مجمع البيان 3 : 145 فقد بدأ بخبر اُسامة وأشار إلى خبر أبي الدرداء وآخر أن صاحب السرية كان المقداد ، ثم نقل عن ابن اسحاق والواقدي : أنّ الآية نزلت في محلّم بن جثّامة الليثي وكان بينه وبين عامر بن الاضبط الاشجعي عداوة ، بعث النبيّ الليثي في سرية فلقي الأشجعي فحياه الأشجعي بتحية الإسلام ولكن الليثي رماه بسهم فقتله ، وطلب من النبيّ أن يستغفر له فقال له : لا غفر اللّه‏ لك ، فانصرف باكياً ثم هلك بعد سبعة ايام فدفن فلفظته الأرض ، فاُخبر النبيّ فقال : انّ الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم محلّم ولكن اللّه‏ أراد أن يعظم من حرمتكم . ونزلت الآية .

    والطباطبائي في الميزان نقل الوجوه عن الدر المنثور ، ثم قـال : ولكن حلف اُسامة واعتذاره إلى علي عليه‏السلام في تخلّفه عن حروبه معروف مذكور في كتب التاريخ 5 : 45 يرى أن هذا ما يرجّح صحة خبر اُسامة بن زيد . وابن اسحاق ذكر مختصر الخبر في سيرة ابن هشام 4 : 271 .

(98)

 

سريتان إلى هوازن :

        روى الواقدي بسنده عن سلَمَة بن اياس قال : أمّر رسول اللّه علينا أبا بكر وبعثه ، فبيّتنا ناساً من هوازن في نجد ، وكان شعارنا أمت أمت ، فقتلت بيدي منهم سبعة رجال أهل أبيات . وذلك في شعبان سنة سبع .

        قال : وفيه أيضاً بعث رسول اللّه عمر في ثلاثين رجلاً إلى عَجُز هوازن ـ وهم بنو جُشم وبنو نصر ـ في تربة(1) ومعه دليل من بني هِلال ، فكانوا يسيرون


(1) تُرَبة : موضع على أربع ليال من مكة على طريق صنعاء اليمن كما في ابن سعد 2 : 85 . والتنبيه والاشراف : 227 .

(99)

الليل ويكمنون النهار ، ولكن خبرهم بلغ هوازن فهربوا فلم يلق عمر أحداً منهم ، فانصرف راجعاً إلى المدينة(1) .

 

 

سرية بشير إلى غطَفان :

        مرّ في أخبار خيبر : أن كنانة بن أبي الحُقيق أمير يهود خيبر كان قد سار إلى عُيينة بن حصن الغطفاني ومعه منهم أربعة آلاف(2) يدعوهم إلى نصرهم ولهم نصف تمر خيبر تلك السنة(3) وأنهم أجابوهم حتى دخلوا معهم في حصن النطاة ، ولكنهم خافوا فخانوهم(4) .

        وكان دليل الرسول إلى خيبر حُسيل بن نويرة الأشجعي ، وبعد خيبر في سنة سبع كان في موضع الجِناب(5) لغطفان وقدم المدينة على رسول اللّه ، فسأله : من أين يا حُسيل ؟ قال : قدمت من الجِناب . فقال : وما وراءَك ؟ قال : تركت جمعاً من غطَفان بالجِناب قد بعث إليهم عُيينة بن حصن يقول لهم : إمّا تسيروا إلينا أو نسير إليكم ؟ فأرسلوا إليه : أن سِر إلينا حتى نزحف إلى محمد جميعاً . فهم يريدونك أو بعض أطرفك ! فقال ابو بكر وعمر : ابعث إليهم بشير بن سعد !

 

        فدعا رسول اللّه بشيراً وعقد له لواءً ، وبعث معه ثلاثمئة رجل ، وأمرهم : أن يسيروا الليل ويكمنوا النهار ـ وخرج معهم حُسيل بن نُويرة دليلاً ـ فساروا الليل


(1) مغازي الواقدي 2 : 722 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 650 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 642 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 650 .

(5) قال المسعودي : سرية بشير في شوال إلى يُمن وجُبار نحو الجِناب بعرض خيبر ووادي القرى . التنبيه والاشراف : 228 .

(100)

وكمنوا النهار حتى نزلوا منزل سَلاح أسفل خيبر ، وخرجوا منه ودنوا من القوم ، فقدّموا الدليل طليعة يأتيهم بالخبر ، فغاب عنهم ساعة ثم كرّ عليهم فأخبرهم عن سَرْح القوم ونعمهم ، فأغاروا عليها فأصابوا نعماً كثيراً ، وخرج الرُّعاة فحذّروا جمعهم فلحقوا بعَلياء بلادهم . وخرج بشير بأصحابه حتى أتى محالّهم فلم يجد بها منهم أحداً ، فرجع بالأنعام ، حتى بلغوا الى سَلاح فلقوا جمع عُيينة بن حصن فناوشوهم فانكشفوا عنهم ، وأصاب المسلمون منهم رجلاً أو رجلين أسروهما أسراً وقدموا بهما على النبيّ فأسلما ، فأرسلهما(1) صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y07-p10.htm