فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
أهم حوادث السنة السابعة للهجرة أهم حوادث السنة السابعة للهجرة
أمر خيبرأمر خيبر
كتبه إلى يهود خيبر
التهيؤ للغزو
موقف يهود المدينة
خروج النسوة إلى خيبر
المسير نحو خيبر
موقف يهود خيبر
بين اليهود وحلفائهم
هداية ... وأمانة
واصطفوا للقتال
وتحوّلوا في الليل
اليوم الثاني
اليوم الثالث
مقامه على حصون النطاة
حصار حصن الزَّبير
من الرجيع إلى المنزلة
حصن النِّزار بالشِّق
صَفيّة بنت حُييّ بن أخطب
حصون الوطيح وسُلالِم والكتيبة
مصالحة أهل الحصون الثلاثة
فروة بن عمرو على الغنائم
و نهى عن الربا المعاملي
وصول جعفر إلى خيبر
و أما أمر فدك
الشاة المشويّة
زواج النبيّ بصفيّة
خبر ردّ الشمس لعلي عليه‏السلام
خبر فتح خيبر في مكة
يهود وادي القرى وتيماء
فوات الصلاة ؟!
و انتهى إلى المدينة
و من أخبار الصُفّة
في دار النبيّ بعد خيبر
وصول مارية وهدايا المُقَوقس
نزول سورة الرعد
تاريخ حرب خيبر
و كتب إلى كسرى
تذكير بمناسبة
دعاة الإسلام في الشام
سريّة زيد إلى حِسمى
كتابه إلى أكثم بن صيفي التميمي
سرية ابن سعد إلى فدك
سريتان إلى هوازن
سرية بشير إلى غطَفان
كتابه إلى أمير اليمامة
القَسامة ، والدّية من بيت المال
تقسيم محاصيل خيبر
عمرة القضاء
مبعوث قريش
أذان بلال
زواج النبيّ بميمونة
واُعيدت الأصنام
عليّ وابنة عمه حمزة عليهماالسلام
الخروج من مكة
وأين خالد بن الوليد؟
سرية السُلَمي إلى بني سُليم
نزول سورة الدهر في ذي الحجة
ما تبقّى من آيات الأحزاب
آية التطهير
وسلِّموا له تسليماً
أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة أهم حوادث السنة الثامنة للهجرة
أهم حوادث السنة التاسعة للهجرةأهم حوادث السنة التاسعة للهجرة
أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة أهم حوادث السنة العاشرة للهجرة
أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة أهم حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 3: العصر النبوي - العهد المدني
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1421 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-19-2
عدد صفحات: 812

مقامه على حصون النطاة :

        قال الواقدي : كان مقامه بالرجيع سبعة أيام ، يترك المعسكر كل يوم بالرجيع يستخلف عثمان بن عفان ، ويغدو كل يوم بالمسلمين على راياتهم ... وكان قد قاتل أول يوم من أسفل النطاة ثم عاد فقاتلهم من أعلاها ، يقاتلهم كل يوم الى الليل ، فاذا أمسى رجع الى الرجيع ... ومن كان يجرح من المسلمين فإن كان به أن يمشي انطلق الى المعسكر في الرجيع ، والاّ فيحمل الى المعسكر فيداوى فيه ... حتى فتح اللّه له .

        قالوا : وكان رسول اللّه في مقامه بالرجيع سبعة ايام يناوب بين اصحابه في حراسة الليل ، فلما كانت الليلة السادسة من السبع استعمل لذلك عمر بن الخطاب ، فطاف عمر باصحابه حول العسكر وفرّقهم لذلك .

        فكان كعب بن مالك يحدّث : أن رجلاً من اليهود من أهل النطاة نادانا ليلاً ونحن بالرجيع : أنا آمن وابلّغكم ؟ قلنا : نعم ، ثم ابتدرناه فكنت أول من سبق اليه ،


(1) مغازي الواقدي 2 : 654 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 655 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 679 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 657 .

(34)

فقلت له : ما أنت ؟ فقال : رجل من اليهود ، فأدخلناه على رسول اللّه . فقال له : يا أبا القاسم تؤمنني وأهلي على أن أدلّك على عورة اليهود ؟ فقال رسول اللّه : نعم . فقال اليهودي : خرجت من حصن النطاة من عند قوم ليس لهم نظام ، تركتهم يتسللون من الحصن في هذه الليلة . فقال رسول اللّه : فأين يذهبون ؟ قال : الى أذل مما كانوا فيه الى الشقّ ، وقد رُعبوا منك ، حتى انّ أفئدتهم لتخفق . وهذا حصن اليهود فيه السلاح والطعام والوَدك ( اللحم ) وفيه آلة حصونهم التي كانوا يقاتلون بها ... قد غيّبوا ذلك في بيتٍ من حصونهم تحت الارض . قال رسول اللّه : وما هو ؟ قال : منجنيق مفكّكة ودبّابتان ، وسلاح من دروع وبيض وسيوف ، فاذا دخلت الحصن ـ قال رسول اللّه : ان شاء اللّه ـ فقال اليهودي : ان شاء اللّه اوقفك عليه ، فانه لا يعرفه احد من اليهود غيري . واخرى ! فقيل : وما هي ؟ قال : تستخرجه ( المنجنيق ) ثم انصبه على حصن الشق ، وتُدخل الرجال تحت الدبابتين فيحفرون الحصن فتفتحه من يومك ، وكذلك تفعل بحصن الكتيبة .

 

        ثم قال اليهودي : يا أبا القاسم ، احقن دمي ! قال : أنت آمن . قال : ولي زوجة في حصن النِزّار فهبها لي . قال : هي لك .

        ثم قال رسول اللّه : ما لليهود حوّلوا ذراريهم من النطاة ؟ قال : جرّدوها للمقاتلة ، وحوّلوا الذراري الى الشق والكتيبة . ثم دعاه رسول اللّه الى الاسلام ، فقال : أنظرني أياما(1) .

        ثم روى عن معتّب الاسلمي قال : لما قدمنا خيبر أقمنا عشرة أيام على حصن النطاة لانفتح ( حصنا ) فيه طعام ، فاتّفق بنو أسلم أن يرسلوا أسماء بن حارثة الاسلمي ليشكو حالهم الى النبي ، فقالوا له : ائت رسول اللّه فقل له : ان أسلم يقرؤنك السلام ويقولون : إنا جهدنا من الجوع والضعف .

 


(1) مغازي الواقدي 2 : 645 ـ 648 .

(35)

        فجاءه اسماء بن حارثة فقال : يا رسول اللّه ، ان اسلم تقول : انا قد جهدنا من الجوع والضعف فادع اللّه لنا . فدعا لهم رسول اللّه فقال : اللهم افتح عليهم اعظم حصن فيه اكثره طعاما وودكا ( لحما ) ودفع اللواء الى الحُباب بن المنذر بن الجموح .

        وندب رسول اللّه الناس معه فنهضوا ... وانتهوا الى حصن الصعب بن مُعاذ وان عليه لخمسمئة مقاتل ، وكان حصن اليهود فيه الطعام والودك والماشية والمتاع .

        وبرز من الحصن رجلٌ يقال له يوشع ، يدعو الى البراز ، فبرز اليه الحُباب بن المنذر فاختلفا ضربات فقتله الحُباب . وبرز آخر يقال له الزيّال ، فبرز له عمارة بن عقبة الغفاري ، فبدره الغفاري فضربه ضربة على هامته وهو يقول : خُذها وأنا الغلام الغفاري ! فقال الناس : بطل جهاده ! فبلغ ذلك رسول اللّه فقال : ما به بأس ، بل يؤجر ويحمد(1) .

        وروى عن سلمة بن سنان الاكوع قال : غدا ( عمي ) عامر بن سنان ( الاكوع ) فلقي رجلاً من اليهود فبدره اليهودي وضربه ، فاتقاه عامر بدرقته فنبا سيف اليهودي عنه ، وضرب عامر رجل اليهودي فقطعها ورجع السيف عليه فأصابه ذبابة ، فنزف حتى مات . فقال اُسيد بن حُضير : حبط عمله ! فبلغ ذلك رسول اللّه فقال : كذب من قال ذلك ! إنّ له لاجرين : انه جاهدٌ مجاهدٌ ، وانه ليعوم في الجنة عَوْم الدعموص(2) .

 

        قال : وكان قد حمل الى الرجيع فقبر مع محمود بن مَسلمة في غار(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 658 ـ 660 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 661 ، 662 . والدعموص : الدخّال في الأُمور ، أي انه سياح في الجنة دخّال في منازلها لا يمنع من موضع ، راجع النهاية 2 : 120 .

(3) مغازي الواقدي 2 : 658 . وروى مقتله ابن اسحاق في السيرة 3 : 343 . قال : بلغني أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه ، فشك المسلمون فيه وقالوا : î؛ انما قتله سلاحه . فاخبر ابن اخيه سلمة بن سنان الاكوع رسول اللّه وسأله عن ذلك فقال رسول اللّه : إنه لشهيد ، وصلى عليه ، فصلى عليه المسلمون معه . وروى معناه الطبرسي في مجمع البيان 9 : 181 ، 182 .

(36)

        واستمر حصار حصن الصعب بن معاذ ثلاثة ايام ، اذ كان حصنا منيعا . فبينا هم محاصرون الحصن اذ خرج منه عشرون أو ثلاثون حمارا لم يقدر اليهود على ادخالها ، فأخذها المسلمون وهم جياع فذبحوها وأوقدوا النيران وطبخوا لحومها في القدور . ومرّ بهم رسول اللّه وهم على تلك الحال ، فسأل عن ذلك فاُخبر الخبر ، فأمر مناديا فنادى فيهم : إنّ رسول اللّه ينهاكم عن الحُمر الإنسية ... وعن كل ذي ناب ومخلب فكفوا القدور(1) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 660 ، 661 وفيه : وعن متعة النساء ! هكذا بلا مناسبة . وقد يناسب البحث هنا عن نكاح المتعة تأريخيا ، ولكن المسألة أقرب الى البحث الفقهي منه الى التأريخ والسيرة ، وقد أوسع العلماء الفقهاء المسألة دراسةً وبحثا فنوكل ذلك اليهم في كتب عديدة منها : أصل الشيعة واصولها للامام الشيخ كاشف الغطاء . وأجوبة مسائل موسى جار اللّه للامام السيد عبد الحسين شرف الدين . والمتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي للمحامي الدكتور توفيق الفكيكي . والزواج الموقت للسيد جعفر مرتضى العاملي . ومع الخطيب في خطوطه العريضة للشيخ الصافي . ونكاح المتعة بين السنة والبدعة للسيد مرتضى الموسوي الأردبيلي .

    اما عن الحُمر الأهلية ففي وسائل الشيعة باب فيه عشرة أخبار في كراهتها 24 : 117 ـ 120 . وفي مستدركه باب فيه ثلاثة أحاديث 16 : 774 منها عن ابي الجارود قال سمعت الباقر عليه‏السلام يقول : ان المسلمين كانوا جهدوا في خيبر فأسرع المسلمون في دوّابهم ( هكذا ) فأمر رسول اللّه باكفاء القدور ولم يقل انها حرام ، وكان ذلك ابقاءً على الدواب 24 : 118 . وعن أبي بصير قال : سمعت الباقر عليه‏السلام يقول : إن الناس اكلوا لحوم دوابّهم يوم خيبر ، فأمر رسول اللّه باكفاء القدور ونهاهم عن ذلك ، ولم يحرّمها 16 : 174 .

(37)

        وروى عن اُم عُمارة قال : ذبح بنو مازن بن النجار بخيبر فرسين فكنا نأكل منهما قبل أن يفتح حصن الصعب بن معاذ .

 

        وروى بسنده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري(1) قال : ذبح المسلمون خيلاً من خيلهم قبل ان يفتح حصن الصعب بن معاذ .

        وروى عنه أيضا قال : غزا بنا الحباب بن المنذر بن الجموح ومعه رايتنا وتبعه المسلمون الى حصن الصعب بن معاذ ... وأقمنا عليه يومين نقاتلهم أشد القتـال . فلما كان اليوم الثالث ، بكر رسول اللّه عليهم ، فخرج رجل من اليهود كأنه دقل ( السفينة من الطول ) وفي يده حربة وخرج جماعة يعدون معه ، فأمطرونا ساعة بالنبل مثل الجراد حتى ظننت أن لا يقلعوا ، وترّسنا عن رسول اللّه . ثم حملوا علينا حملة رجل واحد ، فانكشف المسلمون حتى انتهوا الى رسول اللّه وهو واقف قد نزل عن فرسه ، ومولاه مِدعم ( الاسود ) ممسك بزمام فرسه . وثبت الحُباب برايتنا واللّه ما يزول ، يراميهم على فرسه .

        وندب رسول اللّه المسلمين وحضّهم على الجهاد ورغّبهم فيه ، وأخبرهم أنّ اللّه قد وعده خيبر يغنمه اياها ! فأقبل الناس حتى عادوا الى صاحب رايتهم ، فزحف بهم الحُباب ، فلم يزل يدنو قليلاً قليلاً ، وترجع اليهود على ادبارها ، حتى لَحَمَها الشرُّ فانكشفوا سراعا ، ودخلوا الحصن وغلّقوا عليهم ، ووافوا على جدره ـ وله جدر دون جدر ـ فجعلوا يرموننا بالجنادل رميا كثيرا ، حتى نحّونا عن حصنهم بوقع الحجارة حتى رجعنا الى الموضع الاول .

        ثم خرج اليهود مستميتين .. ورجعنا إليهم فاقتتلنا على باب الحصن أشد


(1) وروى ابن اسحاق في السيرة 3 : 345 بسنده عن جابر وقال ـ ولم يشهد جابر خيبر ـ إن رسول اللّه حين نهى الناس عن لحوم الحمر أذن لهم في اكل لحوم الخيل . والواقدي في الخبر التالي ينص على حضوره ، ولكنه نص على تخلفه عن خيبر في 684 .

(38)

القتال .. فقتلنا عدداً منهم وكلّما قتلنا رجلاً حملوه حتى يدخلوه الحصن .. وقُتِل يومئذٍ على الباب ثلاثة من أصحاب رسول اللّه : أبو صيّاح والحارث بن حاطب وعديّ بن مرة .

 

        ثم حمل صاحب رايتنا وحملنا معه ، حتى أدخلنا اليهود الحصن وتبعناهم إلى جوفه ، فلما دخلنا عليهم الحصن أمسوا لنا كالأغنام فقتلنا من أشرف لنا وأسرنا من شئنا منهم ، وهربوا في كل وجه يريدون حصن قلعة الزبير ، وتركناهم يهربون ، وصعد المسلمون على جُدره فكبّروا عليه تكبيراً كثيراً .

        ووجدنا فيه من الأطعمة ما لم نظن أ نّه هناك من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والشحوم . ونادى منادي رسول اللّه : كلوا واعلفوا ، ولا تحتملوا . فكان المسلمون يأخذون من ذلك الحصن طول مُقامهم هناك طعامهم وعلف دوابهم، لا يمنع أحد أن يأخذ حاجته ، من دون أن يخمّس . ووجدوا فيه خوابي الخمر الكبار لا يُطاق حملها، فأمرهم النبي فكسروها حتى سال الخمر في الحصن.

        وروى عن أبي ثعلبة الخُشني قال : ووجدنا فيه أواني من نُحاس وفخّارٍ قد أكل اليهود فيها وشربوا ، فسألنا رسول اللّه عنها فقال : اسخنوا فيها الماء ثم اطبخوا فيها وكلوا واشربوا . وأخرجنا منه حُمراً وبقراً وغنماً كثيراً ، وآلة للحرب كثيرة ودبابات ومنجنيقاً وعدة ، فعلمنا أنهم كانوا يظنون أن الحصار يكون دهراً طويلاً ، فعجّل اللّه خزيهم . ووجدوا فيه من البزّ عشرين شدة محزومة من غليظ متاع اليمن ، وألفاً وخمسمئة قطيفة .

        وكان رجل من المسلمين يُقال له عبد اللّه كان لا يصبر عن الشراب وقد ضربه رسول اللّه مراراً ، فعمد يومئذٍ فشرب من خمر اليهود ، فرفع أمره إلى النبي صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلم فخفقه بنعله ، فخفقه من حضره بنعالهم(1) .



(1) مغازي الواقدي 2 : 662 ـ 665 .

(39)

        واستخرجوا ماكان قاله اليهودي من المنجنيق والدبابتين والدروع والسيوف والبَيْض(1) . وتحول اليهود من كل حصون النطاة : حصن ناعم وحصن الصعب بن مُعاذ إلى قلعة الزبير .. وبقيت بقايا لا ذكر لهم في بعض حصون النطاة ، فجعل رسول اللّه بازائها رجالاً يحرسونها لا يخرج أحد عليهم إلاّ قتلوه .

 

 

حصار حصن الزَّبير :

        قال : وزحف رسول اللّه والمسلمون إلى حصن الزبير ، فغلّقوه عليهم ، وهو حصن منيع ، وانما هو في رأس قلعة لا تقدر عليه الخيل ولا الرجال لصعوبته ومناعته .. فحاصرهم رسول اللّه .. وأقام على ذلك ثلاثة أيام . ثم جاء رجل من اليهود يقال له غزّال ، فقال : أبا القاسم ، تؤمّنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة ، وتخرج إلى أهل الشق ؟ فأمّنه رسول اللّه على أهله وماله . فقال اليهودي : إنّك لو أقمت شهراً ما بالوا ، فإنّ لهم جداول تحت الأرض ، يخرجون بالليل فيشربون ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك ، وان قطعت مَشربهم عنهم ضجّوا !

        فارسل رسول اللّه إلى جداولهم فقطعها ، فلما قطع عنهم مشاربهم لم يطيقوا المُقام على العطش(2) ، فخرجوا فقاتلوا أشدّ القتال .. فاُصيب ذلك اليوم عشرة من


(1) مغازي الواقدي 2 : 648 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 666 ـ 667 وروى عن أبي شُيَيْم المُزني الغطفاني من أصحاب عُيينة ابن حصن ، بعد أن أسلم قال : لما رجعنا مع عيينة إلى خيبر وجد رسول اللّه قد فتح خيبر وغنّمه اللّه ما فيها .. فجعل يتدسّس إلى اليهود يقول لهم : ما رأيت كاليوم أمراً ، واللّه ما كنت أرى أحداً يصيب محمداً غيركم أهل الحصون والعُدة والثروة ، أعطيتم بأيديكم وأنتم في هذه الحصون المنيعة وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل والماء الدائم ( الواتن ) ؟ ! î؛ فقالوا : قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير ، ولكنّ الدّبول ( الجداول ) قد قُطعت عنّا ، وكان الحَر ، فلم يكن لنا بقاء على العطش 2 : 675 ، 676 .

    فيما روى الراوندي في الخرائج والجرائح قال : وبقيت لهم قلعة فيها أموالهم ومأكولهم ، ولم يمكن عليها حرب من أيّ وجه من الوجوه ، وحاصرها بمن فيها رسول اللّه .. فصار إليه يهودي منهم فقال: يا محمد، تؤمّنني على نفسي وأهلي وولدي حتى أدلّك على فتح القلعة؟ قال: أنت آمن، فما دلالتك؟ قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع فانهم يصيرون ( كذا، ولعلّه: فإنه يصير ) إلى ماء أهل القلعة فيخرج ، ويبقون بغير ماء فيسلّمون إليك القلعة طوعاً . فقال : أويحدث اللّه غير هذا. الخرائج والجرائح 1 : 164 ، 165 فلم يقطع عنهم مشربهم ولم يعطّشهم . واللّه العالم.

(40)

اليهود ، وقُتِل يومئذٍ نفر من المسلمين ، وافتتحه رسول اللّه ، فكان آخر حصون النَّطاة .. وكان أهل النّطاة أحدّ اليهود وأهل نجدتهم .

 

 

من الرجيع إلى المنزلة :

        وقلعة سُمران من حصن اُبيّ : قال : فلما فرغ رسول اللّه من النّطاة .. أمن من حرب اليهود وبياتهم وما يخاف منهم ، فأمر بالمعسكر أن يحوّل من منزله بالرجيع إلى مكانه الأوّل بالمنزلة .. ثم تحوّل إلى أهل الشِّق . وكان بالشِّق حصون ذات عدد ، فكان أول حصن بدأ به منها حصن اُبي ، فقام منها على قلعة يُقال لها سُمران .

        وخرج من اليهود رجل يُقال له غزّال ( أو غزول ) فدعا إلى البراز ، فبرز له الحُباب بن المنذر ، فاختلفا ضربات ، ثم حمل عليه الحُباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع فوقع السيف من يد غزّال فاصبح أعزل فرجع منهزماً مبادراً إلى الحصن ، وتبعه الحُباب فقطع عرقوب رجله فوقع فأجهز عليه .

        وخرج آخر فصاح : مَن يبارز ؟ فبرز إليه رجل من المسلمين من آل جحش ، فقُتل . وقام اليهوديّ يدعو إلى البراز ، فبرز له أبو دجانة قد عصب

(41)

رأسه بعصابة حمراء فوق المِغفر يختال في مشيته ، وبدر اليهوديَّ فضربه فقطع رجليه ثم أجهز عليه ثم سلبه درعه وأخذ سيفه وجاء بهما إلى النبي صلى اللّه عليه [ وآله [ وسلم فنفّله إياهما . ثم أحجم اليهود عن البراز ، فكبّر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن يقدمهم أبو دجانة حتى دخلوه .. فهرب مَن كان فيه من المقاتلة وتقحّموا الجُدر كأنهم الظِّباء حتى صاروا إلى حصن النِّزار بالشق . ووجد المسلمون في قلعة سُمران من حصن اُبيّ أثاثاً وغنماً وطعاماً ومتاعاً ..

 

 

حصن النِّزار بالشِّق :

        قال : هرب مقاتلة اليهود من قلعة سُمران من حصن اُبيّ حتى صاروا إلى حصن النِّزار بالشِّق ، وجعل من بقي في قُلل النّطاة يأتي إلى حصن النِّزار ، فامتنعوا فيه أشد الامتناع وغلّقوه على أنفسهم(1) . ونظر رسول اللّه إلى حصن النِّزار فقال : هذا آخر حصون خيبر فيه قتال(2) .

        قال الراوندي : فلما كان من الغد ركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بغلته وقال للمسلمين : اتبعوني وسار نحو القلعة ، وأقبلت السهام والحجارة نحوه ، فكانت تمرّ عن يمنته ويسرته ، فلا يصيبه شيء منها ولا أحداً من المسلمين ، حتى وصل رسول اللّه إلى باب القلعة ، فأشار بيده إلى حائطها ، فانخفض الحائط حتى صار مع الأرض ، فقال للناس : ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة(3) .

 

        وقال الواقدي : فأخذ كفّاً من الحَصى فحصب به حصنهم ، فرجف بهم ، ثم


(1) مغازي الواقدي 2 : 662 ـ 668 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 669 .

(3) الخرائج والجرائح 1 : 165 ح 253 .

(42)

ساخ جدار الحصن في الأرض .. حتى جاء المسلمون فأخذوهم أخذاً وكانت فيه صفية بنت حُييّ بن أخطب وابنة عمّها(1) ووهب النبيّ لليهوديّ الذي وعده زوجته من حصن النِّزار(2) .

 

 

صَفيّة بنت حُييّ بن أخطب :

        قال الحلبيّ : كانت صفية عند سلاّم بن مشكم ( النضري ) ، ثم عند كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق ( الخيبري )(3) .

        وروى الواقدي بسنده عن ابنة أبي القين المزني عن صفية قالت : لما أجلى رسول اللّه بني النضير خرجنا من المدينة إلى خيبر فأقمنا فيه ، فتزوّجني كنانة بن أبي الحُقيق فاعرس بي قبل قدوم رسول اللّه إلى خيبر بأيام ، وذبح جُزراً ودعا باليهود وحوّلني إلى حصنه في سُلالِم . فرأيت في النوم كأن قمراً أقبل يسير من يثرب حتى وقع في حجري ، فذكرت ذلك لزوجي كنـانة ، فلطم عيني فاسودّت(4) وقال : ما هذا إلاّ أنك تمنّين مَلِك الحجاز محمداً(5) .

 

        قالت : فلما نزل رسول اللّه خيبر .. جرّد اليهود حصون النطاة للمقاتلة وجعلوا ذراريهم في حصن الكتيبة .. فلما افتتح رسول اللّه [ بعض ] حصون النطاة دخل عليَّ كنانة فقال : قد فرغ محمد من النطاة ، وليس ها هنا أحد يُقاتِل .. فخرج


(1) مغازي الواقدي 2 : 668 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 648 .

(3) مناقب آل أبي طالب 1 : 160 .

(4) مغازي الواقدي 2 : 674 واللفظ : اخضرت بمعنى اسودّت ، ونقلنا الكلمة بالمعنى .

(5) سيرة ابن هشام 3 : 351 .

(43)

بي وحوّلني وابنة عمّي ونُسيات معنا حتى أدخلنا حصن النِّزار بالشق(1) في الليلة التي تحوّل رسول اللّه في صبيحتها إلى الشِّق(2) .

 

        فروى الطبرسي عن الأحمر البجلي الكوفي عن زرارة عن الباقر عليه‏السلام في سبي صفية قال : وأخذ علي عليه‏السلام في مَن أخذ صفية بنت حُيي ، فدعا بلالاً فدفعها إليه وقال له : لا تضعها إلاّ في يدي رسول اللّه حتى يرى فيها رأيه . فأخرجها بلال ومرّ بها إلى رسول اللّه على القتلى ، فكادت أن تذهب روحها جزعاً . فقال له رسول اللّه : أنُزعت منك الرحمة يا بلال ؟ !(3) .

 



(1) مغازي الواقدي 2 : 674 .

(2) مغازي الواقدي 2 : 669 .

(3) اعلام الورى 1 : 209 وعنه في قصص الانبياء : 47 .

    وقال ابن اسحاق : اُتي رسول اللّه بصفية بنت حُيي بن أخطب ، وباخرى معها ، أتاه بهما بلال وقد مرّ بهما على قتلى من اليهود ، فالتي كانت مع صفية لما رأت قتلاها صاحت وصكّت وجهها وحثت التراب على رأسها . فلما رآها رسول اللّه قال : أبعدوا عنّي هذه الشيطانة ! أما صفية فأمر بها إلى خلفه وألقى عليها رداءه ، فعرف المسلمون أن رسول اللّه قد اصطفاها لنفسه 3 : 350 ، 351 .

    وقال الواقدي : سباها رسول اللّه وأرسل بها مع بلال إلى رَحله ، فمرّ بها وبابنة عمّها على قتلاهم ، فصاحت ابنة عمها صياحاً شديداً . فكره رسول اللّه ما صنع بلال وقال له : أذهبت منك الرحمة ؟ ! تمر بجارية حديثة السن على القتلى ؟ ! 2 : 673 .

    وروى الكليني في روضة الكافي عن سليم بن قيس عن سعد بن أبي وقاص الزهري حديثاً يعدّد فيه خصال علي عليه‏السلام فيقول عـن يـوم خيبـر : فمـا انثنى حتى فتـح خيبر وأتاه بصفية بنت حُيي بن أخطب ، فاعتقها رسول اللّه وجعل عدّة عتقها صداقها وتزوّجها كما رواه في بحار الأنوار 42 : 155 ، 156 . î؛

        وروى الاربلي في كشف الغمة عن مسند الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس في حديث قال : فجاء وهو أرمد ، فنفث في عينه ثم هزّ الراية ثلاثاً ثم أعطاها إياه ، فجاء بصفية بنت حُييّ 1 : 81 ، 82 وعنه في بحار الأنوار 38 : 241 و 40 : 50 .

(44)

        وفي خبر الواقدي عن صفية قالت : لما أمسى رسول اللّه جاء فدعاني ، فجئت وأنا مقنّعة حييّة حتى جلست بين يديه وقبل قدوم رسول اللّه إلى خيبر كان قد تزوّجني وأعرس بي كنانة بن ابي الحُقيق . ورأيتُ في النوم : كأنّ قمراً أقبل من يثرب يسير حتى وقع في حجري فذكرت ذلك لزوجي كنانة ، فلطمني كنانة على عيني فاسودّ أطرافها .

 

        فلما دخلت عليه سألني عنه ، فاخبرته الخبر ، ثم قال لي : إن أقمت على دينك لم اُكرهك ، وإن اخترت اللّه ورسوله فهو خير لك . فقلت : اختار اللّه ورسوله والإسلام . فأعتقني : وجعل عتقي مهري وتزوّجني(1) .

        وكان معها ابنة عمها . وكان رسول اللّه قد وعد دحية الكلبي جارية من سبي خيبر ، ونظر دحية إلى صفية فسألها رسول اللّه ، فأعطاه ابنة عمها(2) .

فهرس الکتاب  
URL http://yousofi.info/ar/book_964-5662-19-2_y07-khaybar04.htm