محاضرات،...  

حوار مع مولف موسوعة التاریخ الاسلامی

مجلة الفکر الاسلامي، العدد الخامس عشر، السنة الرابعة، رجب المرجب-رمضان المبارک 1417 هـ.ق.


حوار مع مؤلف «موسوعة التأريخ الاسلامي»

س 1 : ما هو دور الشيعة في كتابة السيرة ؟

ج : تمهيدا للجواب أقول : من الثابت أنه ليس من لوازم دعم وحدة المسلمين وتقاربهم التناسي والتجاهل لنقاط الخلاف فيهم ، ومن الحقيقة والواقع المؤسف وجودها فيما بينهم ، ومن مواردها التأريخ الاسلامي وبخصوص السيرة النبوية الشريفة ، والكثير الوفير فيها هو كما مرّ لعامّة المسلمين ، ولخاصّتهم أعني أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام وجهات نظر خاصة غير يسيرة بل في كثير مما رواه رواة الجمهور ، هذا ، وأن كانت نقاط الوفاق فيها أيضا غير يسيرة بل كثيرة .
أما من حيث الكتب والمؤلّفات : فما أ لّفوه وكتبوه ولا سيّما المنشور منه لا يعدّ كثيرا ، بل قلّ حتى قيل : « انه لا سلف لكم ولا مصنف » نقل ذلك الشيخ النجاشي الرجالي الشهير عن السيد الشريف(1) ، ولعلّه الشريف الرضيّ ، ولعلّ هذا مما دعاه


(1) رجال النجاشي : 3 .

(195)


الى أن يصنّف كتابا يشتمل على خصائص أخبار الأئمة الاثني عشر على ترتيب أيامهم ، ذاكرا فيه تواريخ مواليدهم وأعمارهم ووفياتهم وقبورهم ، وطرفا من حجج النصوص وحقائق البراهين عليهم ، ولُمعا من جواباتهم وأقوالهم وأحاديثهم . . . كان هذا في أواخر سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة للهجرة(1) ، وأوائل السنة التالية ، وفي سنة 400 فرغ من تأليفه لنهج البلاغة(2) فكتب في مقدمته يقول : « فاني كنت في عنفوان السنّ وغضاضة الغصن ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر كلامهم ، وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا عليه‏السلام وعاقت عن اتمام بقية الكتاب محاجزات الايام ومماطلات الزمان ، وسألوني عند ذلك أن أبتدى‏ء بتأليف كتاب يحتوى على مختار كلام أمير المؤمنين عليه‏السلام ، فأجبتهم »(3) .
وهكذا انشغل الشريف الرضي بتأليف نهج البلاغة عن اتمام بقية خصائص الأئمة عليهم‏السلام ، فانتقلت طلبة من كان قد طلبها من الشريف الرضي الى شيخه الشيخ المفيد ، فأجاب الطلب بكتابه « الارشاد الى معرفة حجج اللّه‏ على العباد » وكتب في مقدمته يقول للسائل : « فاني مثبت ما سألت اثباته من اسماء أئمة الهدى وتأريخ أعمارهم وذكر مشاهدهم وطرف من أخبارهم المفيدة لعلم أحوالهم » ، فكان هذا الكتاب أول كتاب مهم وتام فيتواريخ أئمة الهدى الاثني عشر عليهم‏السلام لكن دون السيرة النبوية‏الشريفة سوى ماجاء منهاعرضا في عرض تأريخ‏علي عليه‏السلام على عهدالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .
كان ذلك في حدود الاربعمائة للهجرة ، وبعد قرابة قرن من الزمن أ لّف الشيخ


(1) خصائص أمير المؤمنين عليه‏السلام : 36 و 37 ، مقدمة المؤلف .
(2) خاتمة المؤلف لنهج البلاغة .
(3) مقدمة المؤلف لنهج البلاغة .

(196)


الشهيد محمد ابن الفتال النيشابوري ( ت 508 ه ) كتابه : « روضة الواعظين » في مجلدين ، ركّز في المجلد الأول على الجانب العقائدي والتأريخي للنبيّ والأئمة عليهم‏السلام ، وما يخص النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نحو من ثلاثين صفحة تقريبا .
ثم تلاه الشيخ ابو علي الطبرسي ( ت 548 ه ) بكتابه : « اعلام الورى بأعلام الهدى » ، وقال عنه في مقدمته : « يشتمل على تواريخ مواليدهم وأعمارهم ، وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم والنصوص الدالة على صحة امامتهم » ثم قال عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « فهو أولى أن يقدم في الذكر وتبيين آياته وأعلامه ومعجزاته ودلالاته » ثم جعل الكتاب أربعة اركان فجعل الركن الأول في ذكر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في خمسة أبواب في مئة وخمسين صفحة تقريبا ، في مولده ومبعثه وحياته وصفاته وأحواله وبعض غزواته ووفاته وقراباته .
كان ذلك فيما بين ( 511 ـ 531 ه ) تقريبا كما جاء ذلك في ترجمة المؤلف بقلم السيد الخرسان(1)، وقبل تهذيبه لتبيان الشيخ الطوسي باسم : « مجمع البيان لعلوم القرآن » ، فقد فرغ من تأليف المجلد الأول منه سنة ثلاثين وخمسمائة ، كما ذكره في آخره(2) وفي تفسيره هذا للآيات ذات دلالات على حوادث التأريخ على عهد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جاء بأخبارها من مصادرها العامة والخاصة .
وكذلك فعل الكاتب والأديب الشهير الشيخ عبد الحميد ابن ابي الحديد المعتزلي الشافعي البغدادي ( م 656 ه ) في كتابه في شرح نهج البلاغة ، حيث بدرت اشارة في كلام الامام أمير المؤمنين علي عليه‏السلام الى حوادث صدر الاسلام ، نقلاً عن سيرة محمد بن اسحاق برواية عبد الملك بن هشام الحميري البصري ، ومغازي محمد بن عمر الواقدي ، وأنساب الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ، مع اشارات منه الى بعض الاختلاف في النقل والرواية من وجهة نظر الشيعة .


(1) اعلام الورى : 29 ، ط . النجف الاشرف .
(2) مجمع البيان لعلوم القرآن 1 : 487 ، ط . بيروت .

(197)


وبقصد جمع الثمين السمين والزلال المتين(1) من قصص الأنبياء والمرسلين أ لّف الشيخ قطب الدين الراوندي ( ت 573 ه ) كتابه « قصص الأنبياء » في عشرين بابا خصّ البابين الأخيرين بخاتم النبيين صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في مائة صفحة تقريبا . وخصص مائة وخمسين صفحة من كتابه « الخرائج والجرائح » بمعجزاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .
وبقصد التفريق بين الصحيح والسقيم والحديث والقديم ، وتمييز السنة من البدعة والحجة من الشبهة والحق من الباطل(2) ، جمع الشيخ محمد بن علي الحلبي المولد والسروي الاصل ( ت 588 ه ) كتابه من عيون كتب العامة والخاصة وسماه : « مناقب آل أبي طالب » وافتتحه بذكر سيد المرسلين صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في نحو مائتين وخمسين صفحة تقريبا .
ولما اهتدى الى الهدى الشيخ علي بن عيسى الاربلّي ( ت 693 ه ) فمال هواه الى آل نبيّه حتى أتّخذ هديهم شريعة ومنهاجا ، ومذهبهم سلّما الى نيل المطالب ومعراجا ، نازعته نفسه الى أن يجمع كتابا يذكر فيه لُمعا من أخبارهم ، وجملة من صفاتهم وآثارهم وسماه : « كشف الغمة في معرفة الأئمة» وتزيينا للكتاب وتطريزا لديباجته ذكر شيئا من احوال الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وصفاته تيمنا به(3) في 25 صفحة تقريبا، ثم قال: «وأما ذكر باقي أحواله ومغازيه ، وسياقة نسبه وغير ذلك من أحاديثه وخطبه ومواعظه ، وتسمية أعمامه وعمّاته وازواجه وعبيده وخيله ، فليس ذلك من غرض هذا الكتاب فلنقتصر على ما ذكرناه»(4).
وفي بلاد البحرين على عهد دولة الوالي ايماني بيك وفي السنة الثامنة والتسعين بعد الألف للهجرة بالذات كتب قاضي البحرين السيد هاشم البحراني التوبلي الكتكاني ( ت 1109 ه ) في مقدمة كتابه « حلية الأبرار محمد وآله الأطهار » يقول : « رأيت أحاديث كثيرة تتضمن حلية الأبرار محمد وآله الاطهار ، فأحببت


(1) من مقدمة المؤلف للكتاب .
(2) من مقدمة المؤلف للكتاب .
(3) من مقدمة المؤلف للكتاب : 3 و 5 و 7 .
(4) كشف الغمة 1 : 29 ، ط . تبريز .

(198)


أن أجمعها في كتاب » ، بناه على ثلاثة عشر منهجا ، فالمنهج الأوّل في حلية نبينا محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وصفاته العليا في سبعين بابا في ما ينوف عل المئتي صفحة.
وفي نطاق أوسع سعى معاصره شيخ الاسلام في عاصمة دولة الشيعة في ايران ـ اصفهان ، المولى الشيخ محمد باقر المجلسي ( ت 1110 ه ) فتتبّع الاصول المعتبرة المهجورة إضافة الى الكتب المتداولة المشهورة ، فطفق يسأل عنها في شرق البلاد وغربها لدى كل من يظن أن يكون عنده شيء منها ، وساعده في ذلك جمع من أعوانه فضربوا في الارض لتحصيلها يطلبونها في الاقطار والأصقاع طلبا حثيثا ، حتى اجتمع عنده منها الكثير ، فعزم على تأليفها ونظمها وترتيبها وجمعها في كتاب منسّق الأبواب والفصول ، يغني عن جلّ كتب الأخبار سماه بكتاب « بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأطهار » عليهم‏السلام . وقال فيه : « ومن الفوائد الطريفة لكتابنا اشتماله على كتب وابواب . . . أهلها مؤلفوا أصحابنا . . . فلم يفردوا لها كتابا ولا بابا كـ . . . ضبط تواريخ الأنبياء والأئمة عليهم‏السلام (1) ، فيصدر كل باب ـ ومنها أبواب السيرة النبوية ـ بالآيات المتعلّقة بعنوان الباب، ثم يورد ـ في أبواب التواريخ ـ ما جاء به المفسرون الشيعة عن الأئمة عليهم‏السلام كالعياشي السمرقندي، أو أعم من ذلك مثل علي ابن ابراهيم بن هاشم الكوفي القمي ، وفرات بن ابراهيم الكوفي الزيدي ، والشيخ الطبرسي في « مجمع البيان » وقد يورد من كتب غيرنا لتأييد ما روى من طريقنا


(1) بحار الانوار 1 : 5 وما قبله من مقدمة المؤلف 3 و 4 .

(199)


كتفسير « الكشاف » للزمخشري الخراساني وتهذيبه « أنوار التنزيل » للبيضاوي الشيرازي، و « الكشف والبيان في تفسير القرآن » للثعلبي النيشابوري ، و « معالم التنزيل » للبغوي الهروي ، أو التفسير الكبير « مفاتيح الغيب » فخر الدين الرازي ، والتفسير البسيط والوسيط وأسباب النزول للواحدي النيشابوري و « الدر المنثور » للسيوطي . ثم يورد من الأخبار ما يتعلق منها بالعنوان من كتبنا ، وقد يورد من كتبهم لتأييد ما روي من طريقنا أو تكميله ، فعن سيرة ابن اسحاق برواية ابن هشام ، ومغازي الواقدي ، و « أنساب الأشراف » للبلاذري بواسطة « شرح نهج البلاغة » لعبد الحميد ابن ابي الحديد ، وعن تأريخ الطبري بواسطة « كامل التواريخ » لابن الأثير الجزري الموصلي ، وعنهما بالأخص عن مغازي الواقدي بواسطة « المنتقى في مولود المصطفى » للكازروني(1) .
كانت هذه هي المحاولة الاولى الشاملة لكل ما تمكّن منه المرحوم المجلسي قدس‏سره لضبط تأريخ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، بعد تلك المحاولات المتفرقة ، تأريخا نقليا وليس تحليليا وطبيعي أن لم تبق المصادر هي المصادر نفسها على عهد المرحوم المجلسي قدس‏سره بل قد تغيّرت تحقيقا وتوفيرا ، ولم تتكرر المحاولة ، وهذا ما حاولناه .

س 2 : كان هذا استعراضا لما كتبته الامامية عن السيرة منذ الصدر الاول الى عصر المجلسي . فهل هناك محاولات حديثة من الامامية في هذا المضمار ؟

ج : في عصرنا الراهن نشرت للمستشرقين كتب في السيرة ، بمختلف اللغات الاسلاميّة ، منها بالفارسية كتابٌ باسم « محمد پيامبرى كه از نو بايد شناخت » ترجمة عنوانه : محمدٌ النبي الذي يجب ان يعرف من جديد ! وكان يحتوي على كثير من التحريف والتزييف ، أحدث ضجة في المجتمع المسلم ، وكذلك كتاب لزين العابدين راهنما باسم « پيامبر » وسلسلة مقالات متتابعة بعنوان « فروغ جاودانه = النور الخالد » فقوبل بمقالات متتابعة في المجلة الاسلامية الحوزوية من قم المقدسة « مكتب اسلام = المدرسة الاسلامية » بقلم العلامة الشيخ ميرزا جعفر السبحاني التبريزي ، نشر كتابا بعنوان « فروغ ابديت = النور الأبدي » وانتشرت أخيرا ترجمته باسم « سيّد المرسلين » بقلم الشيخ جعفر الحائري .
وتوقع أن يعوّل عليه بعض اخوتنا في الحوزة العلمية بقم المقدسة في دراسة


(1) بحار الأنوار 1 : 25 .

(200)


السيرة النبوية الشريفة ، كآخر محاولة حوزوية شيعية ، ولكنه عند المزاولة‏خاب ظنّه ، لما رأى فيه من قصور عن المأمول كآخر محاولة حوزوية شيعية كما مرّ ، فثارت فيه العزيمة على أن يقوم بالمحاولة تصحيحا لما رأى فيه وغيره من قصور أو تقصير ، وكان يدرّس ما ينجّزه من محاولته طلاّب « معهد الدراسات الاسلامية » بقم ، قبل انتصار الثورة الاسلامية ، وبعدها نشرها باسم « الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله » . ولنا عليها ملاحظات مع كل ما فيها من جهد علمي مشكور :
ـ حيث كانت دراسته محاولة تصحيحية ، لذلك أوغل في التصحيح تحقيقا مطوّلاً كلاميا أكثر منه تأريخيا ، فلم يبق الكتاب تأريخا للسيرة بل تأريخا تحليليا مزيجا ببحوث عقائدية .
ـ لم يتبن الكتاب تحرّي أقدم نصوص السيرة تأريخيا ومن مصادرنا ما أمكن ، بل اختار من مختلف المصادر أشملها ونقل عنه بالمعنى .
ـ أكثر من المصادر ، غير مراع المصدر الأصل والمصادر الفرعية الثانوية وغيرها وعطف بعضها على بعض دون تمييز لكتبنا عن غيرها .
ـ كل ذلك مما طوّل الكتاب فأخرجه عن تناسب التقسيم الدراسي .

س 3 : متى بدأتم بهذا المشروع وما هي خصائص كتابكم هذا ؟

ج : دُعيت منذ عهد غير قريب قبل انتصار الثورة الاسلامية لتدريس مادة التأريخ الاسلامي ؛ السيرة النبوية الشريفة في « معهد الدراسات الاسلامية » نفسها بقم المقدسة ، وفي مراجعتي للمصادر رأيت المكتبة التأريخية الاسلامية خلوا من مصدر تأريخي نقليّ للسيرة النبوية الشريفة ، مختار من أقدم النصوص والمصادر برواية أتباع مدرسة اهل البيت عليهم‏السلام ، ما أمكن ، والا فمن أقدم النصوص أيضا من سائر المصادر ، وبدأت العمل لذلك يومذاك ، ثم عاقت عوائق الأيام دون الاتمام ،

(201)


وتجددت دعوتي لذلك بعد انتصار الثورة الاسلامية فأعدت المحاولة من جديد ، وتأسس « مجمع الفكر الاسلامي » فدعيت الى أن أجعل هذا العمل من ضمن أعماله فأجبت ، محاولاً مل‏ء ذلك الفراغ ، متجنّبا ما أراه من نقاط ضعف في سائر الأعمال المضارعة ، مترسما ما فيها من قوة طبعا .
ولعل لنا عودة على الكتاب بعد نشره ، للوقوف على ما فيه من مميّزات وخصائص ، إن شاء اللّه‏ تعالى .
ومن هنا أدعو سائر الاخوة أصحاب الأقلام والفكر والثقافة الى دراسة الكتاب ونقده وتمحيصه ، توخّيا لاختيار الأحسن مادة واسلوبا ، وهم مشكورون سلفا .

(202)