مقالات  

تاريخ حصر الاجتهاد و التقليد

 

تأريخ حصر الاجتهاد في المذاهب الأربعة(1)

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

يتناول البحث الأسباب التي أدّت الى حصر الاجتهاد عند أهل السنة في أربعة مذاهب ، كما يستعرض المراحل التأريخية التي مرّت بها عملية الحصر ، ويخلص الباحث الى ضرورة إعادة فتح باب الاجتهاد حسب منظور أهل السنة أنفسهم .

المذاهب الأربعة :

المذاهب الأربعة ، هي أربعة مذاهب فقهية من بين سائر المذاهب الفقهية ، والتي كانت متداولة منذ أواخر القرن الاول حتى حدود منتصف القرن السابع الهجري ، وقد عرفت المذاهب الفقهية ومنها المذاهب الأربعة منسوبة الى أئمتها الفقهاء والمتفقهين ، والأربعة منها حسب التوالي الزمني لتواريخ وفيات أئمتها كالتالي :


(1) في أوائل عام (1359 ه . ق ) أرسل السيد جعفرالاعرجي من الموصل (نينوى) في العراق، رسالة الى العلامة الشيخ آقا بزرگ الطهراني في النجف الأشرف ، يسأله أن يكتب له رسالة في بيان بدء المذاهب الأربعة ، ووجه التمذهب بها ، وتأريخ بدء الحصر فيها . فكتب له الشيخ العلامة رسالة حقّقها أخونا الفاضل الشيخ محمد علي الانصاري ونُشرت سنة (1401 ه . ق ). ورأيت أن الرسالة بحاجة‏الى ترتيب في نظام الكلام ومل‏ءٍ لبعض الفراغات واستغناء عن بعض نوافل القول ، وأصبح حصيلة العملية ما قدّمته في هذا المقال .

(223)


1 ـ المذهب الحنفي ، منسوب الى ابي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الكابلي ، كان جده زوطي من سبي كابل ، اُتي به الى الكوفة . قيل : كان من غلمان أمير المؤمنين علي عليه‏السلام (1) ، ولد ابو حنيفة النعمان في الكوفة سنة ثمانين للهجرة ، وتوفي سنة ( 150 ه ) في بغداد ودفن بها ، لُقّب بالامام الاعظم ، والى لقبه هذا نسبت المحلة التي فيها قبره فسميت بالأعظمية ، والى جانب قبره جسر الاعظمية ؛ لم يُعرف له كتاب ، وانما انتشرت آراؤه وفتاواه من خلال تلميذيه القاضي ابي يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، كما سيأتي .
2 ـ المذهب المالكي ، منسوب الى مالك بن انس بن مالك المدني ، ولد بها سنة ( 93 ه ) وتوفي فيها سنة ( 179 ه ) ودفن بالبقيع ، وله كتاب « الموطأ » .
3 ـ المذهب الشافعي ، منسوب الى محمد بن ادريس بن شافع المطّلبي القرشي(2) ولد في الحجاز سنة وفاة أبي حنيفة واقام أعواما في بغداد ، ثم هاجر الى الفسطاط في مصر ـ سميّت بعد ذلك بالقاهرة ـ وهناك انتشرت آراؤه وفتاواه ، وتوفي في سنة ( 204 ه ) ودفن فيها ، وقبره معلوم ، له رسالة في اصول الفقه قيل انها أول رسالة في ذلك . وله كتاب « الام » .
4 ـ المذهب الحنبلي ، منسوب الى احمد بن حنبل الشيباني المروزي ، ولد سنة ( 164 ه ) وتوفي سنة ( 241 ه ) في بغداد(3) .
ليس له كتاب في الفقه ، وله كتاب في الحديث يُدعى « مسند الامام احمد » عُدّ في المسانيد دون السنن وهي دون الصحاح ، لتساهله وتسامحه في أوصاف الرواة ، وعدم تشدّده كأصحاب الصحاح أو السنن .

المذاهب المهجورة :

في سنة ( 1359 ه ) تلقى المرحوم العلامة الشيخ آقا بزرگ الطهراني وهو في النجف الاشرف ، رسالة من مدينة الموصل ( نينوى ) قال عنها : « أيها السيد جعفر الاعرجي


(1) اجوبة مسائل موسى جار اللّه‏ ، للامام شرف الدين الموسوي .
(2) هدية الاحباب ، للمحدث القمي : 179 .
(3) هدية الاحباب : 64 .

(224)


الموصلي ، سألتني ان اكتب لك شيئا في بيان سبب اختلاف مذاهب العامة في فروع احكام الدين ، وبيان بدء المذاهب الأربعة ، وبيان وجه التمذهب بها ، والانحصار فيها ، وذكر بدء تأريخ الانحصار ... »(1) .
وقال : « يظهر الجواب عن جملة ما وقع في السؤال بالرجوع الى كثير من كتب العامة ، ونحن نشير الى بعضها ، دلالة للسائل الى محل ذكر الأجوبة اجمالاً » .
ثم ذكر عددا من الكتب والرسائل والمقالات ، منها مقالة صاحب السعادة احمد تيمور باشا ، بعنوان « نظرة تأريخية في حدوث المذاهب الأربعة » ، طبعت ونشرت في القاهرة سنة ( 1344 ه ) .
ذكر هذا في مقالته المذاهب الأربعة المعوّل عليها عند جمهور المسلمين حتى اليوم ، ثم قال : « واما المذاهب المتروكة ، فمنها :
1 ـ مذهب البصري : الحسن بن يسار ( 21 ـ 110 ه ) .
2 ـ مذهب الاوزاعي : عبد الرحمن بن عمرو ( 88 ـ 157 ه ) .
3 ـ مذهب الثوري : سفيان بن سعيد ( 97 ـ 161 ه ) .
4 ـ مذهب الكلبي : ابراهيم بن خالد ( ت 246 ه ) .
5 ـ مذهب الظاهري : داود بن علي الاصفهاني ( 210 ـ 270 ه ) .
6 ـ مذهب الطبري : محمدبن جرير بن يزيد بن رستم المؤرخ المفسّر (224 ـ 310 ه ) »(2).
واستدرك عليه العلامة الطهراني من الخطط للمقريزي اربعة اخرى هي :
7 ـ مذهب التيمي : عثمـان بن عمـر بن مـوسى قـاضي المدينـة على عهـد المنصور ( ت 145 ه ) .
8 ـ مذهب ابن جريج : عبد الملك بن عبد العزيز امام الحجاز ( 80 ـ 150 ه ) .
9 ـ مـذهب ماجشـون المدني الاصفهـاني عبد العـزيز بـن عبـد اللّه‏ الفقيـه الحـافظ ( ت 164 ه ) .


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 61 ، واسماها هو توضيح الرشاد في ...
(2) تأريخ حصر الاجتهاد : 96 عن نظرة تأريخية في حدوث المذاهب .

(225)


10 ـ مذهب الفهمي الخراساني : ليث بن سعد ، امام مصر في الفقه والحديث ( 94 ـ 175 ه )(1) .

جواز التقليد :

مدخل ( جهد ) في الجزء الثالث من « دائرة معارف القرن العشرين » لمحمد فريد وجدي يستغرق ستين صفحة ، بسط القول فيها في الاجتهاد والتقليد ، وحصرهما في المذاهب الأربعة ، أورد في ضمنها رسالتي : « الانصاف في بيان سبب الاختلاف » و « عقد الجيد في احكام الاجتهاد والتقليد » من الشاه ولي اللّه‏ احمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المولود سنة ( 1114 ه ) والمتوفى في سنة ( 1180 ه ) . وفي الرسالة الثانية قال هذا المولوي :
« اجتمعت الاُمة على ان يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة ، فالتابعون اعتمدوا على الصحابة ، وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين ... وهكذا فالرجوع الى السلف ـ مع أنه اجماعي ـ يدل العقل على حسنه »(2) .
وقال في الرسالة الاولى : « ان الناس في المائة الاولى والثانية كانوا غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه ، بل كان العوام يأخذون الاحكام عن آبائهم ، أو عن علماء بلدتهم ، الذين حصلت لهم قوة الاستنباط ـ كلاً أو بعضا ـ عن الكتاب والسنة »(3) .
وقبل هذا قال المقريزي ما لفظه : « ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة ، وكانوا لا يتعدون عنها غالبا ... لما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الامر الى فقهاء الأمصار : ابي حنيفة وسفيان وابن ابي ليلى بالكوفة ، وابن جريح بمكة ، ومالك وابن الماجشون بالمدينة ، وعثمان التميمي وسوار بالبصرة ، والاوزاعي بالشام ، والليث بن سعد بمصر . فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون عن التابعين وتابعيهم ، أو يجتهدون »(4) .



(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 96 ، 97 عن الخطط المقريزية 2 : 332 .
(2) دائرة المعارف لفريد وجدي 3 : 245 عن : عقد الجيد ...
(3) دائرة المعارف لفريد وجدي 3 : 221 عن الانصاف ...
(4) تأريخ حصر الاجتهاد : 92 و 94 عن الخطط المقريزية 2 : 332 .

(226)


ومن هذا الذي تقرّر نقلاً عن المقريزي والمولوي الدهلوي تلخص :
أن المسلمين في عصر الخلفاء وبعده كانوا يتلقون احكام الدين من علماء الصحابة وقرّائهم النازلين في بلدانهم ، وهم كانوا يفتون الناس بما رووا عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، أو رأوه باجتهادهم ؛ وبعد الصحابة كانوا يأخذون من التابعين والامراء المبعوثين اليهم فتاواهم ، فكانت هذه سيرة هؤلاء المسلمين في طول المائتين الاولى والثانية ، ولم يكونوا مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه ، ولكنهم اجتمعوا على ان يعتمدوا في معرفة الشريعة على السلف ... وعليه فالرجوع الى السلف اجماعي ... بل يدل العقل على حسن رجوع الجاهل بشيء الى العالم به(1) .

مقدمات حصر الاجتهاد :

ان هؤلاء الأئمة المذكورين مع اختلافهم في الفتاوى والاقوال كانوا متفاوتين فيما كان لهم من الحظّ والنصيب من مراتب التعالي ودرجات التقدم ، ومن حصول انتشار الصيت وارتفاع الذكر في اطراف البلاد وعدمه ، وذلك لمساعدة بعض الامور ومصادفة جملة من الاحوال لواحد منهم دون غيره ، ولموافقة الاوقات والظروف لامام ومذهبه ، وعدم موافقتهما لامام ومذهب آخر . ومما كان يؤثر في ذلك على سبيل الاتفاق كثرة الأصحاب والتلامذة ، وازدحام الأعوان والمروّجين ، ووفود الحماة والمتعصبين ، وعظمة شوكتهم وشدة سطوتهم واقتدارهم على نشر المذهب .
كما ان نقائض هذه الامور كانت تؤثر عدم النشر والتقدم والتعالي ، وتنتج اخماد ذكر امام ومذهبه ، والاعراض عنه قليلاً قليلاً ، وتدرّجه في الاندراس شيئا فشيئا ، حتى ينتهي الى انقراض مذهبه رأسا ، وانسائه من الوجود كأن لم يكن شيئا مذكورا .
فأسباب الانقراض هذه قد اثرت بالنسبة الى اكثر المذاهب التي برزت في أواخر القرن الثاني وما بعده ، وعوامل الانتشار والارتقاء ، وأسباب الاستمرار والبقاء تلك قد أثرت


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 92 ، 93 .

(227)


بالنسبة الى خصوص هذه المذاهب الأربعة من بين تلكم المذاهب بما نراه الى يوم الناس هذا ، الا وهي قوة التلاميذ والاتباع ، وسلطة الخلفاء والامراء(1) .
هذا ، وقد احتفظ لنا التأريخ على آثار تلك العوامل اشارة فيما يلي :
ذكر المقريزي في خططه : بعد سنة ( 170 ه ) تولى القاضي ابو يوسف ( تلميذ ابي حنيفة ) القضاء من قبل هارون الرشيد ، فكان لا ينصب للقضاء في خراسان والعراق والشام وغيرها الا من كان مقلدا لابي حنيفة ، فهو الذي تسبّب بنشر مذهب الحنفية في تلك البلاد(2) .
وبلغ التعصب بهم لأبي حنيفة الى حد ان الخليفة العباسي سنة ( 393 ه ) نقل القضاء عن الحنفية الى الشافعية(3) فكتب أبو حامد الاسفرائيني بذلك الى السلطان محمود الغزنوي ، فثارت الفتن العظيمة بين اصحابيهما ( الحنفي والشافعي )(4) حتى انجر الأمر الى رجوع الخليفة عن رأيه وردّه الحنفيين الى ما كانوا عليه من قبل(5) .
قال : « وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق ، نشر مذهب مالك في افريقية المغرب بسبب زياد بن عبد الرحمن ، فانه أول من حمل مذهب مالك اليها ؛ وأول من حمل مذهب مالك الى مصر هو عبد الرحمن بن القاسم سنة ( 163 ه ) وانتشر مذهب محمد بن ادريس الشافعي في مصر بعد قدومه اليها في سنة ( 198 ه ) ... فكان المذهب في مصر لمالك والشافعي الى ان أتى القائد جوهر بجيوش مولاه المعز لدين اللّه‏ الخليفة الفاطمي الى مصر سنة ( 358 ه ) فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه »(6) .

 


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 98 ، 99 .
(2) تأريخ حصر الاجتهاد : 99 عن الخطط المقريزية 2 : 333 .
(3) وذلك إذ مال العباسيون من الحنفية الى الشافعية ، ذلك لاستناد الشافعي القرشي المطّلبي الى الحديث النبوي الشريف : « الائمة من بعدي اثنا عشر وكلهم من قريش » وفتواه باشتراط القرشية في الخليفة ، على عكس ابي حنيفة .
(4) ومن كثرة التعصب بين الشافعية والحنفية في هذا الوقت فشا الحرب في اصفهان ، فكلما غلبت طائفة نهبت محلة الاخرى وخرّبتها واحرقتها حتى فشا الخراب فيها ؛ لا يأخذهم في ذلك الاّ ولا ذمة ـ معجم البلدان ـ مادة اصفهان .
(5) تأريخ حصر الاجتهاد : 110 عن الخطط المقريزية 2 : 333 .
(6) تأريخ حصر الاجتهاد : 99 ، 100 عن الخطط المقريزية 2 : 334 .

(228)


الدولة الأيوبية وحصر المذاهب بدمشق :

استقرت الدولة الفاطمية في مصر بأول خلفائها المعز لدين اللّه‏ في حدود سنة ( 360 ه ) وبعد مائتي سنة وبالضبط في سنة ( 556 ه ) استخلف آخر خلفائهم عبد اللّه‏ بن يوسف العاضد لدين اللّه‏ ، وكان له وزير يدعى شاور وأمير يُدعى ضرغام يضار شاور الوزير على وزارته ، في سنة ( 559 ه ) ضاق الوزير شاور بالامير ضرغام فالتجأ الى اميرهم في دمشق نور الدين واستجار به وطلب منه ارسال عسكر معه الى مصر ليعود الى منصبه ، فجهّز معه جيشا بقيادة أسد الدين شيركوه ، فساروا حتى وصلوا مدينة بلبيس ، فخرج اليهم ضرغام بعسكر المصريين ، فقُتل وانهزموا ، فخلع الخليفة على شاور وأعاده الى وزارته .
ثم غدر شاور بما وعد به اسد الدين شيركوه فخرج اليه شيركوه في سنة ( 564 ه ) حتى قتل الوزير شاور ، وتوفي شيركوه في السنة نفسها ، فأرسل العاضد الى صلاح الدين يوسف ابن ايوب بن شاذي ( الكردي العراقي الشافعي ) وهو ابن اخ أسد الدين شيركوه ، فأحضره عنده وخلع عليه وولاّه الوزارة بعد عمه ، ولقّبه الملك الناصر ، فأخذ صلاح الدين يبذل الأموال حتى استمال قلوب الناس عن الخليفة العاضد الى نفسه .
وفي سنة ( 566 ه ) مرض الخليفة العباسي المستنجد باللّه‏ ، وكان قد امر بقتل قطب الدين قايماز واستاذ الدار ، فدخل المذكوران عليه بأصحابهما فحملوه الى الحمام فالقوه فيه واغلقوا عليه الباب وهو يصيح الى ان مات ، فاحضروا ابنه المستضيء باللّه‏ وبايعوه .
وفي سنة ( 567 ه ) ضعف أمر الخليفة الفاطمي العاضد لدين اللّه‏ ، وقوى قدم صلاح الدين ، فعزم على ان يقطع الخطبة للعاضد ويخطب للعباسيين ! فلما كان أول جمعة من المحرم صعد الأمير العالم الأعجمي المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء ، فتبعه الخطيب ، وتبعه الخطباء بمصر فقطعوا الخطبة للعاضد وخطبوا للمستضيء ، والعاضد في قصره يحكم فيه صلاح الدين ونائبه الامير قراقوش الاسدي ، ولم يعلم العاضد بذلك حتى مات يوم عاشوراء في السنة نفسها(1) .



(1) تأريخ مختصر الدول : 212 ـ 215 للعلامة غريغوريوس الملطي (ابن العبري) .

(229)


وبعد اثنين وعشرين عاما في سنة ( 589 ه ) توفي صلاح الدين يوسف بن ايوب بن شاذي بدمشق . وفي سنة ( 592 ه ) تسلّم الملك العادل ابو بكر بن ايوب اخو صلاح الدين ، تسلّم مدينة دمشق . وكان قد استولى على مصر الملك العزيز ابن صلاح الدين فمات في ( 595 ه ) فسار عمه الملك العادل من دمشق الى القاهرة فاستولى عليها(1) واستولى على دمشق ابنه الملك الأشرف ( ت 635 ه )(2) .
وكان صلاح الدين قد بنى بدمشق مدرسة أسماها « دار الحديث » ونصب الاشرف عليها الشيخ عثمان بن صلاح الدين الشهرزوري الكردي العراقي الشافعي ( 643 ه ) وهذا هو أول من أصدر فتوى : بحرمة الخروج عن تقليد المذاهب الأربعة ، مستدلاً له بـ ( اجماع المحققين ) كما ذكره الشيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمد مصطفى المراغي في مقال له بعنوان « بحث في التشريع الاسلامي »(3) .

آخر الخلافة العباسية وحصر المذاهب في بغداد :

انّ اقرب الكتب التأريخية لحوادث التأريخ المعهود في بغداد ، وأقدمها وأقومها كتاب « الحوادث الجامعة في المائة السابعة » لكمال الدين عبد الرزاق الفوطي المروزي البغدادي المتوفى سنة ( 723 ه ) وقد كتب هذا بشأن المدرسة المستنصرية ببغداد ما يلي :
وكان الشروع في بنائها بأمر المستنصر باللّه‏ في سنة ( 625 ه ) وقد تولى عمارتها استاذ الدار مؤيد الدين محمد بن العلقمي .
ويوم افتتاحها سنة ( 631 ه ) قسمت على أربعة اقسام :
فسُلّم الربع القبلي الأيمن الى الشافعية .
والربع الايسر الى الحنفية .
والربع الثالث يمنة الداخل للحنابلة .


(1) المصدر السابق : 223 ـ 225 .
(2) المصدر السابق : 250 .
(3) تأريخ حصر الاجتهاد : 108 عن بحث في التشريع الاسلامي : 17 .

(230)


والميسرة للمالكية .
واختير لكل مذهب اثنان وستون نفسا من الذين يقرؤون الفقه والأحكام .
ورُتّب لهم مدرّسان : أحدهما من الشافعية ، والثاني من الحنفية .
ونائبا مدرّس ، أحدهما : حنبلي ، والآخر : مالكي .
وفي سنة ( 645 ه ) احضروا المدرسين الأربعة الموظفين لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة في دار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي ، وألزموهم أن لا يذكروا شيئا من تصـانيف أنفسهم للطلبة المتفقهين عندهم وأن يقتصروا على ذكر كلام المشايخ القدمـاء ( الأربعة ) تبركا بهم وتأدّبا لهم !
وكان مدرس الحنابلة في المدرسة المذكورة محيي الدين ابن الجوزي ، وكان ابنه جمال الدين ابن الجوزي محتسبا ، ثم قام مقام والده في التدريس ، فكان أول من أجاب بالسمع والطاعة .
ثم اجاب مدرّس المالكية الشيخ عبد اللّه‏ الشرماحي ( المصري ) .
وامتنع الشيخ شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية ...
وقاضي القضاة الشيخ عبد الرحمن اللمغاني مدرس الحنفية ، واجابا بما معناه : انّ المشايخ ( الأربعة ) كانوا رجالاً ونحن رجال ، ونحو ذلك من الكلام الموهم للمساواة بينهم وبين المشايخ القدماء ( الأربعة ) .
« فأنهى الوزير صورة الحال الى حضرة الخليفة المستعصم باللّه‏ ، فتقدم الخليفة بأن يلزموا المدرسين بذكر كلام المشايخ واحترامهم ، فالزموا بذلك ، فأجابوه جميعا بالسمع والطاعة »(1) .
وهذا من وقائع سنة ( 645 ه ) أي قبل انقراض بني العباس باحدى عشرة سنة على عهد الخليفة العباسي الاخير المستعصم باللّه‏ الذي قتله هولاكو سنة ( 656 ه ) .
ويظهر من التأريخ أن هذا التأريخ ( 645 ه ) لم يكن بداية الالزام بل التشديد عليه ، وأن


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 105 ـ 107 عن الحوادث الجامعة : 216 وقائع عام (645 ه) .

(231)


الالزام بدأ من قبل أو من حين افتتاح المدرسة المستنصرية ( 631 ه ) وأنه سرى مع حكم الخليفة حتى في الحجاز في المدينة ومكة في جوار دار اللّه‏ ، وهناك في جواره جار اللّه‏ محمود ابن عمر الزمخشري توفي سنة ( 538 ه ) وله مذهبه في الفقه ، فأبان أنه التزم أن لا يبوح بمذهبه وأن يكتمه طلبا للسلامة من غضب الخليفة كرها لا طوعا ولا اقتناعا ، اذ قال شعرا :

و ان سألوني مذهبي لم ابح به و اكتمه، كتمانه لي أسلم
فان حنفيا قلت، قالوا بأنني اُبيح الطلا، و هو الشراب المحرّم
وان شافعيا قلت قالوا بأنني ابيح لهم لحم الكلاب وهمْ همُ
وان مالكيا قلت قالوا بأنني ابيح زواج البنت ، والبنت محرم
وان حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل حلوليّ بغيض مجسّم !(1) .

ثم حصر المذاهب في مصر :

مرّ أن صلاح الدين الأيوبي في حدود منتصف القرن السادس ، وبالضبط في آخر سنة ( 567 ه ) قطع الخطبة للخليفة الفاطمي الاخير واستبدل عنه بالخطبة للخليفة العباسي ( الشافعي ) في بغداد . وفي ( 595 ه ) استولى على دمشق الشام ابن اخيه الملك الاشرف ، ونصب لرئاسة « دار الحديث » الشيخ عثمان بن صلاح الدين الشهرزوري الشافعي ، وقبل وفاة الملك الاشرف ( 635 ه ) أو قبل وفاة ابن الصلاح نفسه أصدر فتواه بتحريم الخروج عن تقليد هذه المذاهب الأربعة بإجماع المحققين ، كما قال .
وفي أواخر سنة ( 658 ه ) استولى على مصر من المماليك الأتراك بيبرس البندقداري ، وبعد سبع سنين من حكمه وفي سنة ( 665 ه ) أي بعد ثلاثين عاما تقريبا من صدور فتوى ابن الصلاح الشامي ، وافتتاح المدرسة المستنصرية وتوزيع جوانبها الأربعة على المذاهب الأربعة ، اقتدى بيبرس البندقداري بهما فوزّع القضاء في مصر على اربعة قضاة من المذاهب


(1) تنظر ترجمته في آخر الجزء السابع من تفسيره الكشاف الطبعة المصرية الاولى .

(232)


الأربعة « فأستمرّ ذلك من سنة ( 665 ه ) حتى لم يبق في مجموع امصار الاسلام مذهب يُعرف من مذاهب الاسلام سوى هذه الأربعة ، وعودي من تمذهب بغيرها واُنكر عليه( ! ) ولم يولّ قاضٍ ولا قبلت شهادة احد ما لم يكن مقلّدا لاحد هذه المذاهب( ! ) وفي طول هذه المدة افتى فقهاؤهم في الأمصار بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها( ! ) والعمل على هذا الى اليوم »(1) .
هذا من كتاب « المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار » وهو في تأريخ مصر للشيخ تقي الدين ابي العباس احمد بن علي بن عبد القادر بن محمد القاهري البعلبكي المقريزي نسبة الى حارة المقارزة في بعلبك ، ولد بها سنة ( 766 ه ) وتوفي في القاهرة سنة ( 845 ه )(2) وخطّ كتابه الخطط في حدود سنة ( 804 ه )(3) .
ولا يغيب عنا أن هولاكو المغولي حاصر بغداد في سنة ( 656 ه ) واستسلم له الخليفة العباسي الأخير المستعصم باللّه‏ فقتله وانتهت الخلافة العباسية ، فكان هذا الملك التركي بيبرس البندقداري أراد بعمله هذا أن يحمل لواء المركزية لحماية المذاهب الأربعة الرسمية بدلاً من بغداد وعوضا عن الخلافة العباسية المُنهارة .

حجة هذه الاحكام وتلك الفتاوى :

سبق قول المقريزي : « إن بيبرس البندقداري ولّى مصر أربعة قضاة : شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي ... واستمر ذلك من سنة ( 665 ه ) حتى اليوم » ثم قال : « وفي طول هذه المدة أفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها » ولم ينقل دليلاً لهذه الفتاوى سوى أنها لحقت حكم البندقداري ، وعليه فحكم البندقداري كان سابقا لهذه الفتاوى ، الا انه كان لاحقا لفتوى ابن الصلاح الشهرزوري ، وهو افتى بحرمة الخروج عن تقليد الأربعة ، مستدلاً له « باجماع المحققين » كما ذكره شيخ الأزهر الاسبق


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 101 عن الخطط المقريزية 2 : 344 .
(2) تأريخ حصر الاجتهاد : 85 .
(3) المصدر السابق : 102 .

(233)


الشيخ محمد مصطفى المراغي في مقاله بعنوان « بحث في التشريع الاسلامي » كما مرّ .
ومرّ أيضا عن رسالة « الانصاف ... » للمولوي شاه ولي اللّه‏ : « ان الناس في المائة الاولى والثانية كانوا غير مجتمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه »(1) .
وعنه أيضا في رسالته الاُخرى « عقد الجيد ... » : « اجتمعت الاُمة على ان يعتمدوا في معرفة الشريعة على السلف »(2) .
وقد نقل محصّل قوله العلامة الطهراني فقال : قسّم المسلمين من لدن رحلة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى عصره الى ثلاث طبقات :
فالطبقة الاولى : هم الناس في المائة الاولى والثانية ، وهم الذين مرّ كلامه في تكليفهم آنفـا .
والطبقة الثانية : هم الذين نشؤوا بعد المائتين الى رأس المائة الرابعة ؛ فصنّفهم الى ثلاثة اصناف :
أ ـ صنف منهم المجتهد المطلق المستقل ، وهو المقتدر على امور ثلاثة :
1 ـ التصرف في الاصول والقواعد .
2 ـ الجمع بين الأحاديث .
3 ـ تفريع التفاريع .
ب ـ الصنف الثاني : المجتهد المنتسب ، وهو الذي تنتسب فتواه الى واحد من المجتهدين المستقلين ولا يتجاوز عن رأيهم من علماء الطبقة الاولى .
ج ـ الصنف الثالث : العامي الجاهل .
ومن لم يكن من الصنف الاول فلم يقدر على تلك الامور الثلاثة ، يجب عليه تقليد المجتهد المستقل ، سواء كان من الصنف الثاني ، أو كان من الصنف الثالث .
والطبقة الثالثة : من نشأ من المسلمين من رأس المائة الرابعة ، فمن هذا التأريخ امتنع


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 93 عن دائرة المعارف لفريد وجدي 3 : 221 .
(2) المصدر السابق : 93 عن دائرة المعارف لفريد وجدي 3 : 245 .

(234)


وجود المجتهد المستقل حتى اليوم ، وانما يوجد المجتهدون المنتسبون الى اولئك المجتهدين المستقلين ( الأربعة ) فحسب ، فيجب على العامي تقليد هؤلاء لا غير ، ثم قال :
« ان قلت : كيف صار التمذهب بعد مائتي سنة بمذهب معين واجبا ، مع أنه لم يكن واجبا أولاً ؟
قلت : الواجب الاصلي ان يكون في الامة من يعرف جميع الاحكام بأدلّتها ، ومقدمة الواجب واجبة ، فان تعددت الطرق الى الواجب تخيّر في أ يّها ، واذا انسدّت الطرق الا واحدة تعين هو »(1) .
وذكر مسألة حصر الاجتهاد والتقليد في المذاهب الأربعة في رسالة « عقد الجيد » في « باب تأكيد الأخذ بهذه الأربعة والتشديد في تركها والخروج عنها » فقال : « اعلم ان في الأخذ بهذه المذاهب الأربعة مصلحة عظيمة ، وفي الاعراض عنها كلها مفسدة كبيرة ، نحن نبيّن ذلك بوجوه » ثم ذكر وجوها :
منها : أنه لما طال العهد وضُيّعت الامانات ، لم يجز الاعتماد على اقوال علماء السوء وقضاة الجور ، والمفتين بالاُصول والأهواء .
ومنها : أنه لما اندرست سائر المذاهب تدريجا مال السواد الاعظم الى هذه الأربعة ، وقد قال النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « اتبعوا السواد الاعظم »(2) .
ومنها : انه اجتمعت الامة على ان يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة ، فلابد لنا من الرجوع اليهم ، ولا يُرجع الا الى المروي عن السلف بسند صحيح مدوّن في الكتب المشهورة مع بيان الأرجح من دلالتها وتخصيص عمومها أو تقييدها والجمع بين مختلفاتها ، ولا توجد هذه الخصوصيات الا في المذاهب الأربعة ، وليس مذهب آخر بهذه الصفة الا الامامية والزيدية ، وهم اهل بدعة لا يجوز الاعتماد على اقاويلهم ، فتعيّن الأخذ بأحد المذاهب الأربعة(3) .


(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 116 ـ 118 عن رسالة الانصاف في دائرة معارف القرن العشرين 3 : 221 ـ 227 .
(2) بحار الانوار 68 : 289 .

(235)


ردود المجتهدين على هذا الحصر :

في استعراضنا لحصر المذاهب في بغداد مرّ عن ابن الفوطي ان شهاب الدين الزنجاني مدرّس الشافعية ، وقاضي القضاة عبد الرحمن اللمغاني مدرّس الحنفية امتنعا عن الالتزام بالاقتصار على ذكر فتاوى الأئمة الأربعة وأجابا ما معناه : ان اولئك المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال ، ونحو ذلك من الكلام الموهم للمساواة بينهم وبين المشايخ القدماء أئمة المذاهب الأربعة ... الى ان الزمهم الخليفة المستعصم بذلك(1) .
ومرّ هناك كذلك موقف جار اللّه‏ محمود بن عمر الزمخشري ( ت 538 ه ) من المذاهب الأربعة .
وقد بلغ الضغط على الناس والفقهاء بتبعية المذهب الشائع عندهم ، الى حد ان اضطر احمد بن تيمية الحنبلي ( ت 728 ه ) ومعه كثير من اتباعه ان يشهدوا على انفسهم انهم تركوا المذهب الحنبلي الى المذهب الشافعي ، في حين ان فتاواه الخارجة عن المذاهب الأربعة والمعمول بها لدى الوهابيين ما زالت تشهد باستقلاله(2) .
وفي سنة ( 1296 ه ) طبع في الاستانة كُتيب « حصول المأمول من علم الاصول » للشيخ صديق حسن خان البخاري القنوجي ( ت 1307 ه ) فتح فيه باب الاجتهاد وأنكر حصره على المذاهب الأربعة فقال ما لفظه :
« ان مَن حصر فضل اللّه‏ على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره ، فقد تجرأ على اللّه‏ عز وجل ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده ثم على عباده الذين تعبدهم بالكتاب والسنة ... فان كان التعبد بالكتاب والسنة بمن كانوا في العصور السابقة ، ولم يبق لهؤلاء المتأخرين الا التقليد لمن تقدمهم ، ولا يتمكنون من معرفة احكام اللّه‏ في كتاب اللّه‏ وسنة رسوله ، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة ؟!


(1) تأريخ حصر المذاهب : 119 عن رسالة عقد الجيد في دائرة معارف القرن العشرين 3 : 245 .
(2) تأريخ حصر المذاهب : 107 عن الحوادث الجامعة في المائة السابعة لابن الفوطي : 216 .
(3) تأريخ حصر المذاهب : 112 .

(236)


وهل النسخ الا هذا ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم ! »(1) .
ومن المتأخرين قال محمد فريد وجدي : « لما طرأ على المسلمين الجمود الاجتماعي ، وتولاّهم القصور عن فهم اسرار الشريعة ، ستروا ذلك القصور بدعوى انسداد باب الاجتهاد والاستنباط . والحقيقة أنه مفتوح بنص الكتاب والسنة ( كذا ) الى يوم القيامة »(2) .
ومنهم الشيخ محمد عبده ، وتلميذه وصاحبه السيد رشيد رضا صاحب « المنار » والشيخ محمود شلتوت ، والسيد سابق فقيه الاخوان المسلمين في مقدمة « فقه السنة » .

* * *

 



(1) تأريخ حصر الاجتهاد : 113 ، 114 عن حصول المأمول من علم الاصول : 187 .
(2) تأريخ حصر الاجتهاد : 114 عنه دائرة معارف القرن العشرين 3 : 197 .

(237)