مقالات  

من تاریخ تدوین الحدیث (4)

تأريخ تدوين الحديث ـ 4 ـ

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

عرض الكاتب في القسم الثالث موقف عثمان ومعاوية من تدوين الحديث، وفي هذا القسم يتطرّق الى موقف الصحابة وأمير المؤمنين عليه‏السلام من الموضوع نفسه ومن ثم يخلص الى نتائج بحثه .

الصحابة ورواية الحديث :

روى ابو رية في أضوائه ـ وهو يعدّد الاخبار الوثيقة المتوافرة في رغبة الصحابة عن رواية الحديث ـ عن ابن سعد في طبقاته عن عمر بن ميمون قال : اختلفت الى عبد اللّه‏ بن مسعود سنة ، فما سمعته فيها يحدّث عن رسول اللّه‏ ، ولا يقول : قال رسول اللّه‏ ، الا انه حدّث
ذات يوم بحديث فجرى على لسانه : قال رسول اللّه‏ : فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدّر عن جبينه ! ثم قال : ان شاء اللّه‏(1) .
وعنه عن علقمة بن قيس : انه كان يقوم قائما كل عشية خميس ، فما سمعته في


(1) سنن ابن ماجة 1 : 8 .

(55)


عشية منها يقول : قال رسول اللّه‏ ، غير مرة واحدة ، فنظرت اليه ، ـ وهو يعتمد على عصا ـ فنظرت الى العصا تزعزع .
وسأل مالك الدينار ميمون الكردي أن يحدث عن أبيه الذي ادرك النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وسمع منه فقال : كان أبي لا يحدثنا مخافة أن يزيد أو ينقص .
وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن كعب قال : قلت لأبي قتادة : حدثني بشيء سمعته عن رسول اللّه‏ ، قال : اخشى أن يزلّ لساني بشيء لم يقله رسول اللّه‏ .
وأخرج البخاري والدارقطني عن السائب بن يزيد قال : صحبت عبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبد اللّه‏ ، وسعد بن أبي وقاص ، والمقداد بن الأسود ، فلم اسمع الواحد منهم يحدث عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم .
واخرج احمد وابو يعلى عن دجين قال : قدمت المدينة فلقيت اسلم مولى عمر بن الخطاب ، فقلت : حدثني عن عمر ، فقال : لا استطيع ، أخاف ان ازيد أو انقص ، ان رسول اللّه‏ قال : من كذب

(56)


عليَّ فهو في النار .
وقال عمران ابن حصين : واللّه‏ اني كنت لأرى أني لو شئت لحدثت عن رسول اللّه‏ يومين متتابعين ، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالاً من أصحاب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت ويحدثون احاديث ما هي كما يقول ، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم ، فاعلمك انهم كانوا يغلطون ( وفي نسخة يخطئون ) لا أنهم كانوا يتعمدون .
وأخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : قلت لزيد بن أرقم : حدثنا عن رسول اللّه‏ قال : كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول اللّه‏ شديد(1) .
وقال ابن قتيبة في ( تأويل مختلف الحديث ) : « وكان كثير من الصحابة وأهل الخاصة برسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم كأبي بكر ، والزبير ، وأبي عبيدة ، والعباس بن عبد المطلب ، يقلون الرواية عنه ، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا ، كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة »(2) .
ثم يقول ابو رية : ولو انت تصفحت ( البخاري ومسلم ) لما وجدت فيهما حديثا واحدا لأمين هذه الامة ابي عبيدة عامر بن الجراح ، وليس فيهما كذلك حديث لعتبة بن غزوان وابي كبشة مولى رسول اللّه‏ وكثيرين غيرهم(3).
وفي فصل ( رواية كبار الصحابة ) أورد عدد ما رواه كبار الصحابة ، فنقل عن النووي في تهذيبه انه قال : روى ابو بكر عن النبي ( 142 ) حديثا ، أورد منها السيوطي في ( تأريخ الخلفاء ) ( 104 ) والذي منها في البخاري حديثان ، وفي مسلم حديث ، وحديث في السنن الاربع ، وستة في الترمذي ، ثم قال ولم يصح عن عمر الا نحو خمسين حديثا ، أما عثمان فقد ذكروا انه روى ( 146 ) حديثا روى البخاري منها ثمانية ومسلم خمسة ، ولم يصح عن علي عليه‏السلام الا نحو خمسين حديثا لم يحمل البخاري ومسلم منها الا نحو عشرين حديثا ، وقال عن


(1) سنن ابن ماجة 1 : 8 وسنن البيهقي 10 : 11 والمحدث الفاضل : 132 : آ ـ السنة : 95 .
(2) تأويل مختلف الحديث : 39، ط . دار الجيل ـ بيروت 1972 .
(3) الاضواء : 31 ـ 33 .

(57)


ابي بن كعب : انه جاء عنه نحو خمسين حديثا ، وعن زيد بن ثابت : انه لم يرو الا ( 92 ) حديثا اتفق الشيخان على خمسة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث(1) .
يستشهد ابو رية بهذه الروايات ويقول : « كان الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة واهل الفتيا منهم ـ كما علمت ـ يتقون كثرة الاحاديث عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ، بل كانوا يرغبون عن روايته ، اذ كانوا يعلمون ان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم قد نهى عن كتابة حديثه ، وانهم اذا حدثوا عنه قد لا يستطيعون ان يؤدوا كل ما سمعوه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على وجهه الصحيح »(2) .
فهو يعلل رغبتهم عن رواية الحديث عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأمرين نجد احدهما فيما رواه عنهم ، وهو قوله : « وانهم اذا حدثوا عنه قد لا يستطيعون ان يؤدوا كل ما سمعوه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم على وجهه الصحيح » ثم لا نجد للسبب الثاني اي اثر في كلامهم ، وهو قوله : « اذ كانوا يعلمون ان النبي قد نهى عن كتابة حديثه » فلا نرى في اي رواية من الروايات العشر التي يستشهد بها لغرضه اي واحد منهم يعلل رغبته عن رواية حديث رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بنهي النبي عنه .
فمن اين جاء ابو رية بهذا التعليل العليل ؟ وأليس في عدم احتجاجهم به اكبر دليل على عدمه ؟ ! ولماذا يحسب هذا التشدد من آثار النهي المزعوم عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهلاّ يحسبها من آثار نهي عمر ؟ !

الصحابة وكتابة الحديث :

ويورد العجاج في كتابه ( السنة قبل التدوين ) روايات اخرى عن احجام الصحابة عن كتابة الحديث :
منها : عن زيد بن ثابت انه ابى ان يكتب عنه مروان بن الحكم وقال : لعل كل شيء حدثتكم به ليس كما حدثتكم »(3) .


(1) المصدر : 202 ـ 206 .
(2) الاضواء : 33 .
(3) السنة قبل التدوين : 313 نقلاً عن جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 : 63 .

(58)


وكذلك أبى ابو هريرة ان يكتب عنه كاتب مروان بن الحكم(1) ، وكان يقول : إن ابا هريرة لا يكتم ولا يُكتب(2) ،أو يقول : نحن لا نكتب ولا نُكتب(3) .
وكذلك أبى عبد اللّه‏ بن عباس ان يكتب عنه : وكان يقول : انا لا نكتب العلم ولا نُكتبه انما ضل من كان قبلكم بالكتب(4) .
وأبى ابو سعيد الخدري ان يُكتب ابا نضرة وقال : انا لن نكتبكم ولن نجعله قرآنا(5) .
وأبى ابو موسى الأشعري ان يكتب ابنه عنه ومحا كتبه وقال : إن بني اسرائيل كتبوا كتابا واتبعوه وتركوا التوراة(6) .
واُتي عبد اللّه‏ بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم امر بها فاحرقت(7) .
وكان سعيد بن جبير يكتب ويسأل عنه عبد اللّه‏ بن عمر ويخفيها عنه ويقول : لو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه(8) .
ثم كتب العجاج يقول : « هؤلاء معظم الذين كرهوا كتابة الحديث في الصدر الأول ، حاولت ان اثبت رأي كل منهم الى جانب وجهة نظره فيما ذهب إليه من المنع والكراهة ، لأتمكن من استنتاج اسباب هذه الكراهة ، فوجدت كما قال الخطيب البغدادي : « إن كراهة الكتاب في الصدر الاول انما هي لئلا يضاهى بكتاب اللّه‏ تعالى غيره ، أو يشتغل عن القرآن بسواه ... والنهي عن كتب العلم في صدر الاسلام وجدته لقلة الفقهاء والمميزين بين الوحي وغيره ... [و] اكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين ، فلم يؤمن ان يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ، ويعتقدوا ان ما اشتملت عليه كلام الرحمن »(9) .
ثم يضيف العجاج فيقول : « اضف


(1) المصدر : 212 عن الاصابة 7 : 202 وتقييد العلم : 41 .
(2) المصدر : 213 عن طبقات ابن سعد ق2 ج2 : ص119 ـ وتقييد العلم ص42 .
(3) المصدر : 313 عن سنن الدارمي 1 : 122 وجامع بيان العلم 1 : 66 .
(4) المصدر : 313 عن جامع بيان العلم 1 : 65 وتقييد العلم : 42 .
(5) المصدر : 214 عن المصدر السابق .
(6) المصدر : 314 عن المصدر السابق .
(7) المصدر : 313 عن المصدر السابق .
(8) المصدر : 314 عن المصدر السابق .
(9) السنة قبل التدوين : 314 عن تقييد العلم : 57 .

(59)


الى هذا ورع الصحابة وخشيتهم من ان يكون ما يملونه أو يقيدونه غير ما سمعوه من الرسول عليه الصلاة والسلام » الى ان قال : « ثم إن بعض الصحابة انفسهم قد اجاز الكتابة ، وكتب بعضهم بيده ، وتغير رأي من عرف منهم النهي عن كتابة الحديث ، حينما زالت اسباب المنع ، وخاصة بعد ان جمع القرآن في المصاحف وارسل الى الآفاق » .
ثم قال : « ولا ينقض هذا الرأي الذي ذهبنا إليه ما روي عن انس بن مالك ان ابا بكر كتب له فرائض الصدقة التي سنّها رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم بأن هذا كان قبل نسخ المصاحف ...
لأننا لم نجعل الخشية من التباس الكتاب بالسنة السبب الوحيد لمنع الكتابة ، بل هناك اسباب اخرى قد ذكرتها فيما سبق »(1) .
ولم يسبق منه من الاسباب سوى ثلاثة نقلها عن الخطيب هي : « لئلا يضاهى بكتاب اللّه‏ تعالى غيره ، أو يشتغل عن القرآن بسواه ، [ أو ] يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن » ورابع اضافه فقال : « أضف الى هذا : ورع الصحابة وخشيتهم من ان يكون ما يملونه أو يقيدونه غير ما سمعوه من الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم ».
فالاسباب كما يقول العجاج اربعة نعرض لها فيما يلي :
1 ـ اما الأول : « لئلا يضاهى بكتاب اللّه‏ تعالى غيره » فلنا ان نسأل الخطيب والعجاج : هل خشية المضاهاة سبب مستقل ام هو من خشية « ان يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا ان ما اشتملت عليه كلام الرحمن » ؟ فان كان هو فسيأتي الكلام عليه ، وان كان سببا مستقلاً ، فهل ان مضاهاة كتاب اللّه‏ بكتاب يفسره ويبينه من حديث رسول اللّه‏ الذي قال فيه إنه : «لا ينطق عن الهوى » وأمر باتباعه واطاعته في آيات كثيرة اثبت حجية كلامه وحديثه ... من المحرم ؟ ! اذن كيف جاز لكما ان تكتبوا هذه الكتب ؟ ! وهل ان المضاهاة كانت حراما فحلّت الآن ؟ ! واذا كان كذلك


(1) السنة قبل التدوين : 314 ـ 317 .

(60)


فبماذا حلّ ما كان حراما ؟ !
ان كان حلّ بأمن القرآن من الالحاق به ، فقد فرض ان المضاهاة نفسها محرمة ، وان خشية الالحاق بالقرآن سبب آخر يأتي الكلام عنه ، فالمضاهاة باقية ان كانت محرمة .
2 ـ واما السبب الثاني : « أو يشتغل عن القرآن بسواه » فقد تكلمنا فيه سابقا ، والآن لنا ان نسأل الخطيب والعجاج فنقول : وما هو هذا الذي هو سوى القرآن يخشى ان كتب ان يشتغل به عن القرآن ؟ أليس هو حديث الرسول بالقرآن يفسر القرآن ويبينه للناس كما أمره اللّه‏ ، لا يتقول على اللّه‏ ، ولو تقوّل لأخذه باليمين ثم لقطع منه الوتين ؟ ! اذا كان هو فلماذا يخشى اشتغال الناس به عنه وهو يفسره ؟ ! ولو كان يخشى هذا الاشتغال فهو باق ، فهل ان كتابته بعد محرمة ؟ ! ولماذا وبماذا ارتفعت الحرمة وسبب الحرمة لم يرتفع ؟!
3 ـ واما السبب الثالث : « فلم يؤمن ان يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا ان ما اشتملت عليه كلام الرحمن » ... فان كان هذا هو السبب الوحيد لمنع الكتابة ، فقد اعترف العجاج ـ على هذا ـ انه منقوض بما روي عن انس بن مالك ان ابا بكر كتب له فرائض الصدقة التي سنها رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأن هذا كان قبل نسخ المصاحف ، فلو كان السبب الوحيد لمنع الكتابة الخشية من التباس الكتاب بالسنة لكان هذا السبب قبل نسخ المصاحف اقوى ، فما الذي أمّن ابا بكر ـ المانع للكتابة لخشية الالتباس على الفرض ـ ان لا يلتبس هذا الكتاب بكتاب اللّه‏ ؟ ! ام هل ارتكب ابو بكر هذا الكتاب خلاف الشرع ؟! وقد سبق قبل هذا رد ابي رية على هذا الزعم فراجع . وبهذا نكون قد اتينا على ما ذكره الخطيب من اسباب .
4 ـ واما السبب الرابع الذي اضافه العجاج الى اسباب الخطيب بقوله : « اضف الى ذلك : ورع الصحابة وخشيتهم من ان يكون ما يملونه أو يقيدونه غير ما سمعوه من الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم » فلنا ان نسأل

(61)


العجاج : هل كانت هذه الخشية في جميع ما يقيدونه ويحفظونه ؟! ان كان كذلك فلماذا كتبوا ما كتبوا كما ذكرت ، ولماذا رووا كما رووا ؟!
أما اذا كانت هذه الخشية في بعض ما يقيدونه ويحفظونه ، فلماذا ينهون غيرهم عن الحديث عنه وكتابته بصورة مطلقة ؟ فهل ان خشية عدم الضبط في بعض ما يحفظونه يكون سببا لمنع الضبط بصورة مطلقة شاملة لما يحفظونه ويؤكدونه ؟! أم هل لأحد ان يدعي ان نهيهم عنه كان مقيدا بما لا يحفظونه لا مطلقا ؟! فأين هذا التقييد ان كان ؟ !
ويلخص الكلام العجاج بكلام الخطيب اذ يقول : « ولن يكون كتب الصحابة ما كتبوه من العلم وأمروا بكتبه الا احتياطا ، كما كان كراهيتهم لكتبه احتياطا ، واللّه‏ اعلم »(1) .
والملاحظ على الصحابة والخطيب والعجاج من بعده : انه لم يعلل اي واحد منهم كراهتهم أو رغبتهم عن رواية حديث رسول اللّه‏ وكتابته أو امتناعهم عنه ومنعهم ونهيهم بنهي رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن ذلك ! مما يبعث على الايمان بعدم صدور نهي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن ذلك ، والا لكان احدهم يحتج به . والملاحظ بعد هذا : انهم لم يحتجوا بنهي الخليفتين أيضا ، لسبب من الأسباب .
وهذا ابن عباس يسأل ابا رافع صاحب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومعه من يكتب له(2) وفي رواية انه كانت معه الواح يكتب فيها(3) وكان يحض على التعلم والكتابة ويقول قيدوا العلم بالكتاب ، ومن يشتري مني علما بدرهم(4) ويملي التفسير على مجاهد بن جبير ويقول له : اكتب(5) .
وهذا انس بن مالك خادم رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وملازمه في بيته ليلاً ونهارا عشر سنوات ، كان يملي الحديث(6) حتى اذا ما كثر عليه الناس جاء بمجالٍ من


(1) السنة قبل التدوين : 321 عن تقييد العلم : 94 .
(2) السنة قبل التدوين : 319 عن الاصابة في ترجمته .
(3) المصدر عن تقييد العلم : 91 ـ 92 و109.
(4) المصدر عن تقييد العلم : 92 وجامع العلم 1 : 72 والعلم لزهير بن حرب : 193 .
(5) المصدر : 319، عن تفسير الطبري 1 : 31 تحقيق احمد محمد شاكر .
(6) المصدر : 320 عن تأريخ بغداد 8 : 259 .

(62)


كتب فالقاها ثم قال : « هذه احاديث سمعتها وكتبتها عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعرضتها عليه »(1) وكان يقول لبنيه : « يابني قيدوا العلم بالكتاب »(2) .
وكان البراء بن عازب يحدث ويكتب من حوله ، فعن عبد اللّه‏ بن خنيس قال : « رأيتهم عند البراء يكتبون على ايديهم بالقصب »(3) .
والآن اكرر كلام العجاج مرة اخرى : « تلك اخبار متعاضدة تثبت ان الصحابة قد اباحوا الكتابة ، وكتبوا الحديث لأنفسهم ، وكتب طلابهم بين ايديهم ، واصبحوا يتواصون بكتابة الحديث وحفظه ... » .
وأقول : وقد ثبت من قبل أنهم كانوا يكرهون الرواية ويرغبون عن الحديث والكتابة ، ولم يتعللوا بنهي النبي عنه قط ، بل بخشية عدم الضبط احيانا ... الا أبا هريرة فانه كان يصرح ـ كما مرّ ـ بالسبب الواقعي فكان يقول ما يقول عن درّة عمر ! فهل ليس من الحق ان نحمل امتناع الجميع على هذا ، بعد ان اعيتنا سائر المحامل والوجوه ؟!
فلعمري ان القول الفصل ان نحمل كراهة الصحابة ورغبتهم عن الرواية والكتابة على محمل ابي هريرة ، وان لم يصرحوا به في كلماتهم ، وليس لأي سبب من سائر الأسباب المذكورة المفندة اي موقع من الصحة والواقع ... بل كانوا يمتنعون عنه متى خافوا الدرة ، واباحوا لأنفسهم متى امنوا منها على انفسهم ... وليس ابو هريرة هنا وحده ، فان قرظة بن كعب أيضا لما قيل له : حدثنا قال : نهانا عمر ! وقد صدق فلم يقل رسول اللّه‏ !

آثار هذا المنع :

والآن وبعد ان استعرضنا الآراء في توجيه نهي عمر ، لا بأس ان نستعرض آثار هذا المنع فنقول : قد استعظم الامام شرف الدين آثار هذا المنع فقال :


(1) المصدر : 320 عن تقييد العلم : 95 و 96 .
(2) المصدر : 320 عن تقييد العلم : 96 ونحوه في 97 وكتاب العلم لزهير : 192 .
(3) المصدر : 220 عن تقييد العلم : 105 وجامع العلم 1 : 81 والعلم لزهير بن حرب : 193 .

(63)


« ولا يخفى ما قد ترتب على هذا من المفاسد التي لا تتلافى ابدا ! ... فان في السنة ما يوضح متشابه القرآن ، ويبين مجمله ، ويخصص عامه ، ويقيد مطلقه ، ويوقف أولي الالباب على كنهه ، فبحفظها حفظه ، وبضياعها ضياع لكثير من احكامه ... اذ لو كانت السنن مدونة من ذلك العصر في كتاب تقدسه الامة لارتج على الكذابين باب الوضع؛ وحيث فاتهما ذلك كثرت الكذابة على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولعبت في الحديث ايدي السياسة ، وعاثت به السنة الدعاية الكاذبة ، ولا سيما على عهد ( معاوية ) وفئته الباغية ، حيث سادت فوضى الدجاجيل ، وراج سوق الاباطيل »(1) .
ويقول السيد محمد باقر الصدر في مقدمته على كتاب ( تأريخ الامامية واسلافهم ) للدكتور عبد اللّه‏ الفياض : « إننا اذا تتبعنا المرحلة الاولى من حياة الامة الإسلامية في عصر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نجد بأن اتجاهين رئيسين مختلفين قد رافقا نش‏ء الامة وبداية التجربة الاسلامية منذ السنوات الاولى ، وكانا يعيشان معا داخل اطار الامة الوليدة التي انشأها الرسول القائد ...
والاتجاهان الرئيسان اللذان رافقا نشوء الامة الاسلامية في حياة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منذ البدء هما :
الاول : الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنصّ الديني في كل جوانب الحياة .
الثاني : الاتجاه الذي لا يرى ان ايمانه بالدين يتطلب منه التعبد الا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات ، ويؤمن بامكانية الاجتهاد ، وجواز التصرف على اساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني وفقا للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة .
وبالرغم من ان الصحابة ـ بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة ـ كانوا افضل وأوسع بذرة لنش‏ء رسالة ، حتى ان تأريخ الانسان لم يشهد جيلاً عقائديا اروع واطهر وانبل من الجيل الذي أنشأه


(1) النص والاجتهاد : 120 . عبد الحسين شرف الدين الموسوي . طبعة اُسوة .

(64)


الرسول القائد ...
بالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع منذ كان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على قيد الحياة ، يميل الى تقديم الاجتهاد ـ في تقدير المصلحة واستنتاجها من الظروف ـ على التعبد بحرفية النص الديني ...
وقد يكون من عوامل انتشار الاتجاه الثاني الاجتهادي في صفوف المسلمين : انه يتفق مع ميل الانسان بطبيعته الى التصرف وفقا لمصلحة يدركها ويقدرها ، بدلاً من التصرف وفقا لقرار لا يفهم مغزاه .
وقد قدر لهذا الاتجاه ممثلون جريئون من كبار الصحابة؛ من قبيل ( عمر بن الخطاب ) الذي ناقش الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واجتهد في مواضع عديدة خلافا للنص ، ايمانا منه بجواز ذلك ما دام يرى انه لم يخطى‏ء المصلحة في اجتهاده !
وبهذا الصدد يمكن ان نلاحظ : موقفه من ( صلح الحديبية ) واحتجاجه على هذا الصلح ، وموقفه من الاذان وتصرفه فيه باسقاط ( حي على خير العمل ) وموقفه من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حين شرع متعة الحج .
ويمضي السيد الصدر في كلامه يعكس هذا الاتجاه من عمر في مجلس الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في آخر يوم من ايام حياته؛ فيقول : « روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس؛ قال : لما حضر رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي : هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ، فقال عمر : ان النبي [ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ] قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه‏ ، فاختلف اهل البيت فاختصموا : منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده؛ ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم : قوموا »(1) ويقول في مقام آخر : « وهذا الرقم مما اجمعت صحاح المسلمين جميعا سنة وشيعة على نقله؛ وهو : ان الرسول لما حضرته الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال : « ايتوني بالكتف والدواة  


(1) بحث حول الولاية : 44 ـ 46 .

(65)


اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا »(1) .
ويقول السيد الصدر عن هذا الاتجاه الاجتهادي في مقابل النص : « وقد أدى هذا الاتجاه الى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول مباشرة ، شطر الامة الاسلامية الى شطرين ، قدر لاحدهما ان يحكم ، فاستطاع ان يمتد ويستوعب اكثرية المسلمين »(2) .
ويقول الميرزا خليل في ( الحديث عند الشيعة ) وهو يعدد آثار النهي عن الحديث : « فمن جراء هذا الحادث قال الشعبي قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصف ، فما سمعت يحدث عن رسول اللّه‏ الا حديثا واحدا(3) .
وقال السائب بن يزيد : صحبت سعد بن مالك من المدينة الى مكة فما سمعته يحدث بحديث واحد(4) .
وقال ابو هريرة : ما كنا نستطيع ان نقول :قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم حتى قبض عمر . واخرج الذهبي في ( التذكرة ) عن ابي سلمة قال : « قلت لأبي هريرة : اكنت تحدث في زمان عمر هكذا ؟ قال : لو كنت احدث في زمان عمر مثل ما احدثكم لضربني بمخفقته » وفي لفظ الزهري : « ان كنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ـ اما واللّه‏ ـ اذا لايقنت ان المخفقة ستباشر ظهري » .
وفي لفظ ابن وهب : « اني لاحدث احاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشجّ رأسي »(5) .

أمير المؤمنين ورواية الحديث وكتابته :

نقل العلامة الجليل والمحقق المتتبع المرحوم السيد حسن الصدر في كتابه النفيس ( تأسيس الشيعة لعلوم


(1) بحث حول الولاية : 21، عن صحيح البخاري ج1 كتاب الصلح، وصحيح مسلم ج2 في آخر الوصايا، ومسند احمد 1 : 300 .
(2) بحث حول الولاية : 44 .
(3) طبقات ابن سعد 4 : 106 . وسنن ابن ماجة 1 : 8 . وسنن الدارمي 1 : 84 والسنن الكبرى 1 : 11 .
(4) سنن ابن ماجة 1 : 9، وسنن البيهقي 1 : 12 وطبقات بن سعد 3 : 102 .
(5) الحديث عند الشيعة ـ مكتب تشيع 1 : 69 ـ 71 عن تذكرة الحفاظ 1 : 7 ورواه الزركلي في (سير اعلام النبلاء) 2 : 433 و 434، وجامع بيان العلم وفضله 2 : 121 .

(66)


الاسلام ) عن ( صحيح مسلم ) و( فتح الباري ) لابن حجر في المقدمة انهما قالا : « ان السلف اختلفوا في كتابة الحديث فكرهها طائفة منهم : عمر بن الخطاب وعبد اللّه‏ بن مسعود وابو سعيد الخدري ، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين ، واباحها طائفة اخرى كامير المؤمنين علي بن ابي طالب وابنه الحسن وانس وعبد اللّه‏ بن عمرو بن العاص ، ثم اجمع اهل العصر الثاني على جوازها »(1) .
وقال في مختصره باسم ( الشيعة وفنون الاسلام ) : « كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم ، فكرهها كثيرون منهم ، واباحها طائفة وفعلوها ، منهم علي وابنه الحسن عليهماالسلام ، كما في ( تدريب الرأوي ـ للسيوطي ) فعلمت الشيعة حسن تدوين العلم وترتيبه فبادروا الى ذلك اقتداءً بامامهم ، وزعم غيرهم النهي عنه فتأخروا ، اما الشيعة من الصحابة وكبار التابعين فانهم دوّنوا ذلك ورتبوه اقتداءً بأمير المؤمنين عليه‏السلام ، وأول شيء سجله أمير المؤمنين عليه‏السلام الى جانب كتاب اللّه‏ العزيز هو انه اشار الى عامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، ومجمله ومبينه ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وآدابه وسننه ، ونبّه على اسباب النزول في آياته ، وأوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات .
وله عليه‏السلام ( الصحيفة ) في الديات ، أوردها ابن سعيد في آخر كتابه المعروف بجامع ابن سعيد ، ويروي عنها البخاري في مواضع من صحيحه ، منها في أول كتاب العلم من الجزء الاول(2) .
ولعلها هي ( الصحيفة الجامعة ) التي روى بشأنها الشيخ الكليني عن ابي بصير انه قال : دخلت على ابي عبد اللّه‏ عليه‏السلام الى ان قال : « ثم قال : يا ابا محمد ! وان عندنا الجامعة ، وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال : صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واملائه من فلق فيه ، وخطِّ علي بيمينه .


(1) تأسيس الشيعة : 284، ط بغداد .
(2) تأسيس الشيعة : 279 .

(67)


فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الارش في الخدش ، وضرب بيده اليّ فقال : تأذن لي يا ابا محمد ؟ قال : قلت : جعلت فداك انما انا لك ، فاصنع ما شئت ، قال : فغمزني بيده وقال : حتى ارش هذا »(1) .
وروي عن ابي عبيدة قال : سأل ابا عبد اللّه‏ بعض اصحابنا . الى ان قال « قال له : فالجامعة ؟ قال : تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الاديم مثل فخذ الفالج(2) فيها كل ما يحتاج الناس اليه ، وليس قضية الا وهي فيها ، حتى ارش الخدش »(3) .
وروي عن بكر بن كرب الصيرفي قال « سمعت ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : إنّ عندنا ما لا نحتاج معه الى الناس وان الناس ليحتاجون الينا ، وان عندنا كتابا املاء رسول اللّه‏ وخطّ علي عليه‏السلام ، صحيفة فيها كل حلال وحرام(4) .
وروي عن ابي شيبة « قال : سمعت ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : ضل علم ابن شبرمة(5) عند الجامعة : املاء رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وخطّ علي عليه‏السلام بيده ، ان الجامعة لم تدع لأحد كلاما ، فيها علم الحلال والحرام ، ان اصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق الا بعدا ، ان دين اللّه‏ لا يصاب بالقياس »(6) .
ومما كتب عليه‏السلام من غير القرآن الكريم وتفسيره والصحيفة الجامعة ، هو مصحف فاطمة عليهاالسلام الذي روى بشأنه الشيخ الكليني عن حماد بن عثمان قال : سمعت ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : نظرت في مصحف فاطمة عليهاالسلام قال « فقلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : ان اللّه‏ تعالى لما قبض نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دخل على فاطمة عليهاالسلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه الا اللّه‏ عزوجل ، فارسل اللّه‏ اليها ملكا يسلي


(1) الكافي 1 : 239 .
(2) الاديم : الجلد . والفالج : الجمل العظيم ذو السنامين .
(3) الكافي 1 : 241 .
(4) الكافي 1 : 242 .
(5) عبد اللّه‏ بن شبرمة ـ بضم الشين ـ البجلي الكوفي من فقهاء الكوفة، تولى القضاء بها للمنصور وكان من اصحاب ابي حنيفة يقول بالقياس، لقى الامام الصادق بمنى فسأله عن القياس فرده الامام عنه، توفي في 144 ه كما في القسم الثاني من الخلاصة للعلامة الحلي : 236 ط النجف .
(6) الكافي 1 : 57 .

(68)


غمّها ويحدثها ، فشكت [ أو حكت [ ذلك الى أمير المؤمنين عليه‏السلام فقال : اذا احسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي ، فاعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين عليه‏السلام يكتب كلما سمع ، حتى اثبت من ذلك مصحفا . قال : ثم قال : اما انه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون »(1) .
وروى عن ابي عبيدة قال : سأل ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام بعض اصحابنا الى ان قال « قال : فمصحف فاطمة عليهاالسلام ؟ قال : فسكت طويلاً ثم قال : انكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون ! ان فاطمة مكثت بعد رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خمسة وسبعين يوما ، وكان دخلها حزن شديد على ابيها وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على ابيها ويطيّب نفسها ويخبرها عن ابيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان علي عليه‏السلام يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة »(2) .
وروى عن فضيل بن سكرة قال « دخلت على ابي عبد اللّه‏ عليه‏السلام فقال : يا فضيل اتدري في اي شيء كنت انظر قبيل ؟ قال : قلت : لا ، قال : كنت انظر في كتاب فاطمة عليهاالسلام ، ليس من ملك يملك الا وهو مكتوب فيه باسمه واسم ابيه »(3) .
وروي عن فضيل بن يسار وبريد بن معاوية وزرارة : ان عبد الملك بن اعين قال لابي عبد اللّه‏ عليه‏السلام : إن الزيدية والمعتزلة قد اطافوا بمحمد بن عبد اللّه‏(4) فهل له سلطان ؟ فقال : واللّه‏ ان عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي وكل ملك يملك الارض ، لا واللّه‏ ما محمد بن عبد اللّه‏ في واحد منهما »(5) .
وروي عن حمّاد بن عثمان قال « سمعت ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، وذلك اني نظرت في مصحف فاطمة عليهاالسلام »(6) .


(1) الكافي 1 : 240 .
(2) الكافي 1 : 241 .
(3) الكافي 1 : 241 .
(4) محمد بن عبد اللّه‏ بن الحسن المثنى ذو النفس الزكية قتيل باخمرا، وأتم به الزيدية لقولهم بامامة من خرج بالسيف من ولد فاطمة عليهاالسلام .
(5) الكافي 1 : 242 .
(6) الكافي 1 : 240 .

(69)


فهذه الاخبار ـ كما رأيت ـ تنصّ على املاء النبي وخط علي عليهماالسلام في الصحيفة الجامعة ، واملاء جبرئيل وخط علي عليهماالسلام في مصحف فاطمة عليهاالسلام . وهناك صحيفة ثالثة سواهما لم ينص على شيء من ذلك فيها ؟ ولكن الظاهر انها من خط علي باملاء النبيّ عليهماالسلام أيضا .
روى بشأنها الشيخ الكليني عن ابي عبيدة قال « سأل ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام بعض اصحابنا عن الجفر فقال : هو جلد ثور مملوء علما »(1) .
وروى عن ابي بصير قال : دخلت على ابي عبد اللّه‏ عليه‏السلام الى ان قال « ثم قال : وان عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟ قال قلت : وما الجفر ؟ قال : وعاء من ادم ، فيه علم النبيين والوصيين ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل »(2) .
وروى عن الحسين بن ابي العلاء قال « سمعت ابا عبد اللّه‏ عليه‏السلام يقول : ان عندي الجفر الأبيض ، قال : قلت : فأي شيء فيه ؟ قال : زبور داود وتوراة موسى وانجيل عيسى وصحف ابراهيم عليه‏السلام الى ان قال « وعندي الجفر الاحمر ، قال : قلت : واي شيء في الجفر الاحمر ؟ قال : السلاح ، وذلك انما يفتح للدم ، يفتحه صاحب السيف للقتل . »(3) .
ومما رواه الامام الصادق عن كتاب علي عليهماالسلام ما رواه الكليني عن طلحة بن زيد عنه « قال : قرأت في كتاب علي عليه‏السلام : ان اللّه‏ لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى اخذ على العلماء


(1) الكافي 1 : 241 .
(2) الكافي 1 : 240 .
(3) الكافي 1 : 240 .
والذي يبدو للناظر في هذه الاخبار هو ان اخبار الباب ـ الثمانية ـ جميعها عن ابي عبد اللّه‏ الصادق، وانه عليه‏السلام في اربعة منها يستند الى هذه الصحف فيقول في احدها وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف‏فاطمة عليهاالسلام ومعه سلاح رسول اللّه‏ » (الكافي 1 : 241)، وفي آخر يقول « ان دين اللّه‏ لا يصاب بالعقول » (الكافي 1 : 57) .
فيظهر من هذه الاخبار انه عليه‏السلام في اظهاره لخبر هذه الصحف انما كان يحق الحق بذلك ويبطل الباطل من دعوى محمد بن عبد اللّه‏ بن الحسن المثنى ذي النفس الزكية قتيل با خمرا، بأنه عنده هذه الصحف وعلمها أو يبطل الباطل في دعوى اصحاب القياس باستغنائهم عن فقه اهل البيت عليهم‏السلام .

(70)


عهدا ببذل العلم للجهال »(1) .

من تبع عليا عليه‏السلام من الصحابة والتابعين في رواية الحديث وكتابته :

قال السيد الصدر : « إن أول من جمع الحديث ورتبه بالابواب من الصحابة « وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا » وفي الآخر « لا واللّه‏ ما محمد بن عبد اللّه‏ واحد منهما » (الكافي 1 : 242)، وفي الآخر « فقال له عبد اللّه‏ ابن ابي يعفور : اصلحك اللّه‏ ايعرف هذا بنو الحسن ؟ فقال : اي واللّه‏ كما يعرفون الليل انه ليل والنهار انه نهار، ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والانكار، ولو طلبوا الحق بالحقِّ لكان خيرا لهم » (الكافي 1 : 240)، وعن سليمان بن خالد قال : « قال ابو عبد اللّه‏ : ان في الجفر الذي يذكرونه لما يسوؤهم، لانهم لا يقولون الحق والحق فيه . فليخرجوا قضايا علي وفرائضه ان كانوا صادقين، الشيعة هو ابو رافع مولى رسول اللّه‏ .
قال النجاشي في كتاب ( فهرس اسماء المصنفين من الشيعة ) ما لفظه : ولابي رافع ـ مولى رسول اللّه‏ ـ كتاب السنن والاحكام والقضايا . ثم ذكر النجاشي اسناده الى رواية الكتاب بابا بابا : الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا . وذكر انه اسلم قديما بمكة وهاجر الى المدينة وشهد مع النبي مشاهده ولزم امير المؤمنين عليه‏السلام من بعده ، وكان من خيار الشيعة ، وشهد معه حروبه ، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة . الى آخر كلامه . ومات ابو رافع سنة خمس وثلاثين ، بنص ابن حجر في ( التقريب ) حيث صحّح وفاته في أول خلافة علي عليه‏السلام . فلا احد اقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه بالابواب بالاتفاق ، لأن المذكورين في أول من جمع كلهم في اثناء المائة الثانية ، كما في ( تدريب الراوي ) للسيوطي ، وحكى فيه عن ابن حجر في ( فتح الباري ) : ان أول من دونه بأمر عمر بن عبد العزيز : ابن شهاب الزهري ، فيكون في ابتداء رأس المائة لأن خلافة عمر كانت سنة ثمان أو تسع وتسعين ، ومات سنة احدى


(1) الكافي 1 : 41 .

(71)


ومائة »(1) .
وقال الشيخ النجاشي في كتابه في اسماء الطبقة الاولى من المصنفين من اصحابنا « علي بن ابي رافع : تابعي من خيار الشيعة ، كانت له صحبة من امير المؤمنين وكان كاتبا له ، وحفظ كثيرا ، جمع كتابا في فنون من الفقه : الوضوء والصلاة وسائر الابواب » ثم ذكر اسناده الى روايته وفيه « قال سمعت موسى بن عبد اللّه‏ بن الحسن يقول : سأل ابي رجل عن التشهد ، فقال : هات كتاب ابن ابي رافع ، فاخرجه واملاه علينا » وفيه « يقول : اذا توضأ احدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده . وذكر الكتاب » وفيه « انه كتب هذا الكتاب عن عبيد اللّه‏ بن علي بن ابي رافع . وكانوا يعظمونه ويعلمونه »(2) .
وقال الشيخ الطوسي في كتابه ( الفهرست ) « عبيد اللّه‏ بن ابي رافع كاتب امير المؤمنين عليه‏السلام ، له كتاب : قضايا امير المؤمنين . اخبرنا به » وذكر طريقه اليه ، ثم قال « وله كتاب ، تسمية من شهد مع امير المؤمنين عليه‏السلام الجمل وصفين والنهروان من الصحابة رضي اللّه‏ عنهم . رويناه بالاسناد » وذكر طريقه اليه(3) .
وقد بدأ الشيخ النجاشي كتابه بذكر المتقدمين في التصنيف من السلف الصالح بعنوان الطبقة الاولى ، فبدأ فيه بأبي رافع ثم ثناه بابنيه عبيد اللّه‏ وعلي كاتبي أمير المؤمنين ، ثم ذكر ربيعة بن سميع فقال « له كتاب في زكوات النعم وما يؤخذ من ذلك » وذكر روايته للكتابة ثم ذكر كتاب سليم بن قيس الهلالي وطريقه اليه . ثم ذكر الأصبغ بن نباتة المجاشعي فقال « كان من خاصة امير المؤمنين وعمّر بعده ، روى عنه عهد الاشتر ووصيته الى محمد ابنه » ثم ذكر روايته لهما(4) .
وذكر الشيخ الطوسي في كتابه ( الفهرست ) عبيد بن محمد بن قيس البجلي الكوفي فقال : « له كتاب يرويه عن ابيه ... قال : عرضنا هذا الكتاب


(1) الشيعة وفنون الاسلام : 65 و 66 ط . صيدا 1333 .
(2) رجال النجاشي : 5، ط . الهند .
(3) الفهرست : 133، ط . النجف و : 202، ط . مشهد .
(4) رجال النجاشي : 5، ط . الهند .

(72)


على ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه‏السلام فقال : هذا قول علي بن ابي طالب عليه‏السلام »(1) ، وذكر في محمد بن قيس ان كتابه في قضايا امير المؤمنين عليه‏السلام (2).
وتعرّض لهذا الموضوع الاستاذ الشهيد الشيخ المطهري قدس‏سره في كتابه ( الاسلام وايران ) فقال : « مع ان الاهتمام باستماع ونقل احاديث الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان مشتركا بين عامة المسلمين وخاصة اهل بيته عليهم‏السلام ، الا انه كان هناك اختلاف اساسي في القرن الاول الهجري بين عامة المسلمين وخاصة اهل البيت عليهم‏السلام ، وهو ان عامة المسلمين في هذا القرن تبعا لأمر الخليفة الثاني وآخرين من الصحابة كرهوا كتابة الحديث ، لكي لا يختلط الحديث بالقرآن الكريم ، أو لئلا يستقطب الاهتمام بالحديث مكان الاهتمام بالقرآن الكريم . بينما كان اتباع مذهب اهل البيت عليهم‏السلام يعتنون بكتابة الاحاديث كما كانوا يعتنون بنقلها . اما عامة المسلمين فقد تنبهوا للخطأ أوائل القرن الثاني ، وكسر هذا السد الذي بناه عمر بن الخطاب : عمر بن عبد العزيز الخليفة الاموي الزاهد من اسباط الخليفة الثاني . ولهذا فقد تقدمت شيعة اهل البيت في كتابة وتدوين الحديث قرنا من الزمان »(3) .

نتائج البحث :

1 ـ ان من الاحاديث ما دون على عهد رسول اللّه‏ وصحابته والتابعين ، ووصلنا في مجاميعنا الروائية .
2 ـ ان محاولة عمر بن عبد العزيز في أوائل القرن الثاني للهجرة أو أواخر القرن الاول محاولة رسمية سبقها حث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على الحديث وكتابته وعمل علي عليه‏السلام وخيار صحابته .
3 ـ لم يصب من استنبط وتصور ـ من المستشرقين وغيرهم ـ ان الاخبار الواردة في اباحة الكتابة بل


(1) الفهرست : 134، ط . النجف و : 202، ط . مشهد .
(2) الفهرست : 157، ط . النجف، و : 213، ط . مشهد .
(3) الاسلام وايران 3 : 79 ـ 80 .

(73)


استحبابها وكراهتها بل النهي عنها ، انما هي من آثار قيام طائفتين متخاصمتين من اهل الرأي واهل الحديث ، فالاولون يضعون ما ينهى عن التدوين وينفيه ليتمكنوا من الطعن في بعض الاحاديث ورفضها حسب أهوائهم وآرائهم والآخرون يضعون ما تؤيد التدوين ليتمكنوا من الاحتجاج ببعض الاحاديث التي توافق اغراضهم وغاياتهم . بل الصحيح ما جاء في تأييد التقييد والكتابة والتدوين ، وانما نهى عنه من اراد نفي ما كان من حديث النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نصا في علي عليه‏السلام بامامته وخلافته من بعده ، أو فضلاً له ولآله .

 

* * *

(74)