مقالات  

من تاریخ تدوین الحدیث (3)

تأريخ تدوين الحديث (3)

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

عرض الكاتب في ما مضى من الأقسام بعض المواقف من رواية الحديث وكتابته وهنا يعرض موقف عثمان ومعاوية من رواية الحديث .

عثمان ورواية الحديث :

واتبع عثمان أيضا منهج الخليفة الماضي عمر بن الخطاب ، فقد روى أحمد في ( المسند ) والخطيب البغدادي في ( قبول الأخبار ) عن محمود بن لبيد قال : «سمعت عثمان على المنبر يقول : لا يحل لأحد [أن] يروي حديثا عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم لم أسمع به على عهد أبي بكر ولا عهد عمر»(1) .
وروى الرامهرمزي بإسناده عن السائب بن يزيد قال : «أرسلني عثمان ابن عفان إلى أبي هريرة ، قال : قل له :


(1) السنّة قبل التدوين : 97 نقلاً عن مسند أحمد 1 : 363 وقبول الأخبار : 29 .

(73)


يقول لك أمير المؤمنين : ما هذا الحديث عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم ؟ ! لقد أكثرت، لتنتهينّ أو لألحقنّك بجبال دوس»(1) .
ولم يروَ عن عثمان في هذا غير هاتين الروايتين ، والمستفاد منهما :
أنّ عثمان أيضا كان تابعا لمنهج الخليفة الماضي عمر بن الخطاب ، في تشديد النكير على مثل أبي هريرة من الرواة ، بل قد صرّح عثمان بتحريم رواية حديث لم يسمع به هو على عهد أبي بكر وعمر ، وقد ظهر ممّا سبق أن عمر كان قد منع من رواية الحديث وكتابته إلاّ ما سمح ، وقد كان أبو بكر أيضا على مثل هذا ، فمن الواضح إذن أ نّه لا يرى على عهد عثمان إلاّ ما اُبيح على عهدهما .
وليس في كلمات عثمان هذه ما كان في كلمات عمر ممّا تمسّك به العلماء في توجيه نهي عمر عن الرواية والكتابة ، فلم يتكلّم العلماء في هذا ، ومن الطبيعي إذن أن يكون الكلام كلّه حول عمر ، لأ نّه هو الأصل في هذا الكلام .
والعجاج روى الرواية الاُولى في كتابه ( السنّة قبل التدوين ) في فصل ( احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث ) فقال : «وروي عن أمير المؤمنين عثمان ( رضي اللّه عنه ) أ نّه اتّبع منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( رضي اللّه عنه ) ومنع الإكثار من الرواية»(2) فرجع بكلامه هذا على ما ادّعاه لعمر أ نّه لم ينه عن رواية الحديث وكتابته مطلقا بل إنّما نهى عن الإكثار منهما ، وقد رددناه هناك وأثبتنا أنّ المستفاد من مجموع ما ورد في نهيه وإباحته ـ لو كان ـ إنّما هو النهي المطلق إلاّ ما يسمح به ويبيح مما يوافق اُفق تفكيره ونظره ، ونرى عثمان هنا ينهى عن كل ما لم يُسمع به أي لم يُسمح به على عهد أبي بكر وعمر ، فهو أيضا يمنع مطلقا إلاّ ما اُبيح على عهدهما .
وأمّا رواية أبي هريرة وعثمان فقد رواها العجاج تحت عنوان : ( أبي هريرة


(1) السنّة قبل التدوين : 459 ، عن المحدث الفاضل بين الراوي والواعي : 133 .
(2) السنّة : 97 .

(74)


وعثمان ) في ترجمة أبي هريرة من الفصل الأوّل من الباب الخامس من كتابه ، في تراجم أعلام الرواة من الصحابة ، فقال : «لم يذكر مصدر موثوق به أنّ عثمان كذب أبا هريرة ـ كما ادّعى النظّام وغيره ـ كما لم يثبت أ نّه طعن فيه أو منعه من التحديث ، وكل ما هنالك رواية ذكرها الرامهرمزي قال : حدثنا عبيد اللّه بن هارون بن عيسى ـ ينزل جبل رامهرمز ـ حدثنا إبراهيم بن بسطام ، حدثنا أبو داود ، عن عبد الرحمن بن أبي الزياد ، عن محمد ـ قال ـ أظنّه ابن يوسف ، قال : سمعت السائب بن يزيد يحدث قال»(1) فذكر الخبر ، ثم قال : «ولكن هذا الخبر روي عن عمر بن الخطاب ، ولم نرَ إلاّ هذه الرواية عن عثمان رضي اللّه عنه»(2) . فكأ نّه ردّ هذا الخبر بدليلين : الأوّل : أنّ هذا الخبر روي عن عمر، والثاني : أ نّها رواية آحاد.
و نحن لا نعرف وجه الدلالة في الأوّل ؛ فهل أنّ رواية هذا الخبر عن عمر دليل على عدم رواية مثله عن غيره؟!
وأمّا الثاني ؛ فهو بحث اُصولي موضوعي ، والأكثر على حجية أخبار الآحاد ، والعجاج أيضا احتجّ بكثير منها ، ومن هذا الكتاب نفسه عن الرامهرمزي أيضا .
فلماذا وكيف يرد هذا ؟ ! ثم لماذا يرده وهو يعترف بثبوت مثله عن عمر ؟ ! فهل من فرق بين الخليفتين ؟ !
ويقول العجاج : «ولو صحت فليس فيها طعن في أبي هريرة ، لأ نّه ينهاه عن الإكثار من الرواية عندما لا تكون هناك حاجة إلى الإكثار منها»(3) .
وقد عاد العجاج في تقييده النهي المطلق في هذه الرواية من دون وجود أي مقيّد أو مخصّص ، إلى ما قاله من التأويل في نهي عمر ، وقد رددنا عليه تأويله هناك ، ويكفيه هنا عدم الدليل له عليه .
وقد ذكر بعضهم خوف اختلاط الحديث بالقرآن سببا من أسباب عدم كتابة الصحابة للحديث ؛ فردّ هذا أبو ريّة وقال : «... على أنّ هذا السبب الذي


(1) السنّة : 459 .
(2) السنّة : 460 .
(3) السنّة : 460 .

(75)


يتشبّثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبي بكر ، وبعد أن كتب مرّة اُخرى في عهد عثمان ، ووزعت منه نسخ على الأمصار ، وأصبح من العسير ـ بل من المستحيل ـ أن يزيدوا على القرآن حرفا واحدا ... وما لهم يذهبون إلى اختراع الأسباب وابتداع العلل ...»(1) .
وقال في موضع آخر : «... بل إنّنا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويدوّنونه ، وكان ذلك بمشهد الصحابة جميعا : أن يقترح واحد منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبوه ! بل انحصرت عنايتهم جميعا في جمع القرآن فحسب ! وفي ذلك أقوى الأدلّة وأصدق البراهين على أ نّهم لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث ، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ يبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم»(2) .
وإنّما أمر عثمان زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام : أن ينسخوا صحف حفصة ، التي تتبعها زيد بن ثابت فجمعها وهي في العسيب [جريد النخل ] واللخاف [صفائح الحجارة ] والأكتاف ، وقطع الأديم ، وصدور الرجال ، وكان ذلك بدعوة عمر ، وتخصيص أبي بكر لزيد بن ثابت ، فلبثت عند أبي بكر ثم عند عمر ، ثم دفعها قبل موته إلى ابنته حفصة ، فطلبها منها عثمان وقال للرهط القرشيين الثلاثة : اكتبوه بلسان قريش فإنّما نزل بلسانهم ، حتى نسخوا الصحف في المصاحف الخمسة ـ على المشهور ـ فأرسلها إلى الآفاق ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ...
إنّما أمر عثمان بهذا ، لقول حذيفة بن اليمان له : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الاُمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ! وكان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل 25 هـ(3) .


(1) الأضواء : 28 .
(2) الأضواء : 219 .
(3) الأضواء : 221 ـ 222 . هذا على المشهور ، و قد رده الإمام الخوئي في ( البيان ) وقال : إنّه مخالف للكتاب والسنّة والإجماع والعقل ؛ وأثبت أ نّه يجب أن يكون على عهد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وفيه روايات ، ولها قرائن ومؤيدات واعتبارات .

(76)


و لكن لا نجد واحدا منهم ـ كما يقول أبو رية ـ يقترح عليهم أن يجمعوا الحديث ويكتبوه ! بل انحصرت عنايتهم جميعا في جمع القرآن فحسب ! وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين ـ كما يقول أبو رية ـ على أ نّهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ يبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم(1) وذلك لابعاد الخلفاء لهم عن ذلك وإنكارهم وتشديدهم الشديد على من أراد ذلك ، بل بعضه ! بل ضربهم وحبسهم لهم على ذلك ! مما أبعدهم أشدّ البعد عن هذه الفكرة ، فضلاً عن الاقتراح بها عليهم !

معاوية ورواية الحديث :

معاوية وعبادة بن الصامت : روى ابن عساكر : أنّ عبادة بن الصامت كان مع معاوية ، فأذّن المؤذن يوما فقام خطيب يمدح معاوية ويثني عليه ! فقام عبادة بتراب في يده فحثاه في فم الخطيب ! فغضب معاوية ! فقال له عبادة : إنّك لم تكن معنا حين بايعنا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم بالعقبة ـ إلى قوله ـ وأن نقوم بالحق حيث كنا لا نخاف في اللّه لومة لائم ، وقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم : إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب.
وذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته ، فقال له عبادة : اُمّك هند أعلم منك ! فأتمّ خطبته ثمّ صلّى ثمّ أرسل إلى عبادة ، فنفذت رجال من الأنصار معه واحتبسهم ودخل عبادة ، فقال معاوية : ألا تتّقي اللّه وتستحي من إمامك ؟ فقال عبادة : أليس قد علمت أ نّي بايعت رسول اللّه ليلة العقبة : إنّي لا أخاف في اللّه لومة لائم ؟ !
ثم خرج معاوية عند العصر فصلّى ثم أخذ بقائمة المنبر فقال : أيها الناس ! إنّي ذكرت لكم حديثا على المنبر فدخلت البيت فإذا الحديث كما حدّثني عبادة ! فاقتبسوا منه فهو أفقه منّي !(2) .
نرى أنّ هذا كلّه كان في عصر عمر ،


(1) الأضواء : 219 .
(2) تهذيب ابن عساكر 7 : 210 ـ 211 ، وسير أعلام النبلاء 2 : 2 .

(77)


مع أنّ عمر كان قد منع من التحديث ! فنظنّ أنّ معاوية كان يخالف عمر في هذا الأمر وكان يخضع للحق حينما كان يحدث بأحاديث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ! ولكننا سرعان ما نرى عبادة بن الصامت الصحابي البدري صاحب بيعة العقبة يضيق بمعاوية ذرعا من قبح مقابلته ومجابهته له فيما يحدثه به عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيقسم باللّه أن لا يساكنه بأرض عليه فيها لمعاوية امرة ! فيردّه عمر ويستثنيه من امرة معاوية !
روى مسلم في صحيحه(1) والنسائي في سننه(2) وابن ماجة في سننه(3) وأحمد في مسنده(4) وابن عساكر في تهذيبه(5) واللفظ لمسلم : أنّ معاوية غزا غزاة كان فيها عبادة بن الصامت ، فغنموا فيما غنموا آنية من فضّة ، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في اعطيات الناس ، فتسارع الناس إلى ذلك ـ وفي سنن النسائي : فرأى الناس يتبايعون قطع الذهب بدنانير منه وقطع الفضة بدراهم منها ، وفي تهذيب ابن عساكر : يباع الإناء بمثلي ما فيه أو نحو ذلك ـ رجع إلى لفظ مسلم ـ فبلغ عبادة بن الصامت ، فقام فقال : إنّي سمعت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلا سواءً بسواء ، وعينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، وعند ابن ماجة : فقال : يا أيها الناس ! إنّكم تأكلون الربا ، إنّي سمعت رسول اللّه يقول : لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلاّ مثلاً بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة ـ رجع اللفط إلى مسلم ـ فردّ الناس ما أخذوه ؛ فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول اللّه أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ؟ ! فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدثن بما سمعنا من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم وإن كره معاوية ، أو قال : وإن رغم ، ما اُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء ، وفي مسند أحمد والنسائي : إنّي واللّه لا اُبالي أن لا أكون


(1) صحيح مسلم 5 : 46 .
(2) النسائي 2 : 222 .
(3) 1 : 7 .
(4) 5 : 319 .
(5) 7 : 212 .

(78)


بأرضٍ يكون بها معاوية . وعند ابن ماجة : فقال له معاوية : يا أبا الوليد ! لا أرى الربا في هذا إلاّ ما كان من نظرة ! فقال عبادة : اُحدثك عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم وتحدّثني عن رأيك ! لئن أخرجني اللّه لا اُساكنك بأرض لك علي فيها امرة ! فلما قفل لحق بالمدينة ، فقال له عمر : ما أقدمك يا أبا الوليد ؟ فقصّ عليه القصّة ، فقال : ارجع ـ يا أبا الوليد ـ إلى أرضك ، قبّح اللّه أرضا لست فيها وأمثالك . وكتب إلى معاوية : لا امرة لك عليه ، واحمل الناس على ما قال ، فإنّه هو الامر .
فلم يكن لمعاوية بدٌ بعد هذا إلاّ أن يسمع له ويطيع ! فلم يقع بينهما شيء حتّى مضى عمر ، وبويع عثمان ، واستوزر مروان ، واستبشر أبو سفيان ، وبطر ابن أبي سفيان ، فجُوهر بحمل الخمور بحجة أ نّها من متاجر أهل الذمّة ! وبصر بها عبادة بن الصامت ـ وهو بالشام ـ فقال : ما هذه ؟ فقيل : خمر ـ يباع لفلان ـ ولم يذكر اسم فلان فلعله ابن أبي سـفيان ـ فأخذ شـفرة من السـوق فقـام إليها ، فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها .

بعد أن ولي معاوية الأمر بعد الخلفاء أعلن المنع :

روى الخطيب عن عبد اللّه بن عامر اليحصبي قال : «سمعت معاوية على المنبر بدمشق يقول :
أيها الناس ! إيّاكم وأحاديث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ حديثا كان يذكر على عهد عمر ، فإنّ عمر كان يخيف الناس في اللّه عزّ وجلّ»(1) .
ولكن بين أيدينا ما يدلّ على أ نّه لم يكن يقصد الجميع بهذا النهي بل كان يستثني من الناس اُناسا : فكتب إلى المغيرة بن شعبة : اُكتب إلي بشيء سمعته من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم فكتب المغيرة إليه :
إنّه كان ينهى عن القيل والقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال(2) ونترك للقارى‏ء أن يتساءل :


(1) أشرف أصحاب الحديث : 99 ، وردّ الدارمي : 135 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 7 ، واُنظر صحيح مسلم ، ج 3 ، باب النهي عن المسألة ، و ج 5 باب الصرف وبيع الذهب .
(2) اُنظر تفصيل ما كتبه المغيرة إلى معاوية : فتح الباري 9 : 95 .

(79)


لماذا يا ترى كتب إلى المغيرة بن شعبة فقط ؟ وما الوجه في انتخابه لمنصب ( وعاظ السلاطين ) ؟ !
ولماذا لم يكتب إلى غيره ؟ وهل انحصر المحدثون في شعبة فقط ؟ أم هل جمعت الأحاديث عنده فقط ؟
وللإجابة على هذه الأسئلة مجال طويل ، والحديث ذو شجون !

معاوية وأبو هريرة :

وإذا كان يكتب إلى المغيرة بن شعبة يطلب منه أن يكتب إليه بشيء سمعه من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقد دعا إلى نفسه شيخ المضيرة أبا هريرة الدوسي ورحّب به وأباح له بل أمره أن يحدث بأشياء ، سمعها من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أم لم يسمعها منه بل من معاوية ! ولذلك فلم يقيده بما قيّد به غيره وهدّد فقال : «إياكم وأحاديث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم إلاّ حديثا كان يذكر على عهد عمر» فقد مرّ أنّ عمر كان يضايق أبا هريرة على رواية الحديث ـ على قلّة ما كان يرويه على عهده ـ ولم ينقل أنّ معاوية ضايق يوما أبا هريرة على الحديث على كثرة ما كان يرويه على عهده حتى بلغت أحاديثه أكثر من ( 5374 ) حديثا(1) .

معاوية والوضّاعون :

والآن ألا تصدق معي قول أبي جعفر الإسكافي(2) : «إنّ معاوية حمل قوما من الصحابة ، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة على علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ! وجعل لهم في ذلك جعلاً ! فاختلقوا له ما أرضاه ! منهم : أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين : عروة بن الزبير»(3) .
ومن العجيب أن شكك فيه العجاج(4) بحجة : أنّ الإسكافي المروي عنه معتزلي متشيّع ! وكأ نّه لا يؤمن بهذا القول إلاّ أن يعترف به اموي متعصب ! وحتى لو قاله ذاك لكان يتهم بالتشيع بقوله هذا ! وبحجة أن الإسكافي لم يروِ له سندا ! وكأ نّه حديث لا بدّ فيه من السند . وبحجة أن معاوية لم يثبت أ نّه حمل أحدا


(1) السند قبل التدوين : 430 .
(2) السـمرقندي البغدادي المتوفى في بغداد 241 هـ .
(3) شرح نهج البلاغة 4 : 63 ، عن كتابه ( التفضيل ) كما في الصفحة : 73 الجزء نفسه .
(4) السنّة قبل التدوين : 442 ـ 446 .

(80)


على الطعن على علي عليه‏السلام ! وكأ نّه لم يأمر بسبّ علي عليه‏السلام والبراءة منه ولم يقتل الناس على ذلك ! وكأ نّه قتل حجرا وأصحابه على إرث أبيه ! وبحجة أنّ الصحابة جميعا أسمى وأرفع من أن ينحطوا إلى هذا الحضيض ! وبحجة أن من المذكورين في قول الإسكافي هذا عروة بن الزبير الذي كان عمره يوم قتل علي عليه‏السلام ( 18 ) عاما فلا يتصور أن يحمله معاوية على القول في علي عليه‏السلام في حياته [أي في حياة علي عليه‏السلام ] وأما بعد وفاته فقد اجتمعت كلمه الاُمة ( عام الجماعة ) بعد مقتله [أي مقتل علي عليه‏السلام ] فلم تبق هناك أيّة ضرورة للدعاية للأمويين وهم الحكام وبيدهم الزمام ، وكأ نّهم لم يأمروا بسبّ علي عليه‏السلام بعد عام الجماعة ثمانين عاما ! وبحجة أ نّه لو فعل ذلك فكيف سكت عنه علماء الاُمة ؟ ! وكأ نّهم لم يكونوا في تقية من بني اُميّة !
وجواب جميع هذا في التأريخ الأسود فليراجع !
وقد نقل العجاج هذا الكلام عن الإسكافي من شرح النهج لابن أبي الحديد ، ونرى فيه : أنّ الإسكافي بعد ذكره هذا يستشهد لكل واحد من هؤلاء الذين ذكرهم بأخبار منهم في ذم علي عليه‏السلام ، ويبدأ بعروة بن الزبير فيقول :
«روى الزهري أنّ عروة بن الزبير حدثه . قال : حدثتني عائشة . قالت : كنت عند رسول اللّه إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : يا عائشة ! إنّ هذين يموتان على غير ملّتي ! أو قال : ديني» .
وروى عبد الرزاق عن معمر قال : كان عند الزهري حديثان عن عروة ، عن عائشة في علي [ عليه‏السلام ] ، فسألته عنهما يوما ، فقال : ما تصنع بهما وبحديثهما : اللّه أعلم بهما ، إنّي لأتهمهما في بني هاشم .
قال : فأما الحديث . الأول فقد ذكرناه .
وأما الحديث الثاني : فهو : أنّ عروة ، زعم أنّ عائشة حدثته قالت : كنت عند النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم إذ أقبل العباس وعلي ، فقال : «يا عائشة ! إن سرّك أن تنظري إلى

(81)


رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا» فنظرت فإذا : العباس ، وعلي بن أبي طالب»(1) .
قال : وقد تظاهرت الرواية عن عروة أ نّه كان يأخذه الرمع(2) عند ذكر علي عليه‏السلام فيسبّه ويضرب بإحدى يديه على الاُخرى ويقول : وما يغني أ نّه لم يخالف إلى ما نهى عنه وقد أراق من دماء المسلمين ما أراق !(3)
فأنت ترى في هذا المقطع من كلام الإسكافي : أ نّه بعد أن اتّهم عروة بن الزبير بأ نّه كان ممن حملهم معاوية على رواية أخبار قبيحة في علي عليه‏السلام ، واستشهد له بهذين الخبرين ، وذكر عن عبد الرزاق عن معمر أ نّهما كانا عند الزهري ، وأ نّه سأله عنهما يوما فقال : «ما تصنع بهما وبحديثهما ! اللّه أعلم بهما ؛ إنّي لأتّهمهما في بني هاشم» ومعنى هذا : أنّ راوي الخبر نفسه عن عروة ـ وهو الزهري عالم بلاط بني مروان ـ يتّهم عروة ثم عائشة في بني هاشم مطلقا فضلاً عن علي بالخصوص !
إذن : فليس الإسكافي في اتّهامه لعروة إلاّ ناقلاً ذلك عن الزهري ، والزهري يتهمهما في بني هاشم حتى ولو لم يكن معاوية قد حملهما على ذلك ، فهل يشكّ العجاج في صحة نقل هذا عن الزهري ؟ ! وهل إنّ اتّهامهما في بني هاشم شيء يتوقّف على تهمة الزهري لهما في ذلك ؟ ! أليس ذلك واضحا لكل ذي نظر في تأريخهم ؟ ! أم أن الزهري أيضا معتزلي يتشيع لعلي عليه‏السلام فلا تقبل تهمته لهما في ذلك ؟ !
ثم يعود الإسكافي على الثلاثة الذين ذكرهم من الصحابة ، فيبدأ بعمرو بن العاص فيقول :
«وأمّا عمرو بن العاص ، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا متصلاً بعمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم يقول : «إن آل أبي طالب ليسوا لي


(1) شرح النهج 4 : 63 ـ 64 .
(2) الرمع : تحرك الأنف غضبا .
(3) شرح النهج 4 : 69 ، وهنا يتبيّن سبب بغضه وسبّه له عليه‏السلام حيث يتحرّق على دماء أصحاب أبيه !

(82)


بأولياء ، إنّما وليي اللّه وصالح المؤمنين»(1) .
ثم لا يعقب عليه بشيء ، وكأ نّه يكتفي بظهور أمر عمرو بن العاص مع معاوية وعلي عليه‏السلام ، فيترك الحكم في صحة روايته لكل ذي مسكة من عقل أو شعور !
ثم يأتي الإسكافي على أبي هريرة منهم فيقول : «وأما أبو هريرة ؛ فروي عنه الحديث الذي معناه : أن عليا خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم فأسخطه ، فخطب على المنبر وقال : «لا واللّه ! لا تجتمع ابنة ولي اللّه وابنة عدوّ اللّه أبي جهل ! إنّ فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها ؛ فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي ، وليفعل ما يريد» . أو كلاما هذا معناه . والحديث مشهور من رواية الكرابيسي»(2) .
ثم روى خبر قدومه العراق مع معاوية عام الجماعة ، ثم قال :
«وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضيّ الرواية ، ضربه عمر بالدرّة وقال : قد أكثرت من الرواية ، وأحْرِ بك أن تكون كاذبا على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم !
وروى سفيان الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم التيمي قال : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلاّ ما كان من ذكر جنة أو نار .
وروى أبو اُسامة عن الأعمش قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنتُ إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه . فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة ، إنّهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه .
وقد روي عن علي عليه‏السلام أ نّه قال : «ألا إنّ أكذب الناس ـ أو قال : أكذب الأحياء ـ على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أبو هريرة الدَّوْسي» .


(1) شرح النهج 4 : 64 .
(2) الحسين بن علي الكرابيسي البغدادي صاحب الشافعي له مناظرات مع الإسكافي ، توفي 248 كما في وفيات الأعيان 1 : 145 وذكره السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء فقال : «وهو من العداوة لأهل البيت عليهم‏السلام والمناصبة لهم والإزراء على فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور» : 168 .

(83)


وروى أبو يوسف قال : قلت لأبي حنيفة : الخبر يجيء عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم يخالف قياسنا ما تصنع به ؟ قال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي . فقلت : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال : ناهيك بهما ! فقلت : علي وعثمان ؟ قال : كذلك ... فلما رآني أعد الصحابة قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالاً ... ثم عدّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك .
ثم يروي رواية الشاب من أهل الكوفة معه في جامع الكوفة ، ثم يقول :
وروت الرواة : أن أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق ويلعب معهم ، وكان يخطب وهو أمير المدينة فيقول : الحمد للّه الذي جعل الدين قياما وأبا هريرة إماما ، يضحك الناس بذلك . وكان يمشي وهو أمير المدينة في السوق ، فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه ، ضرب برجليه الأرض ويقول : الطريق الطريق ! قد جاء الأمير ! يعني نفسه» .
ثم يأتي على المغيرة بن شعبة فيقول :
«وكان المغيرة بن شعبة يلعن عليا لعنا صريحا على منبر الكوفة . وكان بلغه عن علي عليه‏السلام في أيام عمر أ نّه قال : «لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره» يعني واقعة الزنا بالمرأة التي شهد عليه فيها أبو بكرة ، ونكل زياد عن الشهادة ؛ فكان يبغضه لذلك ، ولغيره من أحوال اجتمعت في نفسه(1) .
وكان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا ، يبيع دينه بالقليل النزر منها ، يرضي معاوية بذكر علي بن أبي طالب عليه‏السلام . قال يوما في مجلس معاوية : إنّ عليا لم ينكحه رسول اللّه ابنته حبا ولكنه أراد أن يكافي بذلك إحسان أبي طالب إليه ...
وقد صحّ عندنا أنّ المغيره لعنه [ عليه‏السلام ] على منبر العراق مرّات لا تحصى»(2) .
والعجّاج يعجّ من هذه الافتراءات ! على هؤلاء الأصحاب ! فيقول : «وقد افترى الإسكافي على الصحابة الذين ذكرهم . وبين ابن العربي في العواصم من القواصم جانبا من أمرهم ومكانتهم ووعيهم ! كما بينت كتب التراجم


(1) شرح النهج 4 : 69 .
(2) شرح النهج 4 : 70 .

(84)


سيرتهم»(1) .
وكأن ابن العربي يستطيع أن يعصم هؤلاء من هذه القواصم في تأريخهم ؟ وكأ نّه بإمكانه أن ينكر نكران هؤلاء لحقّ علي عليه‏السلام وبراءتهم منه وعدوائهم له ونصبهم له البغضاء ! وكأنّ كتب التراجم والسير تستطيع أن تمرّ على هؤلاء مرور الكرام فلا تذكر مناكير أعمالهم وأقوالهم !
ثم لا يكتفي العجاج بدفاعه عن هؤلاء الشرذمة حتى يكر للـدفاع عن أسيادهم بني اُميّة فيقول : «ثم إن روايات أهل الأهواء تسربت إلى التأريخ الإسلامي ، وخاصة ما يتعلق بأخبار الأمويين ، لأن كتب التأريخ كتبت بعد بني اُمية فشوّهت سيرتهم ! ومع هذا لم يعدم التأريخ الرجال الأمناء المخلصين الذين دوّنوا حوادثه بأسانيدها حتى يتميز الحقّ من الباطل»(2) .
أنا أستبعد أن يكون العجاج قد كتب هذه الكلمات بكل وعيه وشعوره ! فليت شعري ماذا الذي يحاول العجاج هنا أن ينسبه إلى أهل الأهواء ؟ أهو عداء بني اُمية لبني هاشم ؟ ! أم عداء معاوية لعلي عليه‏السلام ؟ ! أم سبّ معاوية له ؟ ! أم سب بني اُمية له ؟ ! أم سب بني مروان له إلى ثمانين سنة ؟ ! وليتني كنت أدري من هؤلاء الرجال المخلصين الذين ميزوا الحق عن الباطل ؟ ! فهل أنّ الحق هو أنّ معاوية لم يعادِ عليا عليه‏السلام أبدا ؟ ! ولم يأمر بسبّه ؟ ! ومن ذكر هذا ؟ !
وقد كشف العجاج عن نتيجة هرائه هذا فقال : «فادعاء هؤلاء مردود حتى يثبت زعمهم ! بحجة صحيحة مقبولة ! وكيف نتصور معاوية يحرض الصحابة على وضع الحديث كذبا وبهتانا وزورا ، ليطعنوا في أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه ، وقد شهد ابن عباس رضي اللّه عنهما لمعاوية بالفضل والعقل والفقه ! وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه ! فهل لهؤلاء أن يتهموا حبر الاُمّة وعالمها بالكذب ؟ ! وبالتشيع لمعاوية ؟ !(3) .


(1) السنّة قبل التدوين : 444 .
(2) السنّة قبل التدوين : 445 .

(85)


وكأ نّما الأمر مردّد بين كذب ابن عباس أو تشيعه لمعاوية ولا ثالث لهما ، من الكذب عليه ، حتى ولو ورد بين صحاح البخاري ، أو تقيّته من سيفه الغاشم قاتل حجر بن عدي وغيره كثير ، وكأ نّه لم يرو في التأريخ عما بين ابن عباس ومعاوية عدا هذا ، وكأ نّه لم يرو عنه فيه سوى هذا ! وبهذا الخبر المنسوب إلى ابن عباس برّأ الخطيب معاوية عن وضع الحديث ! وكأنّ الفاضل بل الفقيه من مثل معاوية ـ على فرض صحة الخبر عن ابن عباس ـ يصبح معصوما من الزلل مفطوما من الخلل ! فلا يمكن أن يكون العاقل فاسقا ولا الفاضل كاذبا ولا الفقيه منافقا ! ولعمري كم من عاقل فاسق وفاضل كاذب وفقيه منافق دجال !
وكان فيما احتجّ به العجاج لإنكار أن يكون معاوية قد حمل الناس على وضع الرواية في علي عليه‏السلام أن قال : «وأما بعد وفاته [علي عليه‏السلام ] فقد اجتمعت كلمة الاُمّة ( عام الجماعة ) بعد مقتل علي عليه‏السلام ، فلم تبق هناك أية ضرورة للدعاية للاُمويين وهم الحكام وبيدهم الزمام» !
وقد أجابه الإسكافي فيما رواه عن الواقدي :
قال : «وروى الواقدي : أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن عليه‏السلام واجتماع الناس إليه ، خطب فقال : أيها الناس إنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم قال لي : «إنّك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدّسة ، فإن فيها الأبدال» وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب ! فلعنوه .
فلما كان من الغد كتب كتابا ثمّ جمعهم فقرأه عليهم ، وفيه : هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية : صاحب وحي اللّه الذي بعث محمدا نبيا ، وكان اُميا لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا ! فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه ؛ وهو لا يعلم ما أكتب ؛ فلم يكن بيني وبين اللّه أحد من خلقه . فقال له الحاضرون كلهم : صدقت يا


(1) السنّة قبل التدوين : 444 .

(86)


أمير المؤمنين» !
ثم قال : «وقد روي : أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروي : أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب «وَمِنَ الناسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّه على ما في قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الخِصام * وَإذا تَوَلَّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد»(1) وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم ، وهي قوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللّه ...»(2) ، فلم يقبل ! فبذل له مئتي ألف فلم يقبل ! فبذل له ثلثمائة ألف فلم يقبل ! فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك !
قال : وقد صحّ أنّ بني اُمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه‏السلام ، وعاقبوا على ذلك الراوي له ؛ حتى أنّ الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبي زينب !
وروى عطاء ، عن عبد اللّه بن شدّاد الهاد قال : وددت أن اُترك فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه‏السلام يوما إلى الليل؛ وأنّ عنقي هذه ضربت بالسيف!
قال : فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة لانقطع نقلها للخوف والتقية مِن بني مروان مع طول المدة وشدة العداوة ! ولولا أنّ للّه تعالى في هذا الرجل سرا يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث ولا عرفت له منقبة ! ألا ترى أن رئيس القرية لو سخط على واحد من أهلها ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح ، لخمل ذكره ونسي اسمه وصار ـ وهو موجود ـ معدوما ، ـ وهو حي ـ ميتا» .
يروي ابن أبي الحديد هذا عن الإسكافي هذا ثم يقول : هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه اللّه تعالى في هذا المعنى في ( كتاب التفضيل )(3) .
وأنت ترى في هذا الفصل من كلام الإسكافي أ نّه قد أجاب على حجج العجاج ، فذكر أنّ بدء الكتابة بالروايات


(1) سورة البقرة : 204 و 205 .
(2) سورة البقرة : 207 .
(3) شرح النهج 4 : 73 .

(87)


المفتعلة وبذل الأموال لوضع الحديث كان من بعد مقتل علي وصلح الحسن عليهماالسلام ، وكأن معاوية كان يعرف أنّ عليا والحسن كانا يحسنان فضحه لو أراد ذلك وهم على الأمر ، فلم يتفرغ لذلك إلاّ بعد أن قتل علي وعزل الحسن عليهماالسلام فأمن منهما ! فلم يكن ( عام الجماعة ) والصلح جامعا لهم على الصلاح بل كان مبدأ الافتراق والبدعة .
وكان العجاج قد قال : «ولو فعل ذلك فكيف سكت عنه علماء الاُمة» ؟ !
وقد أجابه الإسكافي في قوله : «... للخوف والتقية ... لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول : عن أبي زينب ... وأن عنقي هذه ضربت بالسيف» فكيف يريد العجاج منهم الاحتجاج على معاوية ؟ !
وقد أورد ابن أبي الحديد هذا الفصل من كلام الإسكافي في ( كتاب التفضيل ) في شرحه لقوله عليه‏السلام : «أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحْب البُلعوم ، مندحق البطن ، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه . ولن تقتلوه . ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ؛ فأما السب فسُبّوني ؛ فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأما البراءة فلا تتبرؤا مني ؛ فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة»(1) .
وقد وردت بهذا المضمون روايات مستفيضة عن الأئمة عن آبائهم عن علي عليه‏السلام كما قال به الشيخ المفيد رحمه‏الله (2) وفي الوسائل منها روايات عديدة .
وقد ورد التصريح عن الإمام الصادق بتكذيب النهي فيها عن البراءة عنه عليه‏السلام .
كما في موثق مسعدة بن صدقة : قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه‏السلام : إنّ الناس يروون أنّ عليا عليه‏السلام قال على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبّي ، فسبّوني ؛ ثم تدعون إلى البراءة منّي ، فلا تتبرّأوا منّي ! فقال عليه‏السلام : «ما أكثر ما يكذب على علي عليه‏السلام ! ثم قال : إنّما قال : «إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثم تدعون إلى البراءة منّي ، وإنّي لعلى دين محمد» ولم يقل : «ولا تتبرؤوا مني . فقال له السائل : أرأيت أن


(1) شرح النهج 4 : 57 .
(2) كتاب الأمر بالمعروف للسيد الروحاني : 163 .

(88)


أختار القتل دون البراءة ؟ فقال : واللّه ما ذلك عليه ، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر» الحديث(1) .
وهذه الموثقة بينما صرحت بتكذيب النهي فيها عن البراءة عنه عليه‏السلام صرحت أيضا بتصديق أصل الخبر .
وقد روى صاحب كتاب ( الغارات ) حديث البراءة على غير الوجه المذكور في ( نهج البلاغة ) .
قال : أخبرنا يوسف بن كليب المسعودي ، عن يحيى بن سليمان العبدي ، عن أبي مريم الأنصاري ، عن محمد بن علي الباقر عليه‏السلام قال :
خطب علي على منبر الكوفة فقال : «سيعرض عليكم سبّي ، وستذبحون عليه ؛ فإن عرض عليكم سبي فسبوني ، وإن عرض عليكم البراءة منّي فإنّي على دين محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله» ولم يقل : «فلا تتبرؤوا منّي»(2) .
وقال أيضا : حدثني أحمد بن مفضل قال : حدثني الحسن بن صالح ، عن جعفر بن محمد عليه‏السلام قال : قال علي عليه‏السلام : «واللّه لتذبحنّ على سبّي» وأشار بيده إلى حلقه ! ثم قال : فإن أمروكم بسبّي فسبّوني ، وإن أمروكم أن تتبرّؤا منّي فإنّي على دين محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله» ولم ينههم عن إظهار البراءة(3) .


(1) الوسائل ، الحديث 2 من الباب 29 من أبواب الأمر والنهي .
(2) شرح النهج 4 : 106 ، ولم أجدهما في ( الغارات ) المطبوع .
(3) شرح النهج 4 : 106 ، ولم أجدهما في ( الغارات ) المطبوع .

(89)