مقالات  

من تاريخ تدوين الحديث (2)

تأريخ تدوين الحديث (2)

الشيخ محمد هادي اليوسفي

استعرض الكاتب في القسم الاول اقوال غير الشيعة في كتابة الاحاديث على عهد رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ورأيهم في تعليل النهي والإباحة وأثبت ان الاسباب التي ذكروها لصدور النهي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله غير كافية ولا مقنعة، وفي هذا القسم يُثبت عدم صدور روايات المنع من كتابة الحديث.

 

معارضتها بأخبار الإباحة :

فأما ما روي عن أبي هريرة فقد قال ابن عبدالبر بعد ذكر خبر كهذا، فيه انه كان يكتب : « هذا خلاف ما تقدم في اول الباب عن أبي هريرة أنه لم يكتب، وأن عبدالله ابن عمرو كتب، وحديثه بذلك أصح في  
النقل من هذا، لأنه أثبت أسنادا عند اهل الحديث »(1).
وقال ابن حجر أيضا : « وقد ثبت أنهُ لم يكن يكتب »(2).


(1) جامع بيان العلم 1 : 74.
(2) فتح الباري 1 : 167، 218.

(67)

 وهو بعد هذا معارض بأربع روايات عن نفسه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالاباحة، يقول السيد رشيد رضا : « وان أصح ما ورد في الاذن : حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا : اكتبوا لأبي شاه »(1).
ثم ما رواه الترمذي عنه ثم ما رواه في شرح صحيح البخاري (فتح الباري) فيه وما رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابو داود وابن عبدالبر عنه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله انه قال : « اذا مات الانسان انقطع عمله الّا من ثلاثة اشياء : صدقة جارية، او علم ينتفع به، او ولد صالح يدعو له »(2).

معارضتها باخبار حفظ وكتابة وتبليغ الحديث :

ومما يؤيد أخبار الاباحة « مما رووه عن كل من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري [ وهو المروي عنه خبر المنع ]، وابي الدرداء، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وأبي   هريرة [ وهو المروي عنه المنع ايضا ] من طرق كثيرة متنوعة : أن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : « من حفظ على امتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء » وفي رواية : « بعثه الله فقيها عالما » وفي رواية ابي الدرداء : « كنت له يوم القيامة شاهدا وشفيعا » وفي رواية ابن مسعود : « قيل له : ادخل من أي ابواب الجنة شئت » وفي رواية ابن عمر : « وكتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء ».
وقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « نضر الله امرأً سَمِعَ مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها »(3).
وقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « ليبلغ الشاهد منكم الغائب » وما اخرجه الحاكم في تأريخه بالاسناد الى ابي بكر عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله


(1) الاضواء عن المنار 1 : 760 و19 : 511،فتح الباري 1 : 217، مسند أحمد 2 : 232 ـ 235وجامع بيان العلم 1 : 70، تقييد العلم : 86.
(2) السنة : 39 عن جامع بيان العلم 1 : 15.
(3) السنة : 40 عن مسند احمد 6 : 96 ورواهالترمذي وابن ماجة وابن حبان.

(68)

  قال : « من كتب عليَّ علما او حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم او الحديث »(1).
هذا وقد عقد العجاج في كتابه (السنة قبل التدوين) فصلاً خاصا أورد فيه عدة روايات عن موقف الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من العلم وحضّه على طلبه، وتبليغه، ووصيته بطلاب العلم والعلماء ومنزلتهم، ثم قال في آخر الفصل : « وهل وراء ذلك ما يثني الصحابة ومن بعدهم عن دراسة الحديث وحفظه واتقانه. » ؟! ونحن نقول : وعن  كتابته ؟!

ابو بكر، ورواية الحديث، وكتابته :

روى الحافظ الذهبي في (تذكرة الحفاظ) قال : « ومن مراسيل ابن أبي مليكة : ان ابابكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال : « انكم تحدثون عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله


(1) النص والاجتهاد : 146، 147، وهذا الحديث الاخير عن ابي بكر هو الحديث التاسع والثمانون من مائة واثنين واربعين حديثا اوردها الحافظ السيوطي في فصل خاص بها في حياة ابي بكر من كتابه (تاريخ الخلفاء). وقد ورد عنه المنع عن الحديث ايضا !.

(69)

 احاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلاتحدِّثوا عن رسول الله شيئا ! فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه »(1).
وروى عن عائشة قالت : « جمع ابي الحديث عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب، قالت : فغمَّني كثيرا، فقلت : يتقلب لشكوى او لشيء بلغه. فلما أصبح قال : أي بُنيّة؛ هلمي الاحاديث التي عندك ! فجئته بها فاحرقها وقال : خشيت ان اموت وهي عندك، فيكون فيها احاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فاكون قد تقلدت في ذلك »(2).
وزاد الاحوص بن المفضل في رواية : « أو يكون قد بقي حديث لم أجده، فيقال : لو كان قاله رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما خفي على أبي بكر »(3).
وروى الحاكم عن ابن شهاب عن قبيصة : « ان الجدّة جاءت ابا بكر تلتمس ان تورث، فقال : ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت ان رسول الله ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال : كان رسول الله يعطيها السدس، فقال له : هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مَسلمة‏بمثل ذلك، فانفذه لها ابو بكر »(4).
 وروى احمد في مسنده : عن انس بن مالك : ان ابا بكر كتب له فرائض الصدقة التي سنّها رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فبعث بها الى عماله وكتب لهم : « ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله »(5).
والمستفاد من هذه الروايات : ان ابا بكر كان يستند الى « فرائض » رسول الله وما « ذكره » وما « قاله ».
ويعلم من محاولته جمع أحاديث رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اقتناعه بجواز كتابة الحديث الشريف، اذ لو كان رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد نهى عن ذلك لما كان ابو بكر يهم بان يفعل ما منعه رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وما كرهه. فلو


(1) السنة قبل التدوين : 113. نقلاً عن تذكرةالحفاظ 1 : 3، 4.
(2) تذكرة الحفاظ 1 : 3، 5 واورده الخطيبالبغدادي في رسالته (تقييد العلم) والسيوطي في (جمع الجوامع) واخرجه عمادالدين بن كثير في مسند الصديق عن الحاكم النيسابوري، كنز العمال 5 : 237 ح4845، النص والاجتهاد : 147، الاضواء : 23.
(3) الاضواء : 24.
(4) الاضواء : 34. تذكرة الحفاظ 1 : 3، معرفة علوم الحديث : 15، الكفاية : 26، موطأ مالك 2 : 512 واخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجة.
(5) 1 : 183 وتقييد العلم : 87.

(70)

 كان قد نهى عن كتابة احاديثه فهل نهى عن روايتها ايضا ؟! أم لم يعلم ان اصحابه سيختلفون في نقل أحاديثه ؟ وهو الذي أخبر بكثرة الكذابة عليه بعده، ومع ذلك لم ينه عن نقل حديثه.
واما مرسلة ابن ابي مليكة في منعه الصحابة من الحديث، ففيها عدة ملاحظات :
الاولى : ان نهيه الصحابة عن التحديث الى الناس كان بعد وفاة رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله نهيا رسميا حينما اصبح خليفة يامر وينهى ويطاع، وكان هذا بعد وفاة رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مباشرة كما في الخبر، ومن الطبيعي ان لا تكون رواية حرقه للاحاديث التي جمعها على عهد رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اذ لو كان حينذاك لما كان وجه لقوله : « خشيتُ ان اموت وهي عندك فيكون فيها احاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدّثني فاكون قد تقلدت ذلك » اذ لو كان على عهد رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاستطاع ان يستوثق منها ويتأكد من صحتها من نفس النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مباشرة من دون واسطة رجل مجهول الحقيقة. وايضا لما كان وجه لقوله  ـ في رواية زيادة الاحوص ـ : « او يكون قد بقي حديث لم أجده » اذ لو كان على عهده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لاستطاع ان يجد جميع أحاديث رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ان شاء.
اذن : فمن الواضح انه لم يكن جمعه هذا على عهده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقد كان جمعه للصحابة ونهيه اياهم عن رواية الحديث للناس بعد وفاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مباشرة كما في الخبر، فمن الطبيعي ان يكون جمعه هذا بعد نهيه ذاك ...
والثانية : الملاحظ على هذه الرواية عن ابي بكر : انه علل منعه الصحابة عن رواية الحديث للناس بقوله : « انكم تحدثون عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله احاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشد اختلافا » فجعل اختلافهم ثم اختلاف الناس من بعدهم سببا لمنعه لهم عن رواية الحديث، ولم يعتمد على أيّة علة اخرى مما ذكروا في اسباب منع كتابة الحديث.
والثالثة : انه قال : « فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه »، لكنه كان قد قال في ارث الجدة : « ما اجد لكِ في كتاب الله

(71)

 شيئا، وما علمت ان رسول الله ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس ».
وهنا يتذكر الانسان ما كتبه العجاج في كتابه (السنة قبل التدوين) يقول : « وقد امتثل الصحابة لأوامر الله تعالى [ في اطاعة الرسول ] على عهد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ... وكذلك فعلوا بعد وفاته. فأخذوا بسنته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتمسّكوا بها، وأبوا ان يكونوا ذلك الرجل الذي ينطبق عليه قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدَّث بحديث من حديثي فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإنّ ما حرّم رسول الله مثل ما حرم الله »(1) ثم يقول : « بل وقفوا من السنة موقفا عظيما وردّوا على كل من فهم ذلك الفهم : روى أبو نضرة عن عمران بن حصين : أن رجلاً أتاه فسأله عن شيء فحدّثه فقال الرجل : حدِّثوا عن كتاب الله عز وجل ولا تحدّثوا عن غيره ! فقال : إنّك امرؤ أحمق ! أتجد في كتاب الله صلاة الظهر أربعا؛ لا يُجهر فيها ؟ وتجد الصلوات ؟ وتجد الزكاة ؟ ونحوها ؟ ثم قال : أتجد هذا مفسرا في كتاب الله ؟ كتاب  الله قد احكم ذلك، والسنّة تفسر ذلك »(2). وقال رجل للتابعي الجليل مطرّف بن عبدالله الشخّير : لا تحدثونا الّا بالقرآن ! فقال له المطرّف : « والله لا نُريد بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو اعلم بالقرآن منّا »(3).
 الرابعة : ليس من المعقول أنا ـ بعد تسليمنا لحجية الحديث ـ نمنع أصل الحديث لمنع الاختلاف فيه؛ ولو كان هذا صحيحا لحقَّ على الله تعالى ان يمنع الوحي والبعثة والنبوة والاديان والكتب جميعا لوقوع الاختلاف فيها، وهذا باطل بالضرورة.
الخامسة : الملاحظ : ان ابا بكر علل حرقه لأحاديث الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله التي جمعها هو بقوله : « خشيت ان اموت وهي عندك، فيكون فيها احاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فاكون قد


(1) السنة قبل التدوين : 78 عن سنن ابن ماجة1 : 5، وسنن البيهقي 1 : 6.
(2) المصدر عن جامع بيان العلم وفضله 2 :191 وكتاب العلم للمقدسي مخطوطة الظاهرية :51.
(3) المصدر عن جامع بيان العلم 2 : 191.

(72)

 تقلدت في ذلك ».
وقوله : « او يكون قد بقي حديث لم اجده فيقال : لو كان قاله رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما خفي على ابي بكر ».
فيعلم من قوله هذا الاخير : « فيقال : لو كان قاله رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله » : انه يخشى توقف الناس من بعده عن نقل قول رسول الله وحديثه بحجة عدم وجوده فيما جمعه، فهو يريد ان يحرق ما جمع حتى لايتوقف احد عن نقل قول رسول الله وحديثه بتلك الحجة ... فلماذا نراه يمنع من رواية حديثه ؟!
وعلى ما استظهرناه ان يكون جمعه واحراقه بعد نهيه، فما وجه الجمع بين المنع وهذا القول ؟!
واما قوله الاول : فهل ان رواية الحديث عن أمين موثوق به مخالف للواقع، يكون مما يقلد راويه شيئا من المؤاخذة، وهو لم يألُ جهدا في الاستيثاق وامانة النقل والرواية والحديث ؟
السادسة : هذا الذي روي عنه في نهيه الصحابة عن الحديث معارض بما اخرجه الحاكم في تأريخه بالاسناد الى نفس ابي بكر عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : « من  كتب عليَّ علما او حديثا لم يزل يكتب له الاجر ما بقي ذلك العلم او الحديث » وهو الحديث التاسع والثمانون من مائة واثنين واربعين حديثا اوردها الحافظ السيوطي في فصل خاص بها في احوال ابي بكر في كتابه (تأريخ الخلفاء) ...

عمر وكتابة الحديث :

روى ابن سعد في (الطبقات) : « عن عروة بن الزبير : ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب السنن، فاستفتى اصحاب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في ذلك فأشاروا عليه بان يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم اصبح يوما وقد عزم الله له فقال : اني كنت اريد ان اكتب السنن، واني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله، واني لا اشوب كتاب الله بشيء أبدا »(1)، ورواية البيهقي : « لا البس كتاب الله بشيء ابدا »(2).
وفي رواية عن طريق مالك بن انس : ان عمر قال عندما عدل عن كتابة السنة :


(1) طبقات ابن سعد 3 : 206 وعنه في كنزالعمال 5 : 239 وفي جامع بيان العلم 1 : 64 وفيمختصره : 33 وتقييد العلم : 50.
(2) الاضواء : 24.

(73)

 « لا كتاب مع كتاب الله »(1).
وروى الخطيب البغدادي في (تقييد العلم) عن محمد بن القاسم انه قال : خطب عمر فقال : « أيها الناس ! انه بلغني انه ظهرت في ايديكم كتب، فأحبها الى الله اعدلها واقومها فلا يبقين احد عنده كتابا الّا أتاني به فأرى فيه رأيي ـ قال ـ فظنوا انه يريد [ أن ] ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بكتبهم، فاحرقها بالنارثم قال : اُمنية كاُمنية اهل الكتاب »(2)، وروي عن عبد الله بن العلاء قال : سألت القاسم بن محمد ان يمليَ عليَ احاديث فقال : « ان الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فانشد الناس ان يأتوه بها، فلما اتوه بها أمر بتحريقها »(3)، وقال : « مثناة كمثناة أهل الكتاب » !(4)
وروى ابن سعد في (الطبقات) عن عمر انه لما علم دنوَّ أجلِه نادى ابنه : يا عبدالله ابن عمر ناولني الكتف، فلو اراد الله ان يمضي ما فيه امضاه، فقال له ابنه :انا أكفيك محوها، فقال : لا والله لا يمحوها احد غيري. فمحاها عمر بيده، وكان فيها فريضة الجد(5).

عمر ورواية الحديث :

روى ابن ابي الحديد في شرح النهج عن عمر انه كان يقول : « جردوا القرآن ولا تفسروه، واقلوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم »(6).
وروى ابن الاثير أنه كان يقول : « أقلّوا الرواية عن رسول الله الّا فيما يعمل به »(7).
وروى ابن عساكر والحاكم الهندي في المستدرك على الصحيحين عن عبدالرحمن ابن عوف قال : والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث الى اصحاب رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فجمعهم من الآفاق : عبدالله بن حذيفة، وابا الدرداء، وابا ذر، وعقبة بن عامر، فقال : ما هذه الاحاديث التي


(1) السنة : 310 نقلاً عن جامع بيان العلم وفضله 1 : 64 وفي مختصره : 32 وفي كنز العمال 5 : 239، ح4861.
(2) السنة : 311، تقييد العلم : 52.
(3) الاضواء : 24 نقلاً عن ابن سعد في الطبقات في ترجمة محمد بن ابي بكر 5 : 140.
(4) لعله يريد بالمثناة ان مدوّن السنة يُصبح الكتاب الثاني التالي للقرآن.
(5) السنة : 311، طبقات ابن سعد 3 : 247.
(6) طبقات ابن سعد 3 : 120.
(7) البداية والنهاية 1 : 107.

(74)

افشيتم عن رسول الله في الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ قال : اقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن اعلم نأخذ منكم ونرد عليكم. فما فارقوه حتى مات(1).
وروى الحافظ الذهبي عن سعد بن ابراهيم عن ابيه ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عبد الرحمن بن عوف : « ان عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود، وابا الدرداء وابا مسعود الانصاري فقال : لقد اكثرتم الحديث عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله »(2).
وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال : « سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة : لتتركن الحديث عن رسول الله او لاُلحقنك بارض دوس ! »(3).
وفي جامع بيان العلم وفضله عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال : « خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر الى (صرار) ثم قال لنا : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قلنا : أردت ان تشيعنا وتكرمنا ؟ قال : ان مع ذلك لحاجة خرجت لها : انكم لتاتون بلدة لاهلها دويٌ كدوي النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث عن رسول الله، وانا شريككم.
قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن  رسول الله »(4).
وفي رواية انكم تأتون أهل القرية لها دويّ بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث لتشغلوهم، جوّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .
وفي رواية الاُم للشافعي : فلما قدم قرظة بن كعب قالوا : حدّثنا. قال : نهانا عمر !(5).
وروى البخاري [ و مسلم ] عن ابي سعيد الخدري قال : كنت في مجلس من مجالس الأنصار اذ جاء ابوموسى كأنه مذعور ! فقال : استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، قال : عمر : ما


(1) كنز العمال 5 : 239، ح4865.
(2) تذكرة الحفاظ 1 : 7 ومجمع الزوائد 1 : 149 ومستدرك الحاكم 1 : 110.
(3) البداية والنهاية 8 : 114.
(4) نقلاً عن الاضواء : 29، 30 وفي تذكرة الحفاظ 1 : 3 وسنن ابن ماجة 1 : 9 وطبقات ابن سعد 6 : 2.
(5) المصدر السابق، وشرح ابن ابي الحديد 3 : 120، وتذكرة الحفاظ 1 : 7، وسنن الدارمي 1 : 85، وسنن البيهقي 1 : 12، وجامع بيان العلم 2 : 120.

(75)

 منعك ؟ قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله : اذا استأذن احدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. فقال : والله لتقيمنَّ عليه بينّة، زاد مسلم والّا اوجعتك، وفي رواية ثالثة : فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، او لتأتين بمن يشهد على هذا، أمنكم أحد سمعه من النبي ؟ فقال : ابي ابن كعب : والله لا يقوم معك الّا اصغر القوم، فكنت اصغر القوم، فقمت فأخبرت عمر : ان النبي قال ذلك(1). فقال ابو المنذر : « فلا تكن يابن الخطاب عذابا على اصحاب رسول الله »(2)، فقال عمر لابي موسى : « اني لم اتهمك، ولكنه الحديث عن رسول الله »(3)، او قال : « ولكن خشيت ان يتقول الناس على رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله »(4).
والمستفاد من هذه الروايات : ان عمر ـ ايضا ـ كان يعتمد على اقوال رسول الله وأحاديثه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، يأخذ بها ويحسبها من سننه، كما في الخبر الاول : انه « اراد ان يكتب السنن » ولا شاهد في كلامه ولا فيما أشار به الصحابة عليه على انهم أرادوا بالسنة : السنة العملية ـ كما يقول ابو رية ـ.
كما « ان محاولته هذه تدل على اقتناعه [ واقتناع جميع الصحابة ايضا [بجواز كتابة  الحديث الشريف، ولو شك في الجواز لما كان يهم بان يفعل ما منعه رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وما كرهه »(5).
بل روى احمد في مسنده عن ابي عثمان النهدي قال : كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب اليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فكان فيما كتب اليه : ان رسول الله قال : لا يلبس الحرير في الدنيا الّا من ليس له في الآخرة منه شيء ... »(6).


(1) نقلاً عن الاضواء : 34، السنة : 114، عن صحيح البخاري بحاشية السندي 4 : 88، وصحيح مسلم 3 : 1694، وموطأ مالك 2 :964، وورد في رسالة الشافعي : 435.
(2) صحيح البخاري 6 : باب الاستئذان. وابو المنذر هو اُبي بن كعب الانصاري الخزرجي، وكان من أصحاب العقبة الثانية، واوّل من كتب للنبي في المدينة. وشهد بدرا والمشاهد، وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله فيقول له : ليهنك العلم أبا المنذر ولذلك كان عمر يقول : أقرأنا اُبي، ويسمّيه سيد المسلمين : كما في الاضواء : 205. و مع مخالفته نهي عمر لم يؤثر عنه من الحديث اكثر من خمسين حديثا. كما في الاضواء : 206 عن الفصل 4 : 138.
(3) فجر الاسلام عن البخاري ومسلم : 210.
(4) السنة : 114، نقلاً عن الرسالة : 435،وموطأ مالك 2 : 964.
(5) السنة قبل التدوين : 316.

(76)

وروى نافع عن ابن عمر انه وجد في قائم سيف عمر بن الخطاب صحيفة فيها صدقة السوائم(1)، وقرأها ابن شهاب الزهري عند سالم بن عبدالله بن عمر(2)، ونسخت لعمر بن عبدالعزيز(3)، « ولو كان يشك في الجواز لما كان يهم بان يفعل ما منعه رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وما كرهه »(4).
 منعه من كتابة الحديث :
فلماذا اذن ابى الّا ان يمحو « فريضة الجد » بيده لما علم دنو اجله ـ كما عن ابن سعد في الطبقات ـ ؟! ولماذا سأل الناس ان يأتوه بكتبهم « فلما اتوه بها امر بتحريقها » كما عن الخطيب في تقييد العلم ؟! ولماذا « احرقها بالنار ثم قال : امنية كاُمنية اهل الكتاب » كما عن الخطيب في تقييد العلم ؟! وأي وجه لتشبيه احاديث الرسول باماني او مثناة اهل الكتاب ؟! انا اذا فتشنا عن الاجابة عن سؤالنا هذا في كلام عمر نفسه لوجدناه يعلل ذلك بأقوال حسبها جماعة كاشفة عن هدف عمر في ذلك، وهي هذه الجمل : « واني ذكرت قوما كتبوا كتبا فاكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، واني لا اشوب كتاب الله بشيء ابدا » او : « واني لا البس كتاب الله بشيء ابدا »(5)، ويقول : « لا كتاب مع كتاب الله »(6)، ويقول :  « فلا تصدّوهم بالأحاديث لتشغلوهم »، ويقول : « فنحن اعلم نأخذ منكم ونرد عليكم ».
وقد بلغت التوجيهات التي ذكرها العلماء لمنع عمر عن رواية الحديث وجوها عدة، وسنتعرض لها على التفصيل فيما يلي :
1 ـ شوب القرآن بالحديث : مما يمكن ان يقال في ذلك خشية شوب القرآن بالحديث، والشاهد عليها من كلام عمر قوله : « واني لا اشوب كتاب الله بشيء ابدا » او قوله : « واني لا البس كتاب الله بشيء أبدا ». ونحن اذا سألنا كتاب الله تعالى عن السبب في ترك أهل الكتاب


(1) السنة قبل التدوين : 345، نقلاً عن المسند1 : 261.
(2) المصدر السابق، نقلاً عن الكفاية : 353، وتوجيه النظر : 348.
(3) المصدر السابق، نقلاً عن الاموال : 360، ورد الدارمي على بشر : 131.
(4) المصدر السابق، نقلاً عن الاموال : 358.
(5) المصدر السابق : 316.
(6) الاضواء : 24 نقلاً عن البيهقي وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله 1 : 64.
(7) السنة : 310.

(77)

لكتاب الله نراه يقول : « ... يحرّفون الكلم من بعد مواضعه ... »(1) ويقول : « ... يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ... »(2) فالسبب كما يقول القرآن : هو انهم كانوا يحرّفون كلمات الله في كتاب الله المنزل على موسى وعيسى فيكتبون فيه بأيديهم كما يشاؤون ثم يقولون للناس : هذا من عند الله ! وهذا حقا كما يقول عمر : لبس لكتاب الله بشيء غيره وشوب فيه، ولكن اين هذا عما اراده هو ووافقه على ذلك المهاجرون والانصار من اصحاب رسول الله ؟! فهل انه اراد لبس كتاب الله بشيء غيره وشوبا فيه بغيره حتى يرجع عنه بل يمنع منه ثم يقول : « واني لا البس كتاب الله بشيء ابدا » او « واني لا اشوب كتاب الله بشيء ابدا » ؟
حاشا عمر والصحابة ان يريدوا هذا ثم يرجعوا عنه ! ولكن ما الربط بين هذا والنهي عن كتابة السنة ؟! وقد مر عليك من قبل رد أبي ريّة على فكرة اختلاط القرآن بالحديث فراجع.
 2 ـ خشية الاشتغال بالحديث عن القرآن : ومما يمكن ان يقال في ذلك : خشية اشتغال المسلمين بالحديث عن القرآن، والشاهد على ذلك من كلام عمر قولُه : « فلا تصدّوهم بالاحاديث لتشغلوهم » وقوله في اهل الكتاب : « كتبوا كتبا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله ».
ونحن نقول : فهل هذا صحيح ؟! هل ان السبب في ترك اهل الكتاب لكتاب الله هو انهم كتبوا كتبا غير كتاب الله من دون ان يلبسوها بكتاب الله ولا ان يشوبوا بها في كتاب الله ؟! هذا مما لا يوافق عليه كتاب الله (القرآن) فإنّه ـ كما رأينا ـ يذكر سببا غير هذا وهو التحريف لكلمات الله والكتابة في كتاب الله بشيء من غيره باسمه، واين هذا عن كتابة كتب يكبون عليها فيتركون ـ بالاقبال عليها ـ كتاب الله وراء ظهورهم ؟! وهل هذا يوجب تحريفا لكتاب الله ام تركا واعراضا واهمالاً فقط ؟! ثم ما الربط بين هذا وبين شوب كتاب الله بغيره ولبس كتاب الله بغيره ؟!


(1) المائدة : 41.
(2) البقرة : 79 .

(78)

حتى يقول : « واني لا اشوب كتاب الله بشيء ابدا » او « واني لا البس كتاب الله بشيء ابدا » !
واما قوله : « فلا تصدوهم بالاحاديث لتشغلوهم » الذي جعل ابا عبيد ـ على ما نقل عنه ابن عبدالبر ـ يقول : « ان وجه قول عمر : [ أقلوا الرواية عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ] انما كان لقوم لم يكونوا احصوا القرآن فخشى عليهم الاشتغال بغيره عنه »(1)، وجعل العجاج يقول : « وقد كان تشدد عمر هذا والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم بجانب المحافظة على السنة، فقد خشي ان يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم وهو دستور الاسلام، فأراد ان يحفظ المسلمون القرآن جيدا ثم يعتنوا بالحديث الشريف »(2)، فنقول : هل ان الحديث ـ وهو مفسر للقرآن ومبين له ومتمّم ومكمل ـ شيء يخشى منه على القرآن ؟! اليست السنة مفسرة للقرآن ومتممة له ومكملة.
ثم هل كان اشتغال المسلمين باحاديث نبيّهم أخطر على القرآن والإسلام من انفصالهم عنها مما نجم منه اختلافهم فيها  وبها في القرآن والإسلام حتى كفر بعضهم بعضا وافترقوا ـ كما أخبر صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ اِلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم هلكى في النار الّا واحدة ؟!
وبعد، ففي كلمات أبي عبيد والعجاج موارد للنظر نقف عندها :
أ ـ قال ابوعبيد : « ان وجه قول عمر [ اقلوا الرواية عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ] انما كان لقوم لم يكونوا احصوا القرآن فخشى عليهم الاشتغال بغيره عنه » ونقول : اذن فما وجه المنع عامة ؟ ومن اين هذا التخصيص لقول عمر ؟
ب ـ وقال العجاج : « وقد كان تشدد عمر والصحابة معه » ونقول : ان هذا الّا افك افتراه على الصحابة، والّا فأنّى له بشاهد واحد لتشدد الصحابة ـ ما عدا عمر ـ بعضهم على بعض في نقل قول الرسول ؟!
ج ـ وقال : « للمحافظة على القرآن بجانب المحافظة على السنة » واقول : ليت


(1) جامع بيان العلم وفضله : 121 نقلاً عن السنة قبل التدوين : 100.
(2) السنة : 96.

(79)

شعري ! ما وجه التفريق بين المحافظة على القرآن بالنهي عن الحديث والمحافظة على السنة بالتوجه الى القرآن فقط ؟ فان كانت المحافظة على السنة بالنهي عن رواية السنة ! فلماذا لم تكن المحافظة على القرآن بالنهي عن قراءة القرآن ايضا ؟!
د ـ وقال : « فقد خشي ان يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم وهو دستور الاسلام » واود ان اجعل جوابه هنا ما رواه هو عن عمران بن حصين : ان رجلاً اتاه فسأله عن شيء فحدثه، وقال للرجل : حدثوا عن كتاب الله عزوجل ولا تحدثوا عن غيره ! فقال : انك امرؤ احمق ! أتجد في كتاب الله صلاة الظهر اربعا لا يجهر فيها وعدّ الصلوات وعد الزكاة ونحوها ؟ ثم قال : أتجد هذا مفسرا في كتاب الله ؟ كتاب الله قد احكم ذلك والسنة تفسر ذلك »(1).
ه ـ وقال : « فاراد أن يحفظ المسلمون القرآن جيدا ثم يعتنوا بالحديث الشريف »، واقول ليته كان يأتي بشاهد واحد على هذا المدعى من كلام عمر نفسه، فمتى وفي اي كلام اشار عمر الى ان نهيه هذا عن رواية  الحديث مؤقت وليس بدائم ؟ واذا لم يقله فما الدليل عليه ؟
هذا، وقد التفت ابن عبدالبر ـ بعد نقله معنى قول ابي عبيد في توجيه نهي عمر عن الحديث ـ اِلى أهمية الحديث في الكتاب والسنة فقال : قال الله عز وجل : « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... »(2) وقال : « ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... »(3) ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل الى اتباعه والتأسّي به والوقوف عند امره الّا بالخبر عنه؛ فكيف يتوهم أحد على عمر انه يأمر بخلاف ما أمر الله به ؟! وقد قال رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « نضّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها الى من يسمعها » الحديث. وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وقال : « خذوا عني في غير ما حدثت وبلغوا عني » والكلام في هذا اوضح من النهار لاولي النهى والاعتبار. ولا يخلو الحديث عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من ان يكون


(1) السنة : 79 عن جامع بيان العلم 2 : 191.
(2) الاحزاب : 21.
(3) الحشر : 7.

(80)

خيرا او شرا ؟فان كان خيرا ـ ولا شك في انه خير ـ فالاكثار من الخير افضل، وان كان شرا فلا يجوز ان يتوهم ان عمر يوصيهم بالاقلال من الشر ! وهذا يدلل على انه انما امرهم بذلك ... خوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن لان المكثر لا تكاد تراه الّا غير متدبر ولا متفقه(1).
فابن عبد البر في كلامه هذا يدعي ان باعث عمر على منعه من رواية الحديث انما هو خوفه من الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ فهو يمنع من كثرة السنة ليتدبروا في قليله ويجعل دليله على هذا المدّعى؛ وضوح ان لا سبيل الى اتباع رسول الله والتأسي به والوقوف عند امره ـ المأمور به المسلمون في القرآن ـ الّا بالخبر عنه؛ وان هذا الكلام اوضح من النهار لاولي النهى والاعتبار فكيف يُتوهّم على عمر انه يخفى عليه هذا فيأمر بخلاف ما امر الله به ؟! اذن : فمن هنا نقول : انه انما امر الصحابة بالاقلال من نقل قول رسول الله خوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن.
ونحن نقول في الجواب كما قال هو :  لا يخلو الحديث عن رسول الله من ان يكون خيرا أو شرّا فان كان خيرا فالاكثار افضل، وان كان شرا فالمنع اولى واجمل، فلماذا الامر بالاقلال وهو يراه خيرا ؟!
ومما يدل على بطلان هذين التوجيهين : ان وجه شدة الانكار والتشديد كان على من كان وجها لحفاظ القرآن وقرائه، بل كان من كتاب الوحي والقرآن وممن اشترك في جمع القرآن على عهد عثمان : كأبي مسعود وابن مسعود واُبي بن كعب وأبي ذر فلو كان وجه شدة الانكار والتشديد في رواية الحديث وكتابته هو خشية شوب القرآن أو خشية الاشتغال عنه فلماذا كان هذا النهي موجها الى من حفظ القرآن وكتبه ؟!
3 ـ خشية مضاهاة كتاب الله : ومما يمكن ان يقال في ذلك : خشية مضاهاة كتاب الله، والشاهد عليه من كلام عمر قوله : « لا كتاب مع كتاب الله » فقد قال الخطيب البغدادي مستفيدا من هذا الكلام :


(1) السنة قبل التدوين : 101 نقلاً عن جامع بيان العلم وفضله 2 : 121 ـ 124.

(81)

« ان كراهة الكتاب في الصدر الاول انما هي : لئلا يضاهى بكتاب الله غيره »(1) ونحن نقول : ليتنا كنا ندري أي وجه للتنافي بين كتاب الله وكتاب يفسّره ويبيّنه، صدَر عن مفسر القرآن الاول رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الذي « ... ما ينطق عن الهوى ... »(2) كما يقول القرآن عنه، وأقلّ موارده القرآن :
 «إن هو الاّ وحي يوحى »(3) وتفسيره : « ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين »(3) والتفسير وهو الكشف عن المعاني المرادة من آيات كتاب الله القرآن، فلو كان تقولاً لكان تقولاً على الله مشمولاً بقوله : « ولو تقول علينا بعض الاقاويل » و« ... من أصدق من الله حديثا »(4) و« ... ولن يخلف الله وعده ... »(5) « ... ان الله لا يخلف الميعاد »(6) وحيث لم يأخذه على أي تفسير لآيات كتابه عرفنا انه لم يكن تقولاً عليه سبحانه، بل كان مما قال تعالى عنه : « وما ينطق عن الهوى ان هو الاّ وحي يوحى » وان لم يكن وحيا فهو موافق للوحي ليس تقولاً على الله تعالى، واحاديثه ـ اذن ـ  حجة علينا بيننا وبين الله تعالى يوم القيامة، فلماذا لا تكتب فتكون كتابا مع كتاب الله مفسرا له ومبينا وشارحا وموضحا ومفصلاً ؟!
4 ـ المنع عن غير السنة العملية : ويأتي هنا دور ابي ريّة ليدلي بتوجيه (رابع) لمنع عمر عن رواية الحديث يستخرجها من قوله : « اقلوا الرواية عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الّا فيما يعمل به »(7)، فيقول : اي السنة العملية(8). وليس هذا منه ابتكارا فقد نقل هذا القول ابن عبدربه فقال : « وقال غيره [ اي غير ابي عبيد ] : إنّ عمر انما نهى عن الحديث عما لايفيد حكما ولا يكون سنةً »(9).
فيكون ابو رية قد اقتبس هذا القول مما


(1) السنة قبل التدوين : 315 عن تقييد العلم للبغدادي : 75.
(2) (3) النجم : 3 ، 4 .
(3) الحاقة : 44، 45، 46.
(4) النساء : 87.
(5) الحج : 47.
(6) الرعد : 31.
(7) البداية والنهاية 1 : 107.
(8) الاضواء : 30.
(9) السنة : 100 عن جامع بيان العلم وفضله 2 : 122.

(82)

 نقله ابن عبدالبر وقال فيه : « ومالهم يذهبون الى اختراع الاسباب وابتداع العلل ؟ وقد بين كبار الصحابة انفسهم [ السـبب الحق ] في عدم كتابة الحديث »(1).
ولنا ان نقول في الجواب :
اولاً : لو كان غرض عمر من تقليله الرواية عن رسول الله بقوله : « اقلّوا الرواية عن رسول الله » تقليله فيما لا يعمل به، مما لا يفهم منه اكثر من الكراهة فيما لا يعمل به والجواز والاباحة فيما يعمل به؛ فلقد ثبت انه لم يكن يكره الرواية عن رسول الله فحسب، بل كان ينهى عنه اشد النهي ويمنع منه اشد المنع وينهر ويزجر ويهدد ويحبس عليه من لا يتهم في صدقه من أجلّة صحابة رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بل ممن كان رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يشهد بصدق لهجتهم كأبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه ووفور علمه كاُبي بن كعب الانصاري وعبدالله بن مسعود؛ فهذا وجه رواية الكراهة فما وجه روايات النهي والمنع والنهر والزجر والتهديد والحبس ؟! وهي مطلقة غير مقيدة  بهذا التخصيص : « الّا فيما يعمل به » مما يشمل بظاهره وعمومه واطلاقه حتى روايات السنة العملية ؟!
ثانيا : ان في روايات منع عمر عن رواية الحديث وكتابته ما يكذّب هذه الدعوى؛ فلو كان غرضه من المنع عنه تقليله فيما لا يعمل به فلماذا قال : « لا كتاب مع كتاب الله » ؟! ولماذا « أمر بتحريقها » ؟! ولماذا « كتب الى الامصار : من كان عنده شيء فليمحه » حتى ولو كان من السنة العملية ؟! ولماذا محى فريضة الجد، وهي من السنة العملية الواجبة ؟ ولماذا هدّد ووعّد اباموسى على حديث الاستئذان وهي ايضا من السنة العملية وهو لا يتهمه كما يقول ؟! فهذا كله يردّ أبا ريّة المدّعي انهم انما كانوا يكرهون الرواية في غير السنة العملية.
5 ـ خشية ان ينكلوا عن الاعمال ويتكلوا على ظاهر الاخبار :
ونصل هنا الى رأي آخر من الخطيب البغدادي، لايعتمد على شيء من شواهد كلام عمر وانما هو رأي له في توجيه نهي عمر عن رواية الحديث؛ وهو ما ذكره في


(1) الاضواء : 28.

(83)

 كتابه(1)، قال : « ان قال قائل : ما وجه انكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتشديده عليهم في ذلك ؟ قيل له : فعل عمر ذلك احتياطا للدين وحسن نظر المسلمين؛ لانه خاف ان ينكلوا عن الاعمال ويتكلوا على ظاهر الاخبار؛ وليس حكم جمع الاحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها؛ فقد يرد الحديث مجملاً ويستنبط معناه من غيره ... فخشي عمر ان يُحمل حديث على غير وجهه، او يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما اخذ ... قال الشيخ ابو بكر الحافظ : وكذلك نهى عمر الصحابة ان يكثروا(2) رواية الحديث اشفاقا على الناس ان ينكلوا عن العمل اتكالاً على الحديث »(3) ووافقه على هذا ابن كثير ايضا في البداية والنهاية فقال : « وهذا محمول من عمر على انه خشي من الاحاديث التي تضعها الناس على غير مواضعها وانهم يتكلون على ما فيها من احاديث الرخص »(4).
فالخطيب البغدادي في كلامه هذا يدعي : ان عمر كان قد خشي ان يحمل حديث على غير وجهه، او يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما اخذ، فينكلوا عن  الاعمال ويتكلوا على ظاهر الاخبار ... ثم يستشهد لهذا النوع من الحديث بما رواه البخاري عن معاذ بن جبل قال : كنت ردْف رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على حمار له يقال له عُفَيْر، فقال : « يامعاذ أتدري ماحق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟ فقلت : الله ورسوله اعلم. قال : فان حق الله على العباد : ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ان لا يعذب من لا يشرك به ! قلت : افلا ابشّر الناس ؟ قال : لا، فيتّكلوا »(5)، فالخطيب يستشهد بهذا الحديث على النوع المجمل منه الذي ليس حكمه على ظاهره وليس كل من سمعه يعرف فقهه ... ثم لا يستشهد على هذا


(1) شرف أصحاب الحديث 1 : 97 ـ 99.
(2) لم ينكر عمر على الصحابة الاكثار من روايتهم عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فحسب بل انكر الرواية مطلقا ايضا، سواء عند الحاجة او عدمها، كما سيأتي.
(3) السنة قبل التدوين : 103.
(4) السنة : 458 نقلاً عن البداية والنهاية 8 : 107.
(5) السنة قبل التدوين : 103 عن فتح الباري 1 : 236، ورواه السيد عبد الحسين شرف الدين في الفصول المهمة : 22.

(84)

 القصد من عمر بأي شيء من كلامه في هذا المقام.
هذا الكلام من الخطيب البغدادي في هذا المقام ليس الّا من فن الخطابة بدل الاستدلال؛ فقد ادّعى ثم لم يأت بأي دليل على مدّعاه ... ونحن نتبين موارد من كلام الخطيب فنقول :
اولاً ـ قال الخطيب : « ليس حكم جميع الاحاديث على ظاهرها ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره ».
ونقول : هذا مسلّم به لاشك فيه، ولكنا نشك في صحة ما روي عن معاذ في آخر حديث من النهي عن القائه الى الناس، فقد ورد مثل هذا الحديث كثيرا ولم يرد فيه ما نجده هنا من النهي عن إلقائه الى الناس، فقد عقد السيد شرف‏الدين قدس‏سره في كتابه(1) فصلاً خاصا روى فيه طائفة كبيرة مما صح عند اهل السنة من الاحاديث الحاكمة بنجاة مطلق الموحّدين ومنها هذا الحديث وليس في ايها نهي عن القائه الى الناس، ثم عقد بعده فصلاً آخر اورد فيه لمعة مما افتى به علماء اهل السنة من ايمان اهل التوحيد  مطلقا ونجاة اصحاب الشهادتين جميعا توافقا مع النصوص المصرحة بذلك(2) وعلى فرض صدوره فلنا ان نتساءل : هل يصح ان يصدر هذا من رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو لا يريد أن يصل الى الناس لئلا يطلع عليه عامتهم فيتكلوا عليه وينكلوا عن العمل ؟ ولو كان هذا الغرض من عمر صحيحا أليس يكون رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أولى به ؟! أفهل كان عمر يدرك هذا ولا يدركه رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولا ابو بكر من بعده، ولا سائر الصحابة ـ وفيهم اعلمهم : علي عليه‏السلام بشهادة رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ سوى عمر ؟!ثم يخالفه سائر الصحابة حتى يضطر الى ان يحبس بعضهم ويضرب آخرين ؟! ان كان رسول الله ينهى معاذ عن رواية حديثه هذا للناس خشية اتكالهم عليه ونكولهم عن العمل فقد امكن ذلك بعد تأثم معاذ بنقله عند موته كما يقول النووي، فان كانت العصمة ليست شرطا في الرسول حتى فيما يقول مما يمكن ان يتكل عليه الناس وينكلوا عن العمل


(1) الفصول المهمة : 19 ـ 26.
(2) المصدر : 26 ـ 38.

(85)

 بشريعته، فعلى الاسلام السلام، وان كان الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لايدرك ما يدركه أحد صحابته من هذا الامر الخطير، فعليه السلام ايضا ! فان كان فعل ذلك عمر ـ كما يقول الخطيب ـ « احتياطا للدين وحسن نظر المسلمين » اليس كان الرسول أولى بهذا الاحتياط والنظر ؟!
وثانيا : قال الخطيب : « لأنه خاف ان ينكلوا عن الاعمال، ويتكلوا على ظاهر الاخبار » وكذلك نقل عن الشيخ ابي بكر الحـافظ : « انه انما نهى اشـفاقا على النـاس ان ينكـلوا عن العمل اتكـالاً على الحديث ».
ونقول : عن اي الاعمال خاف ان ينكلوا ؟ وعلى ظاهر أي الاخبار أشفق ان يتكلوا ؟ فهل ان جميع الاخبار تنكّل الناس عن الاعمال ؟! ام بعضها ؟ واذا كان بعضها فعمّن صدر هذا البعض ؟ فان صدر عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فهل حدث به ونهى عن التحديث به ؟ أم لم ينه عن ذلك ؟ فان نهى فلماذا لم يرو عنه هذا النهي ؟ وهل ان عمر نهى حتى عن رواية هذا النهي ايضا ؟ ولماذا ينهى هو صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وينهى عن رواية نهي  رسول الله عنه ؟!
وثالثا : ان كان بعض أحاديث الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مما ينكل المسلمين عن العمل باحكام الله تعالى، وليس جميعها، فلماذا أطلق عمر النهي عن رواية الحديث ولم يقيده بهذا النوع الخاص المجمل المنكل ؟!
ورابعا : ما الدليل على هذا التوجيه من كلام عمر وغيره ؟ ومن اين نفهم هذا الغرض ؟ ولماذا لم يصرح عمر بغرضه هذا عند نهيه حتى يوافق معه سائر الصحابة على منعه ؟ فهل كان هناك مانع من تصريحه به ؟ أم هل كان قد صرّح به ولم ينقل عنه ؟ ولماذا ؟
كل هذه اسئلة تبقى حائرة من دون اجابة صحيحة، مما يكشف عن عدم صحة هذا التوجيه من الخطيب أيضا.

شبهة ورد :

خلط الخطيب البغدادي في كلامه بين نقل القول بانكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتشديده عليهم في ذلك، وبين نقل القول بنهي عمر عن ان يكثروا رواية الحديث، ولم يشر الى

(86)

 الفرق بين هذين الكلامين، فقال : « ان قال قائل : ما وجه انكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتشديده عليهم في ذلك. قيل له : فعل ذلك عمر ... » وقال : « قال الشيخ ابوبكر الحافظ : وكذلك نهى عمر الصحابة عن ان يكثروا الحديث ... »(1).
ورأى ابن عبدالبر ان لا يلتفت الى النقل الاول وانما ينقل النقل الثاني فيقول : « احتج بعض من لا علم له ولامعرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا قوله : « أقلّوا الرواية عن رسول الله » ثم قال : « وهذا يدل على ان نهيه عن الاكثار وأمره بالاقلال من الرواية عن رسول الله » بل انكر نهيه عنه مطلقا فقال : « ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الاقلال منها والاكثار »(2).
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث : « وكان عمر شديدا على من اكثر الرواية ... وكان يأمرهم بان يقلوا الرواية »(3).
وانكر العجاج « انكار عمر على الصحابة روايتهم » فعلق على هذه الكلمة من الخطيب يقول : « لم ينكر عمر على  الصحابة روايتهم عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، انما انكر الاكثار منها عند عدم الحاجة، ولا يكون اكثار الّا عند عدم الحاجة الى الاكثار »(4).
اما الخطيب والعجاج فلم يحتجا على هذه الدعوى، واما ابن عبدالبر فقد احتج بقوله : « ولو كرِه الرواية وذمّها لنهى عن الاقلال منها والاكثار ».
ونقول في الجواب : أجل لقد نهى عن الاقلال منها والاكثار؛ فانه ان كان يقول : « اقلوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم » فانه ايضا يقول في نفس الخبر ـ كما رواه ابن ابيالحديد ـ عنه : « جرّدوا القرآن ولاتفسّروه »(5)، وهذا نهيٌ عن الاقلال منه والاكثار أيضا باطلاقه من دون تقييد او تخصيص.
اما العجاج فلم يرو من طرق رواية


(1) السنة قبل التدوين : 103، 104 نقلاً عن شرف اصحاب الحديث : 97 ـ 99 : آ.
(2) السنة : 99، 100 نقلاً عن جامع بيان العلم وفضله 2 : 121 ـ 124.
(3) الاضواء : 34.
(4) السنة : 103 (الهامش).
(5) شرح نهج البلاغة 3 : 120.

(87)

 قرظة بن كعب الّا رواية ابن سعد وابن ماجة : « فأقلوا الرواية عن رسول الله وانا شريككم »(1)، ولم يلتفت الى رواية الحافظ الذهبي؛ « فلا تصدوهم بالاحاديث عن رسول الله، وانا شريككم »(2)، أليس هذا باطلاقه نهيا عن الاقلال منه والاكثار ؟! إن كنّا نشكّ في ذلك فعند قرظة الخبر اليقين، فإنّه « لمّا قدِمَ العراقَ قالوا له حدّثنا : قال : نهانا عمر » كما رواه الشافعي في الام(3)، وابن ابي الحديد(4).
وان كنا نشك في خبر قرظة بن كعب صدورا ولفظا ودلالة، فهل من شك في خبر الاستئذان من ابيموسى الاشعري ؟ فهل كان ابوموسى قد اكثر من الحديث حتى يتهدّده عمر ويقول : « والله لتقيمن عليه بينة ـ زاد مسلم ـ والّا اوجعتك ـ وفي رواية ثالثة ـ فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك » فقال ابو المنذر أبي بن كعب : « فلا تكن يابن الخطاب عذابا على اصحاب رسول الله » فقال عمر لابيموسى : « اني لا اتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله » ولم يقل : قد اكثرت منه.

تعقيب وتذنيب :

قال الخطيب في توجيه تشديد عمر على الصحابة في رواياتهم : « وفي تشديد عمر ايضا على الصحابة في رواياتهم حفظ لحديث رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وترهيب لمن لم يكن من الصحابة ان يدخل في السنن ما ليس منها، لانه اذا رأى الصحابي المقبول القول المشهور بصحبة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد تشدد عليه في روايته، كان هو اجدر ان يكون للرواية أهيب » ثم قال : « والى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبيموسى الاشعري ان يحضر معه رجل يشهد انه سمع من رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حديث السلام، لكن فعله ـ على وجه الذي بيناه ـ من الاحتياط لحفظ السنن والترهيب في الرواية، والله اعلم »(1).
ونحن ايضا نقول : ان غير الصحابي اذا رأى الصحابي المقبول القول المشهور بصحبته للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد تشدد عليه في روايته، كان هو اجدر ان يكون للرواية


(1) ابن سعد 6 : 2، وابن ماجة 1 : 9.
(2) تذكرة الحفاظ 1 : 3.
(3) كما في الاضواء على السنة المحمدية : 29،30.
(4) شرح النهج 2 : 120.

(88)

أهيب، ... ولكنا نقول : أفهل كان هذا هو السبيل المنحصر الّذي لا يوجد سواه لهذا الترهيب عن الكذب على رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟! أفهل كان منع الوضع على رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله متوقفا على منع مقبول القول من اصحاب رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، لا سبيل سواه ؟! ان كان هكذا فلماذا لم يمنع هذا المنع نفس رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟ أفهل غاب هذا عن رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وابيبكر وجميع صحابته ـ وفيهم علي عليه‏السلام ـ وعرفه عمر فقط ؟!
 6 ـ المنع على من شكّ في الحديث، والجواز لمن أتقنه :
ولا يفوتنا هنا في نهاية المطاف أن نأتي على رأي سادس في توجيه نهي عمر عن رواية الحديث، هو ما تبرّع به ابن عبد البر في كتابه(2) فقال : « وقد يحتمل عندي : ان تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة ومتفقة؛ ويخرج معناها على ان : من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئا واتقنه جاز له ان يحدث به، وان كان الاكثار يحمل الانسان على التقحم في ان يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء وغثّ  وسمين، وقد قال رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : « كفى بالمرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع » ... رواه مسلم، ثم قال : « ولو كان مذهب
(1) السنة : 104، 105، عن شرف اصحاب الحديث 99 : آ.
(2) السنة : 102 ـ 103 عن جامع بيان العلم وفضله : 121 ـ 124.
عمر ما ذكرناه لكانت الحجة في قول رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دون قوله، فهو القائل : « نضّر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها وبلّغها » رواه ابو داود والامام احمد والحاكم »(1).
فكأنّ ابن عبدالبر رأى من البر بما اختلف من الاثر عن عمر في الحديث والخبر ان يجمع اختلافه على وفاق تبرعيّ فيقول : « وقد يحتمل عندي ان تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة ومتفقة » ! ثم يخرج معناها على اباحة رواية الحديث لمن حفظ واتقن، ومنعه على من شك فيه ولم يتيقن ... ثم لم يأت على هذا الجمع بأي دليل


(1) السنة : 102 ـ 103 عن جامع بيان العلم2 : 121 ـ 124.

(89)

او شاهد او قرينة او مضمون او فحوى او مفهوم؛ فهو جمع تبرعي غير مقبول ولا مسـموع لدى علمـاء الفن في الفقه والاصول.
والعجاج قبل ان يأتي برأي الخطيب وابن عبدالبر قال : « ونستعرض موقف بعض علماء الحديث من ذلك » ثم جاء برأيهما فقال : « مما سبق يتبين لنا ان الصحابة جميعا كانوا يتثبتون في الحديث » الى ان قال : « والاقلال من الرواية مظنةُ عدم الوقوع في الخطأ، ولهذا امر به [ عمر [ وهذا ما رآه ابن عبدالبر والخطيب البغدادي وغيرهما من أئمة الحديث، واليه أذهب وبه أقول »(1).
ونحن نقول : فجوابه ما اجبناهم به، ولانعيد.

من آثار المنع عن كتابة الحديث :

ومهما كان السبب او الغرض في المنع عن كتابة الحديث فالذي ترتب عليه كثرة الكذب والوضع يقول ابو رية بهذا الصدد : « لما تركت احاديث الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بغير تدوين في عهده ولم ينهض الصحابة من بعد لكتابتها كما كتبوا القرآن؛ اتسعت ابواب  الرواية عن الرسول لكل ذي هوى زائغ او دخيلة سيئة من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين، فرووا ما شاؤوا ان يرووا ... ولو ربطت الكتابة ما روي في عهد الخلفاء الراشدين لكان عسى ان يكون النقل مقصورا على ما قاله النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بغير زيادة ولا نقص، ولجاءت الاحاديث كلها صحيحة لا شك فيها، ومن ثم كانت الامة تتلقاها بالرضا والتسليم كما تلقت من قبلها آيات القرآن الحكيم، وياخذها الخلف عن السلف بالفاظها ومعانيها، ولا يخالف احد من المسلمين وغير المسلمين ؟ في ما تم تسيير الامة على نورها، وتهتدي بهديها من غير تمذهب ولا تفرّق كما هو الاصل في الدين ... وما كان الصحابة بدعا من الناس ولا هم بالمعصومين »(2). وبعد ان ذكر اغراض الوضع قال : « ... ترى ماذا يكون امر الحديث وهو لم يكتب في عهد النبي ولا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان، وظل امره مطلقا من قيد التدوين، تكتنفه تلك الاهواء المختلفة، وتترامى به تيارات


(1) السنة : 105، 106.
(2) الاضواء : 233.

(90)

 الاغراض، قرنا وبعض قرن ؟! من اجل ذلك كان الوصول الى معرفة الاحاديث الصحيحة شاقا، والبحث عن معرفة حقيقة الرواة اشق، واذا علم ذلك كله بدا ـ ولا
ريب ـ ان تأخير التدوين كان له ضرر بالغ، اذ كان سببا في إتساع آفاق الرواية واختلاط الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز بينهما على الدهور »(1)، وقال في اسباب الوضع : « كان من آثار تأخير تدوين الحديث وربط الفاظه بالكتابة الى ما بعد المائة الاولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية : ان اتسعت ابواب الرواية  وفاضت انهار الوضع بغير ما ضابط ولا قيد، حتى لقد بلغ ما روي من الاحاديث الموضوعة عشرات الالوف لا يزال اكثرها منبثّا في الكتب المنتشرة بين المسلمين »(2).


(1) الاضواء : 236.
(2) الاضواء : 80، والعجب من أبي ريّة حيث عدّ هذا من وجوه نهي عمر عن رواية الحديث وكتابته !.

(91)