مقالات  

من تاريخ تدوين الحديث (1)

من تاريخ تدوين الحديث (1)


الشيخ محمد هادي اليوسفي


اصول الإسلام عقيدةً وشريعة :

ان الاسلام كله : عقائده واحكامه : وسائر علومه، اصوله في القرآن، وشرحه وتفسيره ومثاله وتجسيده في سنة النبي صلى الله عليه و آله (حديثه وسيرته).
ولهذا قرن الله بطاعته، طاعة رسوله صلى الله عليه و آله في قوله : «واطيعوا الله ورسوله . . . »(1).
وقرن بعصيانه عصيان رسوله في قوله : « . . . ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم . . . »(2).
وسلب الاختيار عن المؤمنين فيما يقضي الله به ورسوله في قوله : « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا »(3).
وبين عز اسمه : أن الرسول صلى الله عليه و آله حجة الله على الخلق في قوله وفعله، وأن الله جعله اماما يقتدى به، وذلك في قوله تعالى : « . . . فآمنوا بالله ورسوله النبي الاُمي الذي


(1) الانفال :1. وكذلك قرن بينهما في الآية 32 و132 من آل عمران، والآية 59 من النساء و92 من المائدة والآية 20 و46 من الانفال و54 من النور و32 من محمد و13 من المجادلة و12 من التغابن.وأمر بطاعة رسوله في الآية 56 من النور و50 من آل عمران، وراجع الآيات 108 و110 و126 و131 و144 و150 و163 من الشعراء والآية 163 من الزخرف و2 من مريم و64 من النساء.
(2) الجن : 22. والآية 42 من النساء و 59 من هود و10 من الحاقة و216 من الشعراء و21 من نوح و14 من النساء 36 من الاحزاب و8 و9 من المجادلة .
(3) الاحزاب : 36 .

(129)

يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه . . . »(1).
وقوله : « لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة . . . »(2) ، وقوله : « قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني . . . »(3).
وفي سنن ابي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي ومسند احمد، واللفظ للأول في باب لزوم السنة من كتاب السنة : عن المقدام بن معدي كرب أيضا عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنه قال : « ألا اني اوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على اريكته يقول عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه حلالاً فأحلوه، وما وجدتم فيه حراما فحرّموه . . ».
وفي آخر الحديث بسنن الترمذي : « وان ما حرم رسول الله كما حرم الله ».
وفي مسند أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : « لا أعرفن أحدا منكم أتاه عني حديث وهو متكى‏ء في اريكته فيقول : اتل عليّ به قرآنا » !
هذا بعض ما ورد في القرآن والحديث في الحث على الأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه و آله والنهي عن مخالفته، والتشديد على من يهمل السنة بحجة الاكتفاء بكتاب الله وحده.
وكذلك اكد رسول الله صلى الله عليه و آله على لزوم الرجوع الى القرآن وسنته وسيرته معا لأخذ الاسلام، ففي كتاب الخراج من سنن أبي داود في باب تعشير أهل الذمة، عن العرباض بن سارية السلمي (4) قال : « نزلنا خيبر، ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلاً ماردا منكرا، فاقبل الى النبي فقال : يا محمد ! الكم ان تذبحوا حمرنا وتاكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا ؟! فغضب صلى الله عليه و آله وقال [ لابن عوف ] : يابن عوف اركب فرسك ثم ناد : الا ان الجنة لا تحل الّا لمؤمن، وان اجتمعوا للصلاة » قال : فاجتمعوا ثم صلى بهم النبي ثم قام فقال :
« أيحسب أحدكم متكئا على اريكته قد يظن الله لم يحرم شيئا الا ما في هذا القرآن ! الا واني وعظت [ و ] أمرت ونهيت عن أشياء، انها لمثل القرآن او اكثر ! وان الله لم يحل لكم ان تدخلوا بيوت أهل الكتاب الا بإذنهم، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم؛ اذا اعطوكم الذي عليهم ».
وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة ومسند أحمد واللفظ للأول :


(1) الاعراف : 158 .
(2) الاحزاب : 21 .
(3) آل عمران : 31. والآيات الآمرة باتباع الرسول صلى الله عليه و آله كثيرة.
(4) روى عن رسول الله 31 حديثا اخرجها اصحاب الصحاح غير البخاري ومسلم، توفي في فتنة ابن الزبير سنة 65 .

(130)

عن عبيدالله بن ابي رافع (1) عن أبيه : « أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال : ألا لا ألفين أحدا منكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر بما أمرت به او نهيت عنه فيقول : لا أدري، ما وجدت في كتاب الله اتبعته » !
وفي مسند أحمد عن المقدام بن معدي كرب (2) قال : « حرم رسول الله صلى الله عليه و آله يوم خيبر أشياء» ثم قال : « يوشك احدكم أن يكذبني وهو متكى‏ء على أريكته يحدّث بحديثي فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه !. ألا وان ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ».
فالحجة في الاصل هو القرآن ثم سنة رسول الله والأئمة عليهم‏السلام . فاما القرآن فمن المسلّم به انه كتب على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله وبأمره، وحفظه جماعة كثيرة من صحابته، حسب حثه وترغيبه وتشجيعه. وان لم يكن قد جمع ورتب كما هو الآن.وانما الكلام في كتابة السنة وتدوينها ثم تصنيفها. والمراد بالكتابة : اثباتها وتقييدها، والمراد بالتدوين : جمعها في ديوان جامع اي بين دفتين (3)، والمراد بتصنيفها : جعلها صنفا فصنفا في فصول محددة وابواب مميزة.
ولا كلام في ان رسول الله صلى الله عليه و آله لم يأمر بكتابة سنته مطلقابنحو الوجوب كالقرآن، قطعا، اللهم الا ما أمر به من مواثيق العهود والصلح والجزية ورسائله الى الملوك والامراء يدعوهم الى الاسلام وغيرها قليل. وقد جمعها الشيخ الاحمدي في كتاب (مكاتيب الرسول) فكان عددها (185) كتابا عثر على نصوصها بين ثنايا كتب الحديث والتأريخ واورد فهرسا لما ذكر عنوانه ولم يصل نصه منها فكان مجموعها (134) كتابا فيكون مجموع الموجود والمفقود (219) كتابا.
أما غير هذه فمن المسلم به أنه صلى الله عليه و آله لم يأمر به بخصوصه، ولكنه هل نهى عنه ؟ ام ندب اليه ؟ أم ماذا ؟ فهذا هو الذي نريد ان نبحث عنه.

الشيعة وتدوين السنة :

فالشيعة يذهبون الى انه صلى الله عليه و آله لم ينه عنه قط، بل انه ندب اليه كثيرا، وأملى على علي عليه‏السلام أحاديث كتبها وجمعها في كتاب مُدرج كان عنده ثم انتقل الى اولاده الائمة عليهم‏السلام ؛ ورواه جماعة من الشيعة والسنة كما في كتاب الشيعة والسنة :


(1) مولى النبي صلى الله عليه و آله وكاتب علي عليه‏السلام ، ثقة، اخرج حديثه اصحاب المجامع الحديثية جميعا.
(2) احد الوافدين من كندة على النبي صلى الله عليه و آله روى 47 حديثا اخرجها اصحاب الصحاح والسنن عدا مسلم.
(3) التدوين : الجمع في ديوان جامع، قال في تاج العروس 9 : 204 وقد دونه تدوينا اي جمع. وقال عن الفيروز آبادي : الديوان، مجتمع الصحف.
(131)

منهم : الحكم بن عيينة، وقد رآه عند الامام الباقر عليه‏السلام لما اختلف الحكم معه في حكم، فأخرجها الامام وكان كتابا مدروجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر حتى اخرج المسألة منها وقال للحكم : « هذا خطّ علي واملاء رسول الله صلى الله عليه و آله »(1).
وذكرها ابن سعيد في آخر كتابه المعروف بالجامع باسناده (2). وفي كتاب الفرائض من الجزء الرابع في (باب اثم من تبرأ من مواليه) : « حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ابراهيم التميمي، عن ابيه، قال : قال علي رضى‏الله‏عنه : ما عندنا كتاب نقرؤه الا كتاب الله، غير هذه الصحيفة. قال : فاخرجها فاذا فيها أشياء من الجراحات ». ذكر هذا السيد شرف الدين قدس‏سره ثم قال : « وتراه صريحا بأن ليس للمسلمين آنئذٍ كتاب - يتلى - الا كتاب الله عز وجل وتلك الصحيفة. وقد ذكرها صاحب (المشكاة) في (باب الصيد والذبائح) وفي (باب حرم المدينة) فراجع »(3).

السنة وكتابة السنة :

وأما السنة : فقد اختلفوا : هل أن رسول الله صلى الله عليه و آله نهى عن ذلك أم لا، فأكثرهم على أنه نهى عن ذلك، ثم انهم اختلفوا على مذاهب :
1 - فقال بعضهم : انه صلى الله عليه و آله نهى عن ذلك ثم أباحه(4).
2 - وقال بعضهم : انه صلى الله عليه و آله أباح ذلك ثم نهى عنه.
3 - وقال بعضهم : انه صلى الله عليه و آله انما نهى عن ذلك في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة، وأذن لمن لا يوثق بحفظه (كأبي شاه اليمني)(5) الذي سأله أن يكتب له ما قاله صلى الله عليه و آله بعد فتح مكة فأمر أن يكتب له، فكتبوه.
4 - وقال بعضهم : ان النهي هو العام، وخص بالسماح له من كان قارئا كاتبا مجيدا لا يخطى‏ء في كتابته ولا يخشى عليه الغلط، كعبد الله بن عمرو بن العاص(6)، اذ سأله أن يكتب عنه واذن له، فكتب صحيفة كان يسميها (الصحيفة الصادقة).


(1) رجال النجاشي : 255 .
(2) مؤلفو الشيعة : 14. وبمعناه في الكافي 1 : 239، 242 .
(3) مؤلفو الشيعة : 15 وفتح الباري 7 : 83 ومسند احمد 3 : 35 و44 و45 و121 و122 و131 وجامع بيان العلم 1 : 71 وتقيد العلم : 88 و99 .
(4) مؤلفو الشيعة : 307 نقلاً عن ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث : 365، والرامهرمزي في المحدث الفاصل : 71، وعن الباحث الحثيث : 148، وتوضيح الافكار 2 : 353 .
(5) مؤلفو الشيعة : 308 نقلاً عن الفتح المغيث 4 : 18، وتوضيح الافكار 2 : 354 .
(6) مؤلفو الشيعة نقلاً عن تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 365، 366 .

(132)

5 - وقال بعضهم : انه صلى الله عليه و آله انما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لانهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها، فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه(1).
6 - وقال بعضهم : انه لم ينه عن الكتابة مطلقا، وانما نهى لعلل مختلفة جمع في رأيه من الآراء. ثم انهم اختلفوا - كما رأيت - في تعليل نهيه صلى الله عليه و آله عنه :
1 - فقال بعضهم : انه صلى الله عليه و آله انما نهى عن ذلك خشية الخطأ والغلط في كتابته - كما في الرأي الثالث - والمناقشة في هذا التعليل واضحة : اذ لو كان ذلك سببا للنهي لكان ذلك جاريا في القرآن أيضا، فهل روي عنه أنه صلى الله عليه و آله نهى عن كتابته أحدا أيضا ؟! واذا كان قد عيّن كُتّابا للقرآن فلماذا لم يأذن لهم في كتابة حديثه وسنته ؟ بل أطلق النهي عن كتابته، وهو باطلاقه يشمل كتّاب الوحي أيضا، ولا يمكن أن يجاب عن هذا بكثرة حفّاظ القرآن على عهده، فهل أنه أراد بقاء القرآن من بعده ولم يرد بقاء حديثه ؟ فلماذا لم ينه عن نقله أيضا ؟ واذا كان النقل بالحفظ والمعنى مباحا فهل أن خشية الخطأ والغلط في الكتابة اكثر منه في الحفظ والمعنى ؟! كل هذه اسئلة تطرح نفسها على هذا التعليل وتبقى من دون اجابة صحيحة؛ فهو مردود.
2 - وعلّل بعضهم ذلك : بأن النهي كان من خوف اتكال الناس على الكتابة وترك الحفظ - كما في الرأي الثاني - وهذا أيضا مردود : فهل أن الحفظ كان مطلوبا في نفسه ؟ وهل أن الاتكال على الكتابة مذموم في نفسه ؟ - فهذا لا دليل عليه - أم أنه من خشية الخطأ والغلط ؟ وعلى هذا فهو راجع الى التعليل الأول، وقد اجبنا عنه. ولنا أن نتساءل : اذا كان خشية الاتكال على الكتابة وترك الحفظ موجبا للنهي عن الكتابة فلماذا لم يرد النهي عن كتابة القرآن أيضا ؟!
3 - وعلّل بعضهم ذلك : بأنه انما كان لخوفه من اختلاط الحديث بالقرآن كما في الرأي الرابع.
وقد كفانا مؤونة الردّ على هذا التعليل محمود أبو ريّة في أضوائه فقال : « هو سبب لا يقتنع به عاقل عالم؛ ولا يقبله محقق دارس، اللهم الا اذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة، وأن اسلوبها في الاعجاز من اسلوبه ! هذا مما لا يقرّه أحد حتى ولا الذين جاؤوا بهذا الرأي ! اذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم اصولها من القواعد ». على أن الأحاديث لو كانت قد كتبت فانما ذلك على أنها احاديث للنبي صلى الله عليه و آله وبين الحديث والقرآن - ولا ريب - فروق كثيرة يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان و . . .


(1) مؤلفو الشيعة نقلاً عن فتح المغيث 3 : 18، وتوضيح الأفكار 2 : 354 .

(133)

فيكون ذلك على أنها أحاديث، ويتلقاها المسلمون على أنها كلام النبي، ويظل أمرها على ذلك جيلاً بعد جيل، فلا يدخلها الشوب، ولا يعتريها التغيير، ولا ينالها الوضع، . . . وما لهم يذهبون اِلى اختراع الأسباب وابتداع العلل »(1). وبهذا ترَدّ رواية أبي هريرة عنه صلى الله عليه و آله أنه قال : « كتاب غير كتاب الله ؟! أتدرون ؟ ما ضل الامم من قبلكم الا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى » ! وهي تعارض ما يأتي عنه أيضا في الاباحة، وانه لم يكن يكتب. واما حجة من قال بعموم النهي وتخصيصه في بعض الموارد، وحجة من قال بالنسخ، فقد جمعها السيد رشيد رضا في محاولته التعادل والترجيح بين روايات النهي وروايات الرخصة، فقال : « ان أصح ما ورد في المنع من كتابة الحديث : ما رواه أحمد في (مسنده) ومسلم في (صحيحه) وابن عبد البر في كتاب (العلم) وغيرهم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا».
وانّ أصحّ ما ورد في الاذن : حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا : اكتبوا لأبي شاه.
وهو لا يعارض حديث ابي سعيد . . . وذلك أن ما أمر بكتابته لأبي شاه هو خطبة خطبها صلى الله عليه و آله يوم فتح مكة موضوعها تحريم مكة ولقطة الحرم، وهذا من بيانه للقرآن الذي صرح به يوم الفتح، وأمر بتبليغه، فهو خاص مستثنى من النهي العام.
ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والاذن بها تعارضا، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين :
احدهما : استدلال من روي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها.
وثانيهما : عدم تدوين الصحابة الحديث »(2).
فأما دعوى التخصيص : فقد ردّ عليها العجاج في (السنة قبل التدوين) فقال : « واذا كانت الاخبار الدالة على اباحة الكتابة منها خاص كخبر أبي شاه، فان منها أيضا ما هو عام لا سبيل الى تخصيصه، كسماحه لعبد الله بن عمرو [بن العاص] بالكتابة، وللرجل الأنصاري الذي شكى سوء حفظه، ويمكن أن نستشهد في هذا المجال بخبر أنس، ورافع بن خديج . . . لان طرقهما كثيرة يقوي بعضها بعضا »(3).
فأما رواية ابن عمرو بن العاص فهي انه قال : « كنت اكتب كل شيء اسمعه من رسول الله اريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا : تكتب كل شيء سمعته من رسول الله ؟! ورسول


(1) اضواء على السنة المحمدية : 27، 28. ط اولى.
(2) الأضواء نقلاً عن المنار 10 : 760 و19 : 511 .
(3) السنة قبل التدوين : 306 .

(134)

الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، وذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ باصبعه الى فيه وقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه الا الحق »(1).
وقال ابو هريرة : « ما من أصحاب النبي احد اكثر حديثا عنه مني الا ما كان من عبد الله بن عمرو [ بن العاص ] فأنه كان يكتب ولا اكتب »(2).
وقال : ان رجلاً من الأنصار كان يشهد حديث رسول الله فلا يحفظه، فيسأل أبا هريرة فيحدثه، ثم شكى قلة حفظه اِلى الرسول فقال له النبي صلى الله عليه و آله : « استعن على حفظك بيمينك »(3).
ورواية رافع ابن خديج هي انه قال : وقلنا يا رسول الله، انا نسمع منك أشياء، أفنكتبها ؟ قال : « اكتبوا ولا حرج ». ورواية أنس بن مالك هي انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : « قيدوا العلم بالكتاب ».
وأما دعوى نسخ التحريم للاباحة الذي ذهب اليه صاحب المنار : فقد كفانا مؤونة ردّه الاستاذ أحمد محمد شاكر، فانه ذهب الى عكس ما ذهب اليه صاحب المنار، فادعى نسخ الاباحة للتحريم، فأورد روايات الاباحة ثم قال : « كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن، وحديث أبي شاه في أواخر حياة النبي صلى الله عليه و آله وكذلك أخبار أبي هريرة - وهو متأخر الاسلام - أن عبد الله بن عمرو [ بن العاص ] كان يكتب وأنه هو لم يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد اسلام أبي هريرة، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرا عن هذه الأحاديث في الاذن والجواز لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحا »(4).
ثم اكمل العجاج هذا البرهان بحديث الدواة والكتف فقال : « ان طلب الرسول هذا واضح في انه اراد أن يكتب شيئا غير القرآن، وكان [ هذا ] في آخر أيام حياته، فيفهم من هذا اباحته الكتابة في اوقات مختلفة ولمواضيع مختلفة في مناسبات عدة خاصة وعامة »(5). وارتأى العجاج في (السنة قبل التدوين) أن يجمع بين هذه الآراء فيحدث منه (رأيا


(1) السنة قبل التدوين : 304 نقلاً عن سنن الدرامي 1 : 125 وتقييد العلم : 74 - 83 وجامع بيان العلم 1 : 71 والالماع : 27 .
(2) المصدر عن فتح الباري 1 : 217 .
(3) المصدر عن تقييد العلم : 66 والجامع لاخلاق الراوي : 50 وتوضيح الأفكار 2 : 353 .
(4) المصدر نقلاً عن الباحث الحثيث : 148 .
(5) المصدر : 305، 306 واورد الحديث عن فتح الباري 1 : 218 وصحيح الامام مسلم 3 : 1257 و1259 وعن طبقات ابن سعد 2 : 36، 37 .

(135)

خامسا) يرجع بالتالي الى رأي نسخ النهي بالاباحة، فقال : « ورأينا في هذه الاخبار : هو صحة ما روي عن أبي سعيد من النهي وصحة ما ورد عن غيره من اباحة الكتابة [ فرأي المنع المطلق ممنوع ] ويمكن أن تكون جميع هذه الآراء الثلاثة صوابا : فنهي النبي عليه‏السلام عن كتابة الحديث الشريف مع القرآن في صحيفة واحدة : خوف الالتباس . وربما يكون نهيه عن كتابة الحديث على الصحف أول الاسلام حتى لا يشتغل المسلمون بالحديث عن القرآن الكريم، وأراد أن يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم وعلى الالواح والصحف والعظام توكيدا لحفظه ، وترك الحديث للمارسة العملية لانهم كانوا يطبقونه : يرون الرسول فيقلدونه ويسمعون منه فيتبعونه. واِلى جانب هذا سمح لمن لا يختلط عليه القرآن بالسنة أن يدوّن السنة . . . حتى اذا حفظ المسلمون قرآنهم وميّزوه عن الحديث جاء نسخ النهي بالاباحة عامة . . . »(1).
والملاحظ على العجاج في جمعه هذا : أنه لم يذكر فيه وجهين من الوجوه الثلاثة السابقة، هما : خشية الخطأ والغلط في كتابة الحديث، وخشية اتكال الناس على الكتابة وترك الحفظ، ثم أضاف علة اخرى لم يذكرها فيما سبق، هي : خشية اشتغال المسلمين بحديثه عن القرآن .
وهذا أيضا مردود : اذ لم يرد في روايات النهي الأربع ما يشير اِلى هذه العلة، ولو كان الغرض من النهي عن كتابة الحديث صرفهم اِلى الاهتمام بحفظ القرآن في الصدور والصحف والعظام، لكان ينبغي أن ترد عنه صلى الله عليه و آله في احدى روايات النهي اشارة الى تشويقهم للاهتمام بحفظ القرآن بدلاً عن حديثه؛ وحيث لا دليل عليه فهو حدس وتخمين. وهل أن النهي عن الكتابة بمجرده يدل على صرفهم الى القرآن من دون ذكره ؟ ولماذا لا يصرح به ؟ وهل أن الترغيب في القرآن يقتضي النهي عن كتابة الحديث مِن دون ذكر الترغيب في القرآن ؟! وهل أن الاشتغال بالحديث - وهو مفسّر للقرآن ومبين له ومتمّم ومكمّل - شيء يخشى منه على القرآن ؟! وهل أن اشتغالهم بالحديث كان أخطر على القرآن والإسلام من انفصالهم عنه مما نجم عنه اختلافهم فيه وبه في القرآن والاسلام حتى كفر بعضهم بعضا وافترقوا اِلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار الّا واحدة ؟! وان كان خشية الاشتغال سببا لمنع الكتابة فهل ارتفعت هذه الخشية الآن وكيف ؟ وما الفرق في الزمان ؟ فلماذا وبماذا ارتفعت الحرمة ؟ وهل يقول أحد بالحرمة الآن ؟!
كل هذه اسئلة تطرح نفسها على هذا التعليل وتبقى من دون اجابة صحيحة؛ فهو مردود أيضا، وقبل أن يردّ أبو رية في أضوائه على تعليل النهي بخشية الاختلاط، أتى بفصل من كلام السيد رشيد رضا في (المنار) انتهى فيه اِلى اختيار تعليل النهي : ـ برأي


(1) المصدر : 308 .

(136)

سادس - : يرجّح فيه « كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الاحاديث (كلها) دينا عاما كالقرآن، ولو أنهم كانوا فهموا عن النبي صلى الله عليه و آله أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب، وضبطوا ما وثقوا به، وأرسلوه اِلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها »(1).
ثم قوى هذا الترجيح بقوله : « واذا اضفت اِلى ذلك كله حكم (عمر بن الخطاب) على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث ، ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم - كأبي حنيفة - بما بلغه ووثق به من الحديث وان قل، وعدم تعنّيه في جمع غيره اليه ليفهم دينه ويبيّن أحكامه - قوي عندك هذا الترجيح.
بل تجد الفقهاء - بعد اتفاقهم على جعل الأحاديث أصلاً من اصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحفاظ لها في الدواوين، وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به - لم يجتمعوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به؛ فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة - ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية - فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها . . ولا يعد احد منهم مخالفا لاصول الدين وقد اورد ابن القيم في (اعلام الموقعين) شواهد كثيرة جدا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملاً بالقياس او لغير ذلك، ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد من دون باقيه، وقد اورد لهذا اكثر من ستين شاهدا(2).
وقد مهد للموضوع صاحب المنار قبل هذا فقال : « والعمدة في الدين : كتاب الله تعالى في المرتبة الاولى، والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية، وما ثبت عن النبي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة (3).
وقال في موضع آخر : « والعمدة في الدين : هو القرآن وسنن الرسول المتواترة، وهي السنن العملية، وبعض الأحاديث القولية التي اخذ بها جمهور السلف، وما عدا ذلك من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الدلالة فهي في محل اجتهاد، واننا نرى بعض الأئمة المجتهدين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث الصحيحة، حتى ما رواه الشيخان البخاري ومسلم منها، ولا يزال يتبعهم الملايين من الناس في تركها، ولا يعدهم سائر المسلمين ضالين عن دينهم. وقد اورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة شاهد من هذه الأحاديث الصحيحة التي خالفها الحنفية وغيرهم، وهم اكثر مسلمي هذا العصر »(4).
وقد نقل صاحب الأضواء قبل هذا كلاما عن الجرجاني في (التعريفات) في تعريف


(1) الأضواء : 26 نقلاً عن المنار 10 : 760 و19 : 511 .
(2) المصدر السابق : 27 .
(3) الأضواء : 30 نقلاً عن المنار 2 : 694 .
(4) الاضواء : 340 نقلاً عن المنار 27 : 614 - 619 .

(137)

السنة فقال : « سنة رسول الله : هي ماكان عليه هو وخاصة أصحابه عملاً وسيرة، وهذه السنة تعرف من الصحابة بالعمل والأخبار، كنحو : من السنة كذا . . . ثم اصطلح المحدثون على تسمية كلام الرسول حديثا وسنة »(1).
ثم نقل عن (الموافقات) للشاطبي : « أن الامام مالك كان يراعي كل المراعاة العمل المستمر والاكثر، ويترك ما سوى ذلك وان جاء فيه أحاديث. وقال : أحبّ الأحاديث اِليّ ما اجتمع الناس عليه »(2)
وقال في موضع آخر من كتابه : « ومن قول مالك : ان هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد ادركت سبعين ممن يقولون : قال رسول الله عند هذه الأساطين، فما أخذت عنهم شيئا، وان احدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا »(3).
ثم نقل عن السيوطي في (تنوير الحوالك) عن القاضي أبي بكر بن العربي : « أن مالكا روى مائة ألف حديث، اختار منها في (الموطأ) عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة حتى رجعت اِلى (500) حديث »(4).
ثم نقل عن السيوطي أيضا في تقريبه عن ابن حزم : أنه احصى سبعين حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها(5)، وقال الليث بن سعد : احصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة الرسول. والّف الدّارقطني جزءا فيما خالف فيه مالك من الأحاديث في موطأه(6).
ونقل في موضع آخر من كتابه (الاُم) للشافعي قوله :
فعليك من الحديث مما تعرفه العامة واياك والشاذ منه . . . وعليك بما عليه الجماعة من الحديث وما يعرفه الفقهاء، وما يوافق الكتاب والسنة . . . واجعل القرآن والسنة المعروفة لك اماما وقائدا واتبع ذلك وقس عليه ما يرد عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة »(7).
ونقل في موضع آخر من كتابه ما قاله حافظ المغرب في (الانتقاء) :
« ان كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرا من أخبار الآحاد العدول، لانه كان يذهب في ذلك الى عرضها على ما أجتمع عليه من الاحاديث ومعاني القرآن، فما شذّ عن ذلك ردّه وسماه شاذا »(8).


(1) الأضواء : 17 .
(2) الأضواء : 19 نقلاً عن الموافقات 3 : 66 و70 .
(3) الأضواء :270، 271 .
(4) المصدر السابق .
(5) المصدر السابق .
(6) الأضواء : 273 .
(7) الأضواء : 25 نقلاً عن الام للشافعي : 308 .

(138)

ونقل في موضع آخر من كتابه قول البخاري : « اخذت في جمع الجامع الصحيح . . . وخرجت الصحيح من ستمائة الف حديث . . . وما تركت من الصحيح اكثر »(1).
ونقل في موضع آخر عن النووي في شرح صحيح مسلم عن مسلم قوله : « ليس كل شيء صحيح عندي وضعته هنا، وانما وضعت هنا ما أجمعوا عليه »(2).
ونقل في موضع آخر من كتابه عن ابن كثير في مختصر علوم الحديث قوله : « كانت همة أبي داود [ في سننه ]جمع الأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار وبنوا عليها الاحكام . . . ومن قوله : ما ذكرت في كتابي حديثا اجمع الناس على تركه »(3).
ونقل في موضع آخر من كتابه كلمة للحافظ ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر) أنه قال : « نقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء قال : انما روى أحمد في مسنده ما اشتهر، ولم يقصد الصحيح ولا السقيم، ويدل على ذلك : أن عبد الله قال : قلت لأبي : ما تقول في حديث ربعي بن خراش عن حذيفة ؟ قال : الذي يرويه عبد العزيز بن أبي زؤاد ؟ قلت نعم، قال : الأحاديث بخلافه، قلت : فقد ذكرته في (السند) قال : قصدت في المسند المشهور »(4).
ونقل في موضع آخر من كتابه عن مقدمة كتاب (المغنى) ما يلي :
« يعلم من أدلة المذاهب : أن جل الأحاديث التي يحتج بها أهل الحديث على أهل الرأي وعلى القياسيين من علماء الرواية، هي من أحاديث الآحاد التي لم تكن مستفيضة في العصر الأول، او نُقل عن الصحابة والتابعين خلاف في موضوعها، فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبي وأصحابه، وليست مما أمر النبي أن يبلغ الشاهد فيه الغائب، بل كانت مما يرد كثيرا في استفتاء مستفت عرضت له المسألة فسأل عنها فاجيب، ولعله لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها ولكان خيرا له وللناس، اذ لو كانت من مهمات الدين التي أراد الله تكليف عباده اياها لبيّنها لهم من غير سؤال، فان الله تعالى اعلم بما هو خير لهم . . . وقد كان النبي صلى الله عليه و آله يكره كثرة السؤال ونهى عنها، لئلا تكون سببا لكثرة التكاليف فتعجز الامة عن القيام بها . . .
ولذلك قال : « دعوني ما تركتكم، انما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، وأختلافهم على أنبيائهم، فاذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، واذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ».
وقال صلى الله عليه و آله : « ان الله فرض فرائض فلا تعتدوها، وحد حدودا فلا تقربوها، وحرم


(1) الأضواء : 254 نقلاً عن الانتقاء : 149 .
(2) الأضواء نقلاً عن مقدمة فتح الباري : 4 .
(3) الأضواء : 281 .
(4) الأضواء : 286 .
(5) الأضواء : 298 نقلاً عن مقدمة الجزء الاول من المسند طبع المعارف : 56، 57 .

(139)

أشياءً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ».
ثم انتهى في كلامه الى ان قال : « هل الأحاديث - ويسمونها بسنن الأقوال - دين وشريعة عامة، وان لم تكن سننا متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف ؟ » ثم قال : « ان قلنا نعم فاكبر شبهة ترد علينا نهي النبي عن كتابة شيء عنه غير القرآن، وعدم كتابة الصحابة للحديث، وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء بالتحديث، بل نقل عنهم الرغبة عنه »(1).
فهؤلاء يتخذون رغبة الصحابة عن التحديث، وعدم عناية علمائهم وأئمتهم بالتحديث، وعدم كتابة الصحابة للحديث، وقبل كل هذا نهي النبي صلى الله عليه و آله عن كتابة شيء عنه غير القرآن - حسب تلك الروايات - دليلاً على أن رسول الله صلى الله عليه و آله لم يرد أن يجعل أحاديثه دينا وشريعة عامة متّبعة من بعده في امته.
ويستشهدون لهذا بأحاديث نهيه عن كثرة السؤال عما لم يقله، وعن البحث عما سكت عنه الله رحمة بعباده.
ويجعلون الغاية لهذا النهي : هي أن لا تصبح هذه الاسئلة الكثيرة سببا لتكاليف كثيرة تعجز الاُمة عن القيام بها، اذ انهم لو لم يسألوا لم يجابوا ولو لم يجابوا لكانوا في سعة من العمل باجتهادهم فيها « اذ لو كانت من مهمات الدين التي أراد الله تكليف عباده اياها لبيّنها لهم من غير سؤال، فان الله تعالى أعلم بما هو خير لهم ».
فالتشريع اذن : تشريع عام جرى عليه عمل النبي وأصحابه، وأمر النبي صلى الله عليه و آله أن يبلغ الشاهد فيه الغائب. وتشريع خاص : هي الاجابات الخاصة التي وردت على استفتاءات أفراد المسلمين ممن « عرضت له المسألة فسأل عنها فاجيب، ولعله لو لم يسأل عنها لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها، ولكان خيرا له وللناس ».
اذن : فسنة رسول الله صلى الله عليه و آله : هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملاً وسيرة، وهي العمدة بعد القرآن في المرتبة الثانية، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف في الدرجة الثالثة؛ وأما ما عدا ذلك من أحاديث الآحاد - وكلها آحاد - فهي محل اجتهاد وان كانت احاديث قد اتفقوا على صحتها جميعا، فيجوز ردّها والعمل بالقياس او غيره، « كما حكم عمر على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث »(2) او الأخذ
ببعضها دون باقيها، بل يجوز « كما فعل أبو حنيفة »(3) ان يكتفي المسلم بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قلّ، ولا يجب عليه تعنّيه في جمع غيره اليه ليفهم دينه ويبيّن أحكامه،


(1) الأضواء : 343، 344 نقلاً عن مقدمة كتاب المغني 1 : 18، 19 .
(2) الأضواء : 27 نقلاً عن المنار للسيد رشيد رضا 10 : 760 و9 : 511 .
(3) نفس المصدر السابق .

(140)

ولا يعد أحد بهذا مخالفا لاصول الدين، بل ولا ضالاً عن الحق (1).
فسنة رسول الله صلى الله عليه و آله هي : السنة العملية وبعض الأحاديث المشهورة فقط.
وهي « تعرف من الصحابة بالعمل، والأخبار، كنحو : من السنة كذا »(2) وللمتفقه أن يسأل هؤلاء الفقهاء : إذن : فبعد اتفاقهم على جعل الأحاديث أصلاً من اصول الأحكام الشرعية، وبعد أن قالوا : انها لا يعمل بها الا ما كانت سنة عمليّة او أخذ بها جمهور السلف، وبعد أن قالوا : ان السنة العملية وما أخذ به الجمهور يعرف من الصحابة بالعمل والأخبار، كنحو : من السنة كذا، وبعد أن لا سبيل لنا الآن اِلى معرفة عمل جمهور الصحابة الا الأخبار، كنحو : من السنة كذا، وبعد أن نهى النبي صلى الله عليه و آله عن كتابة شيء غير القرآن - كما يزعمون، ولو كانت من السنة العملية أو ما يأخذ به الجمهور - وبعد عدم كتابة الصحابة للحديث وعدم عناية علمائهم وأئمتهم - كالخلفاء - بالتحديث بل رغبتهم عنه، فمن أين يصل الينا عمل جمهور الصحابة او ما أخذ به جمهور السلف الا من الكتابة او التحديث - على الاقل -، فلماذا منعوا من الكتابة ورغبوا عن التحديث ؟ ومن أن تصل الينا السنة العملية او ما أخذ به الجمهور - بعد فصل الزمان - مع المنع من الكتابة وتشديدهم في التحديث ؟ وهل بقي من السنة العملية شيء لم يختلف فيه اثنان حتى نأخذ به من العمل المجمع عليه من دون حاجة اِلى الحديث ؟ وهل لا يكون (دورا) ارجاع صحة الأحاديث الى مطابقة السنة العملية ورجوع السنة العملية أيضا اِلى الأخبار ؟
المدعى لهؤلاء : هو أن رسول الله صلى الله عليه و آله لم يرد أن يجعل أحاديثه دينا وشريعة عامة. ودليلهم على هذا المدعى : هو انه نهى عن كتابة أحاديثه.
وشاهدهم على دلالة هذا الأمر على المدّعى : هو أنه صلى الله عليه و آله نهى عن كثرة السؤال أيضا.
وللمناقشة حول المدعى والدليل والشاهد مجال واسع :
أما المدّعى؛ فهو يبتنى على تقسيم سنة رسول الله من حيث العمل بها إلى سنة عملية وقولية أخذ السلف بها ويجب العمل بها، وسنة قولية لم يأخذ السلف فهي آحاد يجوز العمل بها ويجوز الاجتهاد فيها وتركها للقياس وغيره، بل يجوز تبعيض الصفقة فيها بالعمل ببعض الحديث الواحد وترك بعضه الآخر اجتهادا.
وأما الدليل؛ فقد قسم المنطقيون أنواع دلالة الألفاظ على معانيها اِلى دلالة نفس الألفاظ على معانيها مباشرة، ودلالتها على أشياء يكون المدعى من ضمنها، ودلالتها على معنىً يلازم ثبوت او اثبات معنى آخر.
والظاهر أن المدعي هنا يدعي أن العمل بحديثه صلى الله عليه و آله يلازم كتابته، فلو أراد العمل به


(1) نفس المصدر السابق .
(2) الأضواء : 17 نقلاً عن التعريفات للجرجاني .

(141)

لأمر بكتابته أو سكت عنها، فحيث نهى عنها يعلم منه أنه لا يريد العمل بها لمكان الملازمة بينهما.
ولنا أن نقول أولاً : فما القول فيمن كان يسمع أحاديثه تلك على عهده من نفسه صلى الله عليه و آله او بطريق الآحاد ؟ أفهل كان يجوز له أن يخالفها باجتهاد او غيره ؟ بحجة أنه صلى الله عليه و آله لم يكرّر ولم يؤكد ولم يردّد القول فيه ولم يأمر بتبليغه الشاهد فيه الغائب ؟! أم بحجة أن عمله صلى الله عليه و آله حجة وقوله ليس بحجة ؟! وما الدليل على هذا ونحن نرى أن ما يدل على حجية حديث رسول الله صلى الله عليه و آله مطلق لا تخصيص فيه، فما الدليل على هذا التفريق وهذا التخصيص من دون مخصّص ؟!
والخلاصة : ان ما يدل على حجية السنة لا يختص بحجية عمله من دون قوله، او بحجية سنته العملية من دون سنته القولية، او بحجية سنته القولية المتواترة من دون سنته القولية الآحادية. فالذي يدلنا على حجية السنة العملية او القولية المتواترة او الآحاد لمن وثق واطمأن بها، يدلنا على حجية الشطر الآخر من السنة أيضا، من دون أن يتبيّن لنا من مدّعي عدم حجيته أي دليل مخصص لحجية مطلق السنة.
فان كان لايجوز مخالفة قول رسول الله صلى الله عليه و آله بل كان يجب العمل به على من بلغه على عهده، فما الفرق بين عهده وبعده ؟ وما الدليل على هذا الفرق وهذا التخصيص من دون مخصص أيضا ؟!
ان كان الدليل عليه نفس النهي عن كتابته، فالكتابة وسيلة البلوغ، فان لم يبلغ فلا كلام، ولكنه اذا بلغ - مع نهيه عن كتابته أي عن تبليغه على الفرض - فهل يجوز مخالفته بحجة أنه صلى الله عليه و آله لم يرد تبليغه ؟ فلو كان كذلك جاز مخالفة نهيه صلى الله عليه و آله عن كتابة حديثه - لانه غير متواتر أيضا كما سيأتي -، ولو كان يخالف هذا النهي بكل ما أمكن كانت أحاديثه كلها متواترة يجب العمل بها، وان كان يريد عدم العمل بها دينا وشريعة عامة وتقسيم شريعته الى القسمين المذكورين، لكان عليه - بناءً على ما قلتم - ان يؤكد هذا النهي ويردّد القول فيه ويكرّره ويأمر بتبليغ الشاهد فيه الغائب حتى يبلغ حد التواتر ولا يقف على أبي سعيد الخدري وأبي هريرة الموضوع عليه انه كان يكتب والمعارض بقوله في آخر عنه : « . . . فأنه كان يكتب ولا اكتب »(1).
والمعارض بحديثين آخرين عنه بالاباحة (2) والا لجاز أن تكتب بعده وتبلّغ بكل ما أمكن حتى تبلغ حد التواتر فيسقط هذا الفرق الذي يُراد بين ما يجب العمل به وما لا


(1) لسنة قبل التدوين : 304 عن فتح الباري 1 : 217 .
(2) السنة قبل التدوين : 304 .

(142)

يجب - على الفرض، فحيث لم تبلغ روايات النهي حدّ التواتر فاما ان يكشف عن عدم ارادة هذا الفريق بين ما يراد وما لا يراد - وحينئذ فلا داعي للنهي عن كتابة حديثه - واما أن يكشف عن عدم صحة روايات النهي من الأساس، خصوصا مع معارضتها باكثر منها.
وثانيا : لو كان عدم التواتر مجوزا للاجتهاد والردّ فنحن نردّ روايات النهي لعدم تواترها، فلا دلالة لها على شيء.
وأما الشاهد؛ فالنهي عن كثرة السؤال لا يدل الا على النهي عن كثرة السؤال فقط، وأما أن يدل على عدم وجوب العمل بما أجاب به من سأله - حتى ولو كان السؤال من الكثير المكروه او الممنوع - فهذا مما لم يقل به أحدٌ، فهل يدل على عدم وجوب العمل بما قاله ولم يتواتر عنه صلى الله عليه و آله ؟!.
ثم ان هناك ملاحظات على جزئيات ما نقله أبو رية من الكلمات استشهادا لرأيه، نذكرها فيما يلي :
1 - قال صاحب المنار : « . . . كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث كلها دينا عاما كالقرآن، ولو أنهم فهموا عن النبي صلى الله عليه و آله أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه اِلى عمالهم ليبلغوه . . . »(1).
وهذا منقوض بالأحاديث المتواترة، فهل أنهم فعلوا كل ما ذكر فيها ؟ هذا ما لم ينقله ولم يقله أحد، فهل يمكننا أن نحتج بتركهم ذلك في الأحاديث كلها أن ننكر وجود المتواتر المؤكد المأمور بتبليغه الشاهد الغائب ؟ أم هل يمكننا أن نحتج بتركهم ذلك في الأحاديث كلها على جواز ردّ جميعها بالاجتهاد بالقياس وغيره ؟!
اذن : ففعل الراشدين من المسلمين وتركهم في هذا المجال مما لا يمكن أن يستدل به على شيء.
2 - وقال : « . . . واذا أضفت اِلى ذلك كله حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث »(2).
نقول : فهل كان يجوز هذه المخالفة على عهده صلى الله عليه و آله أم لا ؟ واذا كان لا يجوز فما الفرق ؟ ثم ما وجه الحجة فيها ؟ ونحن نعلم أن اجتهادات عمر في نصوص رسول الله صلى الله عليه و آله كانت كثيرة ذكر ثلة منها كتاب (النص والاجتهاد).
3 - وقال : « . . . ومن اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه وان قل وعدم تعنيه في جمع غيره »(3).


(1) المنار 1 : 760 و19 : 511 .
(2) نفس المصدر السابق .

(143)

هذا كلام من صاحب المنار ليس فيه نور ولا يفهم ما يقول بالضبط، فهل أنه كان يجوز هذا لأبي حنيفة فقط أم يجوز لغيره أيضا ؟ وان كان يجوز فهل فعل غيره مثله ؟ وهل يجوز لكل أحد مهما كان وأنى كان ومتى كان أن يكتفي بما بلغه مهما قل ؟ وهل يبقى مع هذا من دين رسول الله شيء يذكر غير نصوص القرآن ؟ فما أثر رسول الله اذن ؟ ولم التقليد اذن ؟
4 - قال الشاطبي عن الامام مالك أنه كان يقول : « . . . أحب الأحاديث اِليّ ما اجتمع الناس عليه »(1) ما الحجة في قول مالك ؟ وهل اجتماع الناس على عهد بني أمية على لعن علي عليه‏السلام كان أحب اليه ؟
5 - بنى ابو رية ادعاءه هذا على تعريف الجرجاني للسنة بأنها « ما كان عليه هو وأصحابه عملاً وسيرة . . . ثم اصطلح المحدثون على تسمية كلام الرسول حديثا وسنة »(2) وقال في هامش كلام الشافعي في الاُم : « ما يوافق الكتاب والسنة » قال : « السنة هي السنة العملية، وما كانت تعرف عندهم الا بذلك »(3).
وقد نقل عن الليث بن سعد أنه كان يقول : « أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة رسول الله »(4) فهل أنه كان مخالفا فيها لسنة رسول الله العملية ؟ وهل كان يجوز مخالفتها أيضا ؟ أم أن الليث بن سعد من المحدثين في الاصطلاح حتى يطلق السنة على الحديث ؟ أم أن هذا التعريف من الجرجاني اجتهاد ؟ والأخير أولى، وقد ردّ البناء على هذا التعريف العجاج في التعريف بالسنة (5).
6 - نقل عن الشافعي في الاُم قوله : « فعليك من الحديث بما تعرفه العامة واياك والشاذ منه »(6) فهل كان الشافعي يتخذ ما تعرفه العامة على عهد بني امية من فضائلهم ويترك ما شذ من فضائل علي عليه‏السلام ؟!.
7 - ونقل عن أبي داود قوله : « ما ذكرت في كتابي حديثا اجمع الناس على تركه »(7).
فقد اجمع الناس على ترك ما يكرهه بنو أمية، فمن أين لنا بما قاله الرسول اذن ؟!
8 - ونقل عن الامام أحمد أنه قال : « انما قصدت في المسند المشهور »(8).
فهل كان يشتهر على عهد بني أمية مشاهير فضائل علي عليه‏السلام وسوابقه ؟ فهل كان من


(1) نفس المصدر السابق .
(2) الموافقات 3 : 69، 70 .
(3) الأضواء : 17 .
(4) الأضواء : 250 .
(5) اضواء : 270، 271 .
(6) السنة قبل التدوين : 15 - 18 .
(7) الاُم 7 : 308 .
(8) الأضواء : 298 .
(9) عن مقدمة مسند الامام : 56، 57 .

(144)

الحق تركها ؟!
9 - نقل عن مقدمة (المغني) قوله : « ... ولو لم يسأل لكان في سعة ولكان خيرا له وللناس »(1) عجيب ! هل أن اجتهاد الرجل كان خيرا مما أجابه به الرسول ؟! فلماذا أجابه الرسول ومنعه من هذا الخير ؟! ولماذا لا يجوز له اذن أن يرجع عن جواب الرسول فيخالفه اِلى ماهو خير له ؟! ولماذا نحن لا نأخذ بهذا الخير في كل مجال ؟!
10 - وقال : « اذ لو كان من مهمات الدين . . . لبيّنها لهم »(2) وأظنه يكفي للجواب قوله المعصوم عليه‏السلام : « أبى الله أن يجري الامور الّا بأسبابها »، « ولكل شيء سببٌ »(3) فهل أن جميع المهمات من أمور الدين بينت من دون سؤال ؟ وهل أن كل ما سئل عنه فاجيب ليس من مهمات الدين ؟!
11 - وقال : « ان قلنا نعم ! فاكبر شبهة ترد علينا نهي النبي عن كتابة شيء عنه غير القرآن »(4) كأن الأمر مانعة الخلو، فلا سبيل الا الى أحد أمرين : فاما أن يكون الرسول صلى الله عليه و آله قد نهى، فالأحاديث ليست دينا وشريعة عامة؛ واما أن تكون الأحاديث دينا وشريعة عامة، فلماذا ينهى عنها الرسول ؟! وأما أن تكون الأحاديث شريعة عامة والرسول لم ينه عنها بل أمر بها فكأنه أمر محال يمكن أن يكون ؟!
النتيجة :
والآن انتهينا من استعراض أقوال غير الشيعة في كتابة الأحاديث على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله واستجلاء رأيهم في تعليل النهي والاباحة، واستوضحناها فلم تكن واضحة بل كانت واهية أمام النقد، غير كافية ولا مقنعة في توجيه صدور النهي عنه صلى الله عليه و آله .
والآن نقول : فان كانت التعليلات التي ذكروها لصدور النهي عنه صلى الله عليه و آله غير كافية لتوجيهه، كان وهن توجيهات الصدور كافيا لاثبات عدم الصدور، اذ انه صلى الله عليه و آله أجلّ من أن يصدر عنه ما لا يمكن أن يعلل او يوجه توجيها مقبولاً، اذ انه كما قال عنه الله تعالى : «و ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى» و لا يعقل أن يوحي الله تعالى اليه ما لا يمكن أن يوجه توجيها صحيحا يعقل فيقبل.
هذا هو مقتضى البحث حول دلالة روايات المنع والاباحة، واذا ثبت عدم صدورها من حيث دلالتها فهي مردودة حتى ولو كانت سليمة من المعارض، فضلاً عن عدم سلامة هذه الأخبار الثلاثة عن المعارض من طريق نفس هؤلاء الرواة وغيرهم.


(1) الأضواء : 343، 344 نقلاً عن مقدمة كتاب المغني 1 : 18، 19 .
(2) نفس المصدر السابق .
(3) غرر الحكم : الحديث 7281 .
(4) الأضواء : 343، 344 نقلاً عن مقدمة كتاب المغني 1 : 18، 19 .

(145)