مقالات  

"و سلّموا تسليماً" انقياداً أو تکريماً؟

و سـلّموا تسـليما
انقيادا أو تكريما ؟

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

«وسلّموا تسليما » ذيل الآية 56 من سورة الأحزاب : «إنّ اللّه‏ وملائكته يصلّون على النبيّ يا أ يّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما » .
وسورة الأحزاب هي الرابعة من السور المدنية بعد البقرة والأنفال وآل عمران(1) ، وقال الطباطبائي : « فيها قصة غزوة الخندق وإشارة الى قصة بني القريظة من اليهود(2) بل في السورة آية التخيير بين الدنيا والآخرة لنساء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، الآية 28 من السورة ، وفيهن ميمونة بنت الحارث الهلالية التي تزوّجها النبي في عمرة القضاء في السنة الثامنة للهجرة ، كما في « التبيان » عن ابن زيد وعكرمة ومجاهد(3) .
وعليه فرسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان قد فتح خيبر ، وكان هو الفتح القريب المبين الموعود به ، والغريب ذا الأثر الشديد الثقيل على اليهود والمشركين ، وكان لخبره الأثر الكبير والعظيم في عاصمة الشرك والكفر ـ آنذاك ـ مكة مما جرّ عمرو بن العاص السهمي وخالد بن الوليد المخزومي الى الاستسلام للاسلام .


(1) التمهيد 1 : 106 .
(2) الميزان 16 : 273 .
(3) التبيان 8 : 334 و 336 و 354 .

(41)


بل كان ذلك بعد صلح الحديبية ، وبالافادة من جوّ الأمن والأمان المتحصّل بشروط الصلح قد دخل في الاسلام اكثر من كلّ من دخل فيه قبله . هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى فقد غنم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خيبر وتزوّج بابنة زعيمهم حُيّي بن أخطب اليهودي ، وأفاء اللّه‏ عليه من أهل القرى فدك وغيرها ، ثم وصلته هدايا المُقوقس الاسكندري وفيها مارية القبطية اُمّ ابراهيم ، وتوقّع أزواجه منه أن يفتح عليهن أبواب الدنيا ، فاعتزلهن في مشربة أم ابراهيم شهرا ، ثم نزلت عليه آية تخييرهن بينه والدار الآخرة وبين الزينة والحياة الدنيا ( الاحزاب : 28 ) فاخترنه ، فحرّم اللّه‏ عليهن الزواج بعده باضفاء عنوان ( امّهات للمؤمنين ) عليهنّ ، فتجاسر طلحة بن عبيد اللّه‏ التيّمي على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بقول كان فيه نيل منه وأذىً له .
فأنزل اللّه‏ فيه قوله سبحانه : «. . . وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه‏ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ان ذلكم كان عند اللّه‏ عظيما * إن تبدو شيئا أو تخفوه فان اللّه‏ كان بكل شيءٍ عليما »(1) ثم قال بعدها بآية : «إنّ اللّه‏ وملائكته يصلّون على النبييا أ يّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما »وأردفه بقوله : «إنّ الذين يؤذون اللّه‏ ورسوله لعنهم اللّه‏ في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذابا مُهينا »(2) .
ولعلّ هذا هو الذي حمل القمي في تفسيره لذيل الآية : «وسلّموا تسليما » على أن يقول : أي وسلّموا له صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالولاية وبما جاء به(3) .
بل حمل الزمخشري على تقديم هذا المعنى فيقول : قيل : المراد به : الانقياد له ؛ كما في قوله تعالى : «فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا


(1) في مجمع البيان 8 : 574 عن ابي حمزة الثمالي قال : إنّ رجلين قالا : أينكح محمد (كذا) نساءنا ولا ننكح نساءه بعده ؟! واللّه‏ لئن مات لننكحنّ نساءه ! وكان أحدهما يريد ام سلمة والآخر يريد عائشة . وروى عن ابن عباس قال : نزل قوله : « . . . وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه‏ . . . » في رجل من الصحابة قال : لئن مات رسول اللّه‏ لأنكحنّ عائشة ! وقال مقاتل هو طلحة بن عبيد اللّه‏ . وفي التبيان 8 : 358 : قال رجل من بني تيم . وفي الميزان 16 : 343 عن الدر المنثور عن السدي أيضا مصرحا باسم طلحة التيمي . وفي تفسير القمي كذلك 2 : 195 .
(2) الاحزاب : 57 .
(3) تفسير القمي 2 : 196 .

(42)


مما قضيت ويسلّموا تسليما »(1) ، وتبعه القاضي البيضاوي في تفسيره(2) .
وكذلك الشيخ الطوسي في « التبيان » قال : ثم أمر المؤمنين أن يسلّموا لأمره ولأمر رسوله تسليما في جميع ما يأمرهم به . ثم ذكر المعنى الآخر(3) .
والشيخ الطبرسي في « مجمع البيان » روى عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللّه‏ عليه‏السلام عن هذه الآية فقلت : قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم ؟ فقال : هو التسليم له في الاُمور . ثم قال : فعلى هذا يكون معنى قوله : «وسلّموا تسليما » أي : انقادوا لأوامره وابذلوا الجهد في طاعته في جميع ما يأمركم به . ثم ذكر المعنى الآخر(4) .
والخبر رواه البرقي في « المحاسن » بسنده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللّه‏ الصادق عليه‏السلام عن قول اللّه‏ عزّ وجل : «إنّ اللّه‏ وملائكته يصلّون . . . » قال : الصلاة عليه ، والتسليم له في كل شيء جاء به(5) .
وروى فرات بن ابراهيم الكوفي في تفسيره بسنده عن ابي هاشم قال : كنت مع جعفر بن محمد عليه‏السلام في المسجد الحرام ، فصعد الوالي المنبر يخطب يوم الجمعة فقرأ : «إنّ اللّه‏ وملائكته يصلّون . . . » فقال جعفر عليه‏السلام : يا أبا هاشم ، لقد قال ما لا يعرف تفسيره ، قال : « وسلّموا » لعليّ بالولاية « تسليما »(6) .
ولاخلاف في أن الصلاة على محمد وآله كانت واجبة مفروضة ضمن فرائض الصلوات ونوافلها من قبل نزول هذه الآية ، ولم تجب صلاة عليه خاصة بنزولها ، اذن فليست الآية من آيات الاحكام التشريعية ، وعليه فليس تشريع الصلاة عليه هو الجديد في الآية ، وإنما الجديد تنصيص القرآن على أن الصلاة عليه ليست من المؤمنين فقط ، بل من اللّه‏ وملائكته أيضا من قبل ، هذا في الصلاة عليه .
وأ مّا قوله سبحانه : «وسلّموا تسليما » فهل هو بمعنى التسليم عليه مع الصلاة عليه ؟


(1) النساء : 65 .
(2) عنهما الطريحي في مجمع البحرين مادة « سلم » .
(3) التبيان 8 : 360 .
(4) مجمع البيان 8 : 579 .
(5) المحاسن للبرقي 1 : 422 .
(6) تفسير فرات الكوفي : 342 ط . المحمودي .

(43)


فهل هو تشريع تأسيسي لذلك ؟ أم هو بمعنى التسليم له وليس التسليم عليه ؟
الجواب : أن ما قدّمنا الاشارة اليه ، وما سبقت الاشارة اليه في آيات السورة ، ونهيها وتعظيمها لأذيّة اللّه‏ في رسوله قبل هذه الآية بقوله سبحانه : «. . . وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه‏ . . . » وبعدها مباشرة بقوله سبحانه : «إنّ الذين يؤذون اللّه‏ ورسوله لعنهم اللّه‏ . . . »كل هذا لا يناسب التسليم عليه بمقدار ما يناسب التسليم له ، كما استأنس لذلك الزمخشري بالتسليم في آية سورة النحل : «فلا وربّك لا يؤمنون . . . ويسلّموا تسليما » ونستأنس بالآية 22 من سورة الاحزاب نفسها : «ولما رَءَا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللّه‏ ورسوله ، وصدق اللّه‏ ورسوله وما زادهم الاّ ايمانا وتسليما » ولم يرد في القرآن الكريم تسليم في غير هذه الآيات الثلاث ، كما لم يرد الترديد بين المعنيين للتسليم فيما سوى آية الصلوات .
وقد مرّ الخبران عن الصادق عليه‏السلام في تفسير التسليم بالانقياد دون السلام ، إضافة الى أنّ جل الأخبار عنهم عليهم‏السلام ـ إن لم تكن كلّها ـ عند ذكر النبي تصلي عليه هكذا « صلّى اللّه‏ عليه وآله » بدون « وسلّم » مما يدعم معنى هذين الخبرين ، ولا وجه لها الاّ هذا ، ولم يرد الجمع بينهما الاّ في الأقل القليل ، وإنّما شاع بفعل المطابع في هذا العصر الأخير . ولا يخفى أن محاولة الجمع بينهما في الكلام غالبا ما يؤدّي الى اختزال « الآل » في درج الكلام .

(44)